اعتمد ممثلون عن حكومات ومنظمات دولية وشركات ومؤسسات ثقافية ومبدعين في قطاعات السينما والتلفزيون والألعاب "إعلان لوميير" بشأن مستقبل السينما والصورة المتحركة، واضعين 15 مبدأً تستهدف بناء إطار دولي لحوكمة الصناعة في ظل التحولات التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.
وجرى تبني الإعلان في 7 أيلول/سبتمبر 2026 خلال قمة لوميير في مدينة سان بول دو فانس الفرنسية، بمبادرة مشتركة من فرنسا وكوريا الجنوبية، فيما ستبقى الوثيقة مفتوحة لانضمام دول ومؤسسات وجهات إضافية من الصناعات الإبداعية.
وتشمل المبادئ حماية حقوق الملكية الفكرية، ومكافحة القرصنة، وتشجيع الإنتاج المشترك، والحفاظ على دور العرض والأرشيفات السينمائية، وتعزيز التنوع والاستدامة وحرية الإبداع، إلى جانب وضع استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن إطار يبقي العنصر البشري في صميم العملية الإبداعية.
ولا تحمل الوثيقة صفة قانونية ملزمة، لكنها تسعى إلى توفير مرجعية دولية مشتركة يمكن أن تستند إليها الحكومات والشركات والمؤسسات الثقافية في التعامل مع ملفات تتجاوز قدرة الأسواق الوطنية منفردة، مثل الذكاء الاصطناعي والقرصنة وتداول الأعمال عبر الحدود.
ويحذّر الإعلان من التعامل مع الأفلام والصور المتحركة وفق معيار قدرتها فقط على جذب انتباه المستخدمين، في انتقاد للنماذج الاقتصادية التي تعتمدها بعض المنصات الرقمية وخوارزميات التوصية.
ويرى الإعلان أن قيمة الأعمال السمعية والبصرية تتجاوز معدلات المشاهدة ومدة التفاعل، داعيًا إلى التعامل مع انتباه الجمهور بوصفه علاقة قائمة على الثقة، وليس موردًا تجاريًا ينبغي استنزافه.
كما يؤكد أن وفرة المحتوى لا تلغي أهمية الأعمال ذات الطموح الإبداعي، وأن مستقبل القطاع سيتأثر بطبيعة المشاريع التي تقرر المؤسسات إنتاجها وتمويلها وإيصالها إلى الجمهور.
ويربط الإعلان بين تنوع القصص وتنوع العاملين على إنتاجها، داعيًا إلى بيئات عمل آمنة وعادلة وشاملة، وتحقيق توازن أكبر بين الجنسين، إلى جانب دعم المبدعين الذين يواجهون ضغوطًا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تعرقل عملهم أو وصول إنتاجهم إلى الجمهور.
ويصف القطاع السمعي والبصري بأنه عنصر مهم للنمو الاقتصادي لما يتيحه من استثمارات وفرص عمل وتطوير للمهارات ودعم للابتكار، مطالبًا بمساندة المراحل الأولى من تطوير المشاريع لتشجيع المنتجين والمبدعين على تحمل مخاطر فنية وتجارية قد لا يستطيع القطاع الخاص تحملها وحده.
ويرى الإعلان أن تنوع الإنتاج من حيث الميزانيات واللغات والأنواع والأسواق يعزز قدرة الصناعة على المنافسة، بدل أن يشكل عائقًا أمامها، كما يحمّل الموزعين والمنصات والجهات المستفيدة ماليًا من الأعمال مسؤولية في دعم تدفق المواهب والأفكار والملكيات الفكرية الجديدة.
ومنح الإعلان أهمية خاصة للإنتاج المشترك الدولي، باعتباره أداة لتوزيع المخاطر المالية وتبادل الخبرات والوصول إلى أسواق جديدة، مع الدعوة إلى توسيع التعاون بين الصناعات السينمائية الراسخة والناشئة.
وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، خصص الإعلان ثلاثة مبادئ للتكنولوجيا، مؤكدًا أن هذه الأدوات يمكن أن تسهم في تعزيز الإبداع والابتكار وتداول الأعمال، شرط أن تبقى في خدمة المبدعين وألا تحل محل الدور الإنساني.
وشدد على ضرورة احترام حقوق الملكية الفكرية، في ظل تصاعد الخلافات بشأن استخدام الأعمال المحمية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وحقوق أصحابها في الموافقة والتعويض ونسب الأعمال إليهم.
كما تناول الإعلان تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلية في اكتشاف الأفلام والمحتوى، محذّرًا من أن الاعتماد المتزايد على وكلاء آليين لاختيار ما يشاهده الجمهور قد يمنح شركات التكنولوجيا نفوذًا أوسع في تحديد الأعمال التي تصل إلى المستخدمين.
وقد يؤثر ذلك، بحسب الرؤية التي تطرحها الوثيقة، في قدرة الأفلام المستقلة والإنتاجات القادمة من أسواق أو لغات أقل انتشارًا على الوصول إلى الجمهور، إذا لم توجد آليات تكفل حضورها بصورة عادلة.
وفي ملف القرصنة، دعا الإعلان إلى تعاون دولي أقوى لحماية حقوق المبدعين والإيرادات التي تتيح تمويل مشاريع جديدة، معتبرًا أن استدامة الإنتاج ترتبط مباشرة بقدرة أصحاب الحقوق على الحصول على عوائد أعمالهم.
وأكد كذلك استمرار أهمية دور العرض السينمائي باعتبارها فضاءات للمشاهدة الجماعية، وربط بقاء هذه القاعات باستمرار التنوع في الإنتاج، في وقت تعيد فيه الصناعة رسم العلاقة بين التوزيع التقليدي ومنصات البث.
وحذّر الإعلان من المخاطر التي تهدد الأرشيفات السينمائية المادية بسبب التلف، داعيًا إلى استثمارات طويلة الأمد وتعاون بين الحكومات والأرشيفات والمؤسسات والجهات الخيرية لحفظ التراث السمعي والبصري ونقله إلى الأجيال المقبلة.
واعتبرت الوثيقة الثقافة البصرية من مهارات المعرفة الأساسية في القرن الحادي والعشرين، ودعت إلى مبادرة دولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" لإدخال تعليم الصورة في المناهج منذ المراحل المبكرة.
ويرى الإعلان أن تعزيز الثقافة البصرية يمكن أن يساعد الأجيال الجديدة على التعامل بصورة أكثر وعيًا مع الشاشات والمحتوى الرقمي، وتكوين أحكام مستقلة بشأن ما يشاهدونه.
وجاء اعتماد الوثيقة بعد نحو 200 عام على التقاط أول صورة فوتوغرافية و130 عامًا على أول عرض جماهيري لجهاز السينماتوغراف للأخوين لوميير، في إشارة إلى سعي المشاركين إلى إطلاق مرحلة جديدة من التعاون الدولي في مجال السينما والصورة المتحركة.
وتعهد الموقعون بمواصلة مراجعة التقدم في تطبيق المبادئ وتطوير أدوات ومعايير عملية ومرنة لدعم استدامة إنتاج الأعمال وتوزيعها وعرضها.