من قتل ناجي العلي؟

من قتل ناجي العلي؟
الشهيد ناجي العلي

تصادف غدا السبت، 29 آب/أغسطس، ذكرى استشهاد الفنان الفلسطيني ناجي العلي، وبهذه المناسبة يعيد موقع عرب 48 طرح سؤال من اغتال حنظلة؟

في شهر نوفمبر العام الماضي، نشر الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر، مقالا توضيحيا في 'العربي الجديد' رد فيه على مقابلة من جزئين أجرتها الصحيفة ذاتها مع المؤرخ الفلسطيني عبد القادر ياسين، وتطرق فيها إلى اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي وقدم رواية تاريخية منطقية عن ملابسات وخلفيات الاغتيال واللغط الذي انتشر كالنار في الهشيم حينها عن تورط الشهيد ياسر عرفات باغتيال حنظلة، كما يتطرق أبو فخر ظاهرة خطيرة لا تزال قائمة وهي الشائعات والتشويهات.

كتب أبو فخر إنه 'ما برح عبد القادر ياسين مصرًا على أن أبو عمار أومأ برأسه للواء محمود الناطور (أبو الطيب)، فتم اغتيال ناجي العلي، لأنه رسم كاريكاتيرًا يتعرض فيه لعرفات ورشيدة مهران. وهذا كلام لا يمكن الركون إليه، وهو من باب النميمة التي شاعت في الأوساط الفلسطينية. فصديقي أبو جميل لم يكن موجودًا حين 'أومأ أبو عمار'، ومَن نقل إليه هذه 'الخبرية' مجهول، و'المتهم' ياسر عرفات استشهد. فماذا يبقى من عناصر التحقق؟ لا شيء بالتأكيد، لأن هذه التهمة مجرد حكاية أشاعها أبو نضال (صبري البنا) وزعرانه، مثلما أشاع، سابقًا، أن أم أبو إياد يهودية، وتبين أنها من آل السقا المسلمين. وحتى لو كانت يهودية، فما الضير في ذلك؟ فالمعروف أن عددًا من المناضلين الفلسطينيين ممن سجنوا أو اختطفوا هم من أمهات يهوديات أمثال كمال النمري ووليم نصار وسمير أبو غزالة (الحاج طلال) ومحمود زايد وغيرهم'.

وتابع: 'ومهما يكن الأمر، فليس صحيحًا ما أورده عبد القادر ياسين عن وقائع اغتيال ناجي العلي في لندن، فهذا الاتهام شاع غداة اغتيال ناجي 22/7/1987، وروّجه كثيرون راحوا يكتبون أن ياسر عرفات من أصل يهودي مغربي، وأن آل القدوة الذين ينتسب عرفات إليهم جاءوا من بلدة 'قدوة' المغربية إلى فلسطين (شارك في هذه اللوثة ناجي علوش وغازي حسين). وللأسف، فما برحت هذه الأُغلوطة متداولة أما الرواية الصحيحة لاغتيال ناجي العلي فهي على النحو التالي: في سنة 1986 عندما كان نوام عدموني رئيسًا للموساد، اكتشف الألمان ثمانية جوازات سفر بريطانية مزورة بإتقان، وتبين أن هذه الجوازات أُعدت لفريق الموساد في لندن، ومنهم شخص فلسطيني، يدعى إسماعيل صوان. لكن، ما هي المهمة التي كانت تنتظر هذا الفريق؟'.

يوضح أبو فخر أنه 'كان للموساد آنذاك هدفان: الأول قطع الطريق على العلاقات الفلسطينية – البريطانية التي راحت تنمو بعهد تاتشر، تمامًا مثلما جُنَّ يتسحاق حوفي (1973) حين علم بتفصيلات التفاهم الأميركي – الفلسطيني الذي وقعه أبو حسن سلامة وروبرت آيمز، غداة الهجوم على السفارة الأميركية في الخرطوم، والثاني اغتيال مندوب '17' في السفارة الفلسطينية في لندن، عبد الرحيم مصطفى، للاشتباه بتجنيد متطوعين.

وكان للموساد عميلان هما: إسماعيل صوان (من بلدة السواحرة الشرقية) الذي كانت مهمته مراقبة كارلوس في فرنسا، ولما فشل، أُرسل إلى لندن، لمراقبة عبد الرحيم مصطفى والاندساس بين الفلسطينيين، وبشار سمارة (من الجولان) الذي تولى مهمة الوصل بين صوان و'ضابط الحالة' في السفارة الإسرائيلية. وفي لندن، عمل إسماعيل صوان على تطوير علاقته بعبد الرحيم مصطفى، وقبيل اغتيال ناجي العلي، أخفى الموساد حقيبة أسلحة لدى صوان، وما إن شاهَدَ صوان خبر اغتيال ناجي العلي على التلفزيون، حتى دب الرعب فيه، وغادر لندن مع زوجته إلى تل أبيب، والتقى ضباط الموساد الذين طمأنوه، وطلبوا منه العودة إلى لندن، وفور وصوله لندن، اعتقلته المخابرات البريطانية، ووجهت إليه تهمة اغتيال ناجي العلي. وحُكم عليه بالسجن 12 سنة، أمضى منها ثماني سنوات، وفور خروجه، سافر إلى إسرائيل التي تدبرت له لجوءًا إلى السويد، خوفًا عليه من الاغتيال، بعدما اغتالت المقاومة شقيقه إبراهيم 1988 بتهمة العمالة. أما بشار سمارة، فقد اعترف فدهمت المخابرات البريطانية منزل ضابط الحالة في محطة الموساد في لندن 'ألبرت'، والذي كان في طريقه إلى تل أبيب'.

وأضاف أبو فخر أنه 'يقول عبد القادر ياسين إن محكمة لندن حكمت على مندوب 'القوة 17' بالترحيل، وعلى العميل المزدوج بالسجن. وهذا غير صحيح على الإطلاق، لأن عبد الرحيم مصطفى كان قد غادر لندن في يناير/كانون الثاني 1987، أي قبل عملية الاغتيال بسبعة أشهر. ثم لماذا يُحكم بالترحيل، إذا كان مشاركًا بالاغتيال؟ فهو لا يتمتع بأي حصانة دبلوماسية، ومكتب منظمة التحرير في لندن مكتب تمثيلي وليس سفارة. وفي أي حال، فإن عبد الرحيم مصطفى شارك في معارك الدفاع عن المخيمات في لبنان، واعتقلته حركة أمل ستة أشهر، ثم سلمته إلى المخابرات السورية، وخرج من السجن 1985 وعاد إلى فلسطين لاحقا حيث اعتقلته القوات الإسرائيلية في خضم الانتفاضة الثانية في 15/7/2002. ولو كان هو فعلًا مَن اغتال ناجي العلي لكانت إسرائيل 'طنطنت' به على محطات التلفزة، واستعملته لشرشحة ياسر عرفات. وقصارى القول إن تحقيقات المخابرات البريطانية أدت إلى طرد آرييه ريغيف (ملحق في السفارة الإسرائيلية) وبشارة سمارة من لندن، وسجن إسماعيل صوان، وطرد ثلاثة إسرائيليين آخرين من محطة الموساد في لندن، بينهم يعقوب براد. ولم توجه المحكمة أي اتهام لمنظمة التحرير الفلسطينية في شأن اغتيال ناجي العلي'.

رد على رد

وفي أعقاب الرد التوضيحي الذي كتبه أبو فخر، كتب ياسين ردا آخر على الرد، وقال فيه إن 'ليس من باب النميمة القول بأن عرفات من أمر بقتل ناجي العلي، بل هناك حزمة من المعلومات الموثوقة، التي جُمعت من تونس ولندن، تؤكد هذا الأمر. فضلاً عن حكم صدر عن محكمة بريطانية أدان (الـ 17)، و'الموساد' وقد نشرت يومية 'الشرق الأوسط' اللندنية، في حينه، القصة التي اعتمدتها المحكمة البريطانية، وحكمت على إسماعيل صوان، عضو الـ 17، بالسجن 12 سنة، وعلى بعض الإسرائيليين وعضو في مكتب منظمة التحرير، بالخروج من بريطانيا.وهنا تبدو أهمية شهادة عالم الاجتماع الفلسطيني المرموق، باسم سرحان، والذي كان يستضيفه ناجي في منزله بلندن، والتي نشرها بعنوان 'أمانة من ناجي العلي' حيث يقول: 'أمام باب منزله في لندن وقبل اغتياله بيومين أو ثلاثة أيام قال لي ناجي العلي: أحملك أمانة. كائناً من كان قاتلي، أن قاتلي هو ياسر عرفات'.

وتابع: ويسرد سرحان كيف استقبله ناجي العلي في بيته قادماً من الكويت متوتراً ومضطرباً، ويعيش ثورة غضب عارمة وأخبره 'إنهم يهددونني بالقتل'. وحكى له قصة المكالمات الهاتفية التي وردته من عدد من المثقفين الفلسطينيين في أعقاب نشر كاريكاتير 'رشيدة مهران'. وكانت معظم المكالمات تأخذ طابع التهديد المبطن بالحرص على حياته. ومنها مكالمة من الشاعر محمود درويش وثانية من بسّام أبو شريف وثالثة من شخص من قريته يدعى أبو فارس كان مسؤولاً في حركة فتح الانتفاضة وما لبث أن التحق بياسر عرفات في تونس. بينما نصحه أحدهم 'هذه فرصتك الأخيرة للبقاء على قيد الحياة. ارسم رسماً تمدح فيه الختيار'. ويتحدث سرحان أن ناجي العلي أخبره أن أبو إياد (صلاح خلف) اتصل به وقال له: يا ناجي لقد صدر القرار. اخرج فوراً من بريطانيا، أو على الأقل اخرج واختف في إحدى القرى البريطانية'. وهذه كانت أبلغ رسالة من المسؤول الفلسطيني الأمني الأول الذي عرف حتماً بالقرار الذي أصدره ياسر عرفات شخصياً باغتيال ناجي العلي. ويسرد محاولات طلبه حماية ناجي العلي من فتح الانتفاضة 'اتصلت هاتفياً حوالي منتصف الليل بالدكتور راجي مصلح (صديق ومسؤول في حركة فتح الانتفاضة) وطلبت منه إبلاغ الأخ أبو خالد العملة والأخ أبو موسى (قادة فتح الانتفاضة) بأمر التهديد بالقتل الذي تلقاه ناجي العلي من عدة أشخاص في تونس. بعد نصف ساعة تقريباً اتصلت ثانية بالدكتور راجي مصلح فقال لي إن حركة فتح الانتفاضة تستطيع حماية ناجي العلي في سورية وليبيا فقط، وإنها لا تستطيع حمايته إذا عاد إلى لبنان. وأضاف: إن تقدير الأخ أبو خالد العملة هو أن التهديد حقيقي وأن على ناجي أن يغادر لندن'. فرد ناجي: 'لا أستطيع العيش في سورية أو ليبيا لأنني سأبقي حياً ولكن ميتاً لأنهم سيمنعونني من مواصلة التعبير الحر المطلق بالرسومات”.  ويذكر كيف تعرف على ناجي العلي في الكويت عام 1984، بعد أن كتب مقالاً في صحيفة 'الوطن' الكويتية بعنوان 'ناجي العلي ثروة وطنية وقومية'، وأن العلي أخبره بمحاولة دهسه بشاحنة بطريق ذهابه لعمله بجريدة القبس الكويتية وتهديدات أمن القوة 17 له.

اقرأ أيضا | استشهاد ناجي العلي: طيّ المراحل../ رامي منصور

وختم ياسين كاتبا: وأخيراً يسرد قصة لقاء ياسر عرفات وناجي العلي في الكويت بمبادرة من محمد جاسم الصقر رئيس تحرير صحيفة القبس حينها، حيث بادر عرفاتُ العلي بالقول: لماذا تهين شعبك بالرسومات يا ناجي؟ فردّ عليه ناجي: 'أنت تهين شعبك حين تتكلم باللهجة المصرية وأنت قائد فلسطيني'. وأثناء خروج ياسر عرفات وآل الصقر وناجي العلي قبض عرفات على خاصرة ناجي وقرصها قرصة موجعة. وقال لي ناجي العلي 'إن قبضته آلمتني وشعرت بأنها قرصة الموت'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


من قتل ناجي العلي؟