حكايــة ثقـافـة مـاتــت../ جميل مطر

حكايــة ثقـافـة مـاتــت../ جميل مطر

يتنادون لعقد مؤتمر للمثقفين يناقش حال الثقافة ومستقبلها في بلادنا. ويتنادى آخرون لعقد مؤتمر مستقل. يخشون أن ينتهي مؤتمر الحكوميين إلى توصيات أو قرارات تعمق حال الانحدار في ثقافتنا وتعجل بموتها.

لا تعنيني تفاصيل الخلاف الناشب بين هؤلاء وأولئك بقدر ما تعنيني أوجه الاختلاف في رؤية كل فريق لمستقبل هذه الثقافة ومــدى استعــداد هذه الأمة وبخاصة نخبها المثقفة لتقــبل ثقافات بديلة هي بالفعل معروضة عليهم وجارٍ الآن الترويج لها.

أتوقع مثل كثيرين أن نســمع في أحد المؤتمرين أصــواتا تحــذر من خطورة الوضع الذي تدهورت إليه معظـم مكونات الثقافة المصرية، فوق أن الثقافـات تنتعش وتذبل وتتآكل بل وتفنى. ونعرف أيضا أن الثقافات تصعد وتهبط مع صعــود الأمم وهبوطها وتفنى إن انفرط عقد الأمة التي تحملها، وعندما تموت الثقافة يفقد الناس معنى وجودهم، وإن هم فقدوا معـنى وجودهم ماتت الأمة.

تذكرت وأنا اقرأ عن الخلافات بين المثقفين حول عقد مؤتمر للثقافة المصرية أنني قرأت منذ سنوات كتابا صدر في أميركا وتعليقات عليه، وكتبت عنه وقتها في صحيفة الدستور القاهرية تحت عنوان قصة شعب ماتت ثقافته، وأود أن أنتهز فرصة النقاش الدائر حول أسباب انهيار الثقافة المصرية لأستأذن الاستاذ إبراهيم عيسى، في أن أقتبس أفكارا وردت في المقالات التي تفضل ونشرها لي.

كان الكتاب بعنوان «الأمل الراديكالي» ونبهتني إليه كعادتها منذ أن تعرفت اليها مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، ويحكي الكتاب والعرض الذي نشرته المجلة تفاصيل عن قصة موت ثقافة كما رواها شيخ معمر ينتمي إلى قبيلة الغراب، وهى إحدى قبائل شعب من شعوب الهنود الحمر التي عاشت في الاميركيتين قبل وصول المستعمرين الاوروبيين وقاومتهم قدر استطاعتها.

تبدأ قصة موت ثقافة شعب الغراب بقرار اتخذته حكومة الولايات المتحدة يقضي بحرمان رجال هذه القبيلة من ممارسة الصيد، مهنتهم الوحيدة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ونقلهم بالقوة ليعيشوا على أرض بعيدة عن أرضهم. أرض لا يعيش فيها طير أو حيوان يغري أفراد القبيلة للعودة إلى ممارسة الصيد. كان خبراء واشنطن يعرفون أنك إذا حرمت شعبا ورث مهنة من ممارستها فأنت تفرض عليه التخلي عن تقاليد معينة تتعلق بالزواج والإنجاب وتطلب منه التنكر لأخلاق وقيم وتراث والالتزام بأخلاق وقيم و«بدع» جديدة.

يصف الشيخ حالة شعبه وهو يعيش آخر أيام ثقافته في كلمات معدودة لكن عميقة المعنى. قال «عندما رحل الجاموس.. وقعت قلوب شعبي على الارض.. ولم يتمكن الشعب من رفعها.. وبعد ذلك لم يحدث شيء».. توقفت طويلا أمام عبارة «وبعدها لم يحدث شيء». هل يقصد الشيخ أن الناس وقد كادت تفقد ثقافتها وتراها تموت أمام أعينها أصابها الانحلال والاكتئاب فلم تعد تقوى على فعل شيء، أم أصابها الشعور بانعدام القيمة والجدوى. لقد تعمدت حكومة الرجل الابيض في واشنطن حرمان هذا الشعب مثلما حرمت من قبله شعوبا هندية أخرى من الشيء الوحيد الذي كان يتميز به ويفخر ويعيش من أجله، وهو منظومته «الثقافية».

يحكي الشيخ عن بلاده قبل أن يقرر الرجل الابيض قتل ثقافتها فيقول «هناك على الحدود كانت تقف العصي مغروسة في الارض، كل عصا منها تمثل فردا من أفراد العدو وقع قتيلا أو حيوانا جرى صيده. هناك عند آخر صف في صفوف العصي المغروسة كانت حدودنا، وكان يتعين على الشعب فردا فردا التضحية بالروح والدم لحماية هذه العصي ومنع الغرباء من انتزاعها و تقليص عددها. وبناء على الاوامر الفدرالية الصادرة من واشنطن توقف الــصيد. وعندما توقف الصيد توقف الالتزام بالأرض وبالقيم وبالأخلاق المرتبطة بمهنة الصيد واهتز إيمان الناس بآلهتهم. اختفت الاحتفالات بالنصر حين امتنع الشعب عن حماية حدوده وأرضه وجواميسه، واختفت حين توقف الشعب عن الخروج إلى الحدود في المناسبات الدينية والاجتماعية ليحصي كباره وصغاره العصي التي أضيفت بين موسمين في منطقة الحدود.

يخرج الشعب عن بكرة أبيه ليطمئن الى أن أرضه اتسعت ولم تنكمش. كانت العصي الجديدة دليل ازدهار ثقافة شعب الغراب ورضاء الالهة. نفذت القبيلة أوامر حكومة الرجل الابيض.. فلا صيد ولا مقاومة ولا عصي جديدة وسقطت على الارض العصي الموروثة، غابت الرغبة في التضحية. اكتشف الناس أن لا شيء بعد انفراط الثقافة يستحق التضحية.. ولا شيء يحدث يستحق الفخر به.. الرياح تقصف العصي، والحدود تتآكل.

عدت بالذاكرة، وأنا اقرأ العرض ثم الكتاب، إلى أيام الغزو الاسباني حين شنت على شعوب أميركا الوسطى والجنوبية واحدة من أبشع حروب الابادة في تاريخ الانسانية، ولم تتحرك أمم الهنود الحمر في أميركا الشمالية لتتحد و تدافع عن شعوب أخرى من الهنود الحمر تتعرض للإبادة. أبيد ملايين الناس، وبعد عقود ليست كثيرة، وصل أوروبيون آخرون وشنوا حروب إبادة أخرى.. وبعدها، «لم يحدث شيء يذكر». حتى هؤلاء الذين أفلتوا من الابادة، عاشوا على هامش حياة غير حياتهم وثقافة غير ثقافته..

يتفق عارض الكتاب مع مؤلفه على أن الفرد في قبيلة الغراب الذي حرمته واشنطن من الخروج إلى الصيد اكتشف بين ليلة وضحــاها انه لم يعد يصلح كزوج أو أب، لم يعد يعرف كيف يتعامل مع امرأته وأولاده، بعد أن نزعوا سلاحه وحرموه من مهنته.. انزوى جانبا كل فرد في القبيلة ليسأل نفسه «ما قيمة الحياة لإنسان فقد معنى وجوده». يقول شارل تايلور في عرضه للكتاب إنه من خلال بحث طويل قام به عرف أن الشعوب حين تموت ثقافتها أو تقترب من نهايتها «يمتنع أطفالها.. عن الذهاب إلى المدارس وتنتشر الخلاعة ولعب الميسر»، وينقل عن امرأة من قبيلة ماتت ثقافتها قولها «أحيا حياة لا أفهمها».

وجدت في قصة قبيلة الغراب ما يذكرني ببعض حال أمتنا. المغزى وراء القصة التي يرويها الكتاب هو أن الجهد الذي قامت به الحكومة الفدرالية في واشنطن كان يمكن أن يضيع هباء إذا لم يرافقه جهد مضاعف لتغيير أكثر المفاهيم الموروثة. ويضرب المؤلف وعارض الكتاب المثل بالشجاعة، خاصة أن الشجاعة كانت جوهر ثقافة شعب الغراب. وبالتالي يصبح تغيير معناها ومضمونها شرطا ضروريا لنجاح عملية نقل قبيلة الغراب من الارض التي عاشت فوقها لقرون إلى أرض أخرى. بمعنى آخر لابد من أن تتوفر لدى الناس شجاعة لكن بمضمون غير مضمونها الذي ترعرع في ثقافة الصيد والدفاع عن القبيلة ضد عدوان مسلح. ولما كانت الشجاعة تقوم أساسا على الايمان بشيء ما اقترح المؤلف إقناع أي شعب يمر بتجربة شعب الغراب بأن يتحول هدف هذا الايمان الى إيمان بحضارة الرجل الابيض وأنها الافضل والأعظم، وهي الباقية والأخريات إلى زوال.

الشجاعة المطلوبة في هذه الحالة هي القبول بالأمر الواقع والاستسلام له وللثقافة الاقوى المهيمنة، باعتبار أن التسليم بسمو الرجل الابيض وبحقه في الهيمنة والاستعداد للاندماج في ثقافته شجاعة لا تقل عن شجاعة رجال القبيلة عندما كانوا يمارسون الصيد ويحصنون حدود قبيلتهم.

يخلص الكتاب والعرض معا إلى أن ما فعله شيخ القبيلة هو الشجاعة بعينها، إذ انه عندما شعر بأن ثقافة شعبه تموت وشعبه ينهار بعد أن دب فيه اليأس وفقد الرغبة في الحياة قرر أن يقود شعبه نحو القبول بكل ما تأمره به حكومة واشنطن، ويقبل هو شخصيا أن تعتبره واشنطن عميلا لها أو وسيطا لدى قبيلة الغراب والقبائل الاخرى.

يخلص جوناثان لير مؤلف كتاب «الأمل الراديكالي» إلى أنه كان أولى بقبيلة الغراب وقبائل أخرى أن تتحالف مع حكومة الرجل الابيض ضد القبائل التي اختارت بديل المقاومة. كانت ستخسر ثقافتها، أي تخسر نفسها، لكن تكون قد كسبت الاستقرار والسلام.

يقول الشيخ الوقور في نهاية روايته عن موت ثقافة شعب الغراب «لقد توصلنا إلى قرارنا ليس لأننا كنا نحب الرجل الابيض الذي كان في ذلك الوقت يطارد قبائل أخرى ويضيق عليها وعلى قبيلتنا الخناق، وليس لأن قبيلة الغراب كانت تكره شعوب وقبائل السيوكس والشيين والاواباهوى، لكن لأننا، ببساطة، رأينا في قرار التعاون مع الرجل الابيض السبيل الوحيد لإنقاذ بلادنا الجميلة».

اللافت أن الشيخ أطلق صفة «بلادنا الجميلة» على الاراضي التي نقلته إليها مع قبيلته حكومة الرجل الابيض، وهي أراض لا زرع فيها ولا ضرع، يقود عليها شعبا ماتت ثقافته، ومنتهى أمله ترخيص بإقامة كازينو للقمار.