تتواصل فعاليات مخيم الهوية العشرين في منتجع "ملاهي التوت" بمدينة طمرة في منطقة الجليل، شمالي البلاد، بمبادرة من التجمع الوطني الديمقراطي، وبمشاركة مئات الأطفال والمرشدين من مختلف المدن والقرى العربية، بدءًا من منطقة النقب، مرورًا بالمثلث، وصولًا إلى الجليل، تحت شعار "هوية، عطاء، انتماء".
يتخلل المخيم هذا العام برامج ثقافية وترفيهية متعددة، من بينها: "قرانا الباقية فينا"، و"هويتنا وكياننا" من تقديم مركز الطفولة المبكرة في طمرة، إضافة إلى ورشة حول شخصيات وطنية فلسطينية، وعروض مسرحية لمسرح السرايا من يافا، وأنشطة رياضية، إلى جانب فعالية خاصة لكتابة رسائل قصيرة من أطفال المخيم إلى أطفال غزة.
شاهد | أطفال مخيم الهوية العشرين يطيّرون رسائل حب لغزة @arab48website https://t.co/iN3jOHvEMZ pic.twitter.com/i3y2u9H8gi
— موقع عرب 48 (@arab48website) August 12, 2025
على طاولة صغيرة تحت ظل إحدى الخيام، انحنى طفل في التاسعة من عمره فوق ورقة ملوّنة، يخطّ بعناية كلمات مليئة بالحنين والأمل: "لا تبكِ يا صغيري، انظر إلى السماء، سنلتقي ونلعب سويًا ونأكل طعامًا شهيًا". إلى جواره، كانت طفلة ترسم علم فلسطين وتكتب بخط مرتجف: "بإذن الله غزة حرة". وفي الزاوية الأخرى، رفع فتى رأسه عن الورقة ليقرأ بصوت واضح: "أتمنى أن تنتهي المجاعة والحرب". فيما أضافت طفلة صغيرة عبارتها بحروف كبيرة وابتسامة خجولة: "فلسطين حرة".
بين الألوان والرسومات، كانت الرسائل تحلّق قبل أن تُعلّق، محمّلة بأحلام الصغار في طمرة إلى قلوب الصغار في غزة، علّ المسافات تتلاشى وتبقى المشاعر جسرًا يصل بينهم.
وقالت المرشدة ، من طاقم المخيم، وصفت أجواء هذه الفعالية قائلة لـ"عرب 48" إن "الأطفال كتبوا لإخوتهم وأبناء عمومتهم في غزة كلمات بسيطة، لكنها صادقة، تمنوا لهم أن ينعموا بالسعادة والفرح مثلهم. بعضهم عبّر عن شعوره بالتحمل وتساءل: كيف يتحمل أطفال غزة الجوع، التشرد، وشدة الحر يوميًا؟ هذه الرسائل كانت مليئة بالتعاطف وفهم معاناة غزة".
مدير المخيم، وسام علي الصالح، عضو اللجنة المركزية ومركز الدائرة الطلابيّة في التجمع، أوضح لـ"عرب 48" أن هذه المبادرة هي جزء من رؤية المخيم في تعزيز القيم الإنسانية والوطنية، وقال إن "مخيم الهوية من أهم مشاريع التجمع الوطني الديمقراطي، والمميز فيه أنه يجمع طلابنا من مختلف المدن والقرى، من النقب حتى الشمال، ليتعرفوا على بعضهم البعض ويبادلوا ثقافاتهم. معظم طاقم الإرشاد والإدارة من خرّيجي المخيم، وهذا يعكس استمراريته وأثره التراكمي".
وأضاف أنه "أطلقنا أسماء مدن فلسطينية تاريخية على مجموعات المخيم، وتناولنا في الورشات قرانا الباقية منذ النكبة، كما خصصنا مساحة لأطفال غزة ليتعلم المشاركون معنى التضامن وحقهم في الحرية والأمان".
يوسف طه، عضو المكتب السياسي ومسؤول ملف الشباب والطلاب في التجمع، أكد لـ"عرب 48" أن عودة المخيم بعد غياب ست سنوات أمر بالغ الأهمية، وقال إنه "أعتقد أن مخيم الهوية من أهم المشاريع التي ينظمها التجمع الوطني الديمقراطي، لما له من دور كبير في تنشئة الأجيال المتعاقبة على الهوية الوطنية، والانتماء لشعبهم، ومعرفة تاريخهم، والتعرف على الشخصيات الوطنية، وحفظ ذكرى النكبة، وكل المسارات التي خاضها شعبنا".
وتابع: "أنا شخصيًا أحد أبناء هذا المشروع؛ كبرت فيه، شاركت في فعالياته، تطوعت فيه على مدار سنوات، واليوم أرى أهميته أكثر من أي وقت مضى. بعد غياب ست سنوات، تعود هذه الفعالية في ظروف صعبة يعيشها شعبنا، في ظل حرب إبادة، وحصار، ومحاولات متواصلة لتقويض أي نشاط سياسي، وصولًا إلى الملاحقات والأحكام الإدارية بحق القيادات السياسية. هذه الظروف تجعل التمسك بالهوية الوطنية أمرًا أكثر إلحاحًا. مخيم الهوية على مدار سنواته خرّج آلاف الأطفال، الذين أصبح بعضهم اليوم آباءً يرسلون أبناءهم للمخيم نفسه. هذه عملية تراكمية تبني الهوية والانتماء والتطوع والعطاء جيلًا بعد جيل، وهذا ما تربيت عليه شخصيًا وما يربي عليه المخيم الأجيال الصاعدة".
وختم طه حديثه بالقول "نحن كأقلية فلسطينية في الداخل نعيش ضمن مناهج تعليمية تحاول طمس كل ما يتعلق بهويتنا الفلسطينية، وهنا تبرز أهمية مثل هذه المشاريع التي تصون الذاكرة وتعزز الانتماء، خصوصًا في ظل واقعنا المركب داخل هذه الدولة".
أما صالح القريناوي من طاقم الإرشاد، فاعتبر أن المخيم مساحة لتعزيز النسيج الاجتماعي، وقال لـ"عرب 48" إنه "يلتقي أطفال من رهط والنقب والمثلث والمدن الساحلية والجليل، تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عامًا، وهذا اللقاء يكسر الحواجز ويعزز الوحدة المجتمعية، إضافة إلى حق الأطفال في اللعب والابتسامة".
وقالت فلك خضر محاميد، من طاقم المرشدين وخريجة مخيم الهوية، لـ"عرب 48" إن "المخيم كان بمثابة بيتها الثاني ومصدر إلهامها في ترسيخ الهوية الوطنية والقيم الثقافية الفلسطينية منذ نعومة أظافرها. بعد تخرجها، اختارت أن تكون مرشدة تُنقل للأطفال هذه الرسائل، من خلال ورشات تتحدث عن النكبة، الهوية الفلسطينية، وقصص القرى المهجرة التي افتُقدت".
وأضافت أن "المخيم علمني أننا لسنا فقط حاملي بطاقة هوية، بل أبناء وطن يحملون قضية، سكان أصليون عليهم أن يواصلوا النضال الذي بدأه الأجداد والآباء. شعرت في كل لحظة بأنني أساهم في بناء جيل واعٍ له جذوره وتاريخه".
يأمل المنظمون أن يستمر المخيم في السنوات المقبلة في ظروف أفضل، وأن يكون من الممكن إقامة مخيمات مشابهة في غزة أيضا ليعيش الأطفال هناك تجارب مليئة باللعب والفرح والانتماء.
اقرأ/ي أيضًا | انطلاق مخيم الهوية التاسع عشر تحت عنوان "القدس لنا"
شاهد | مخيم الهوية العشرين.. هوية وانتماء ورسائل حب لغزة @arab48website https://t.co/iN3jOHvEMZ pic.twitter.com/7CuiKwULHa
— موقع عرب 48 (@arab48website) August 12, 2025