لوركا... شاعر صاغ موته

لوركا... شاعر صاغ موته

'ليمهلني الموتُ حتى أصير في قرطبة،

قرطبة البعيدة

الوحيدة'

قال لوركا في أحد أشعاره، وفعلًا، كان القدر سخيًا معه، فأعطاه ما تمنى، لا العمر المديد، ولا الحريّة، أعطاه الموت على يد بعض بني وطنه.

سقطت المدينة تلو الأخرى بيد جماعة الطاغية فرانكو، لم يجد الشاعر المطلوب رأسه بُدًا من العودة إلى مسقط رأسه، فعاد؛ ولم تجد الأقلام المحبّة أو الواشية، أيضًا، حرجًا من نشر خبر عودته وتداوله أمام الجميع، فكانت ميليشيا فرانكو على موعد مع الشاعر الذي نال شهرةً عالمية، على صغر عمره، فلم يكن عند إعدامه قد تجاوز الـ38 عامًا.

لجأ لوركا إلى بيت أحد أصدقائه، لويس روزاليس، الشاعر المغمور حينها، ذي العلاقة مع الانقلابيين، فتوسط بين الشاعر والسلطات الجديدة، التي وعدته بأن 'تحقّق مع الشاعر فقط، وستطلق سراحه في ما بعد، فلا تهمَ ضدّه أو شكاوىً'، فدلهم الشاعر بحسن النية وسلامة الطوية على مكان لوركا، فأعدموه ظنًا منهم بأنهم سيقضون على شعره كما قضوا على جسده، الذي لم يُعرف موضعه حتّى الآن، فكانت، الأقدار سخيّة مع الشاعر، مرّة أخرى، أيضًا، حين حقّقت له نبوءته

'وعرفت أنني قتلت

وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس

فتحوا البراميل والخزائن

سرقوا ثلاث جثثٍ

ونزعوا أسنانها الذهبية

ولكنهم لم يجدوني قط'.

كان لوركا من عشّاق التجوال، فنتاجه الأول، انطباعات ومناظر، هو نتاج التجوال في المدن الإسبانية والحواضر هناك.

ونقطة التحول في شعره ورؤيته للحياة، كانت بعد زيارته للولايات المتحدة، حين انصدم من الثقافة الأميركيّة الحديثة المرتكزة على المدينة الصناعية لا القرى والأرياف، فعاد من هناك ليكتب ديوانه 'شاعر في نيويورك'، شاهدًا على انهيار البورصة الأميركيّة، أو ما يعرف بالإثنين الأسود، فالكساد العظيم، فوجد في نفسه شيئًا كارهًا للرأسماليّة، رافضًا لمعاملة السود كالعبيد وتعنيفهم في الأزقة والشوارع وما هم ملاقونه من إيهابٍ سدَّ في وجههم الكنائس والمسارحَ وأفق الحياة.

لوركا، الذي حدّد وفاته وشروطها في أشعاره، كانت الحياة سخيّة معه جدًا وبخيلة، فأصرت بكل لجاجة أن تمنحه الموت بما يشتهيه، وأن تحرمه الحياةَ وما فيها، ربما، بحثًا عن فراديس السماء التي تعذر صنعها على الأرض.