غمزاً.. غمزاً \ أنوار سرحان

غمزاً.. غمزاً \ أنوار سرحان
وحدها الأوهام مرآة واقعنا في زمنٍ لم يعد اليقين فيه إلا جراراً تكدّس الزيفَ وترسّخ للخديعة.. ووحدها الأكاذيب من تكشف سوءات حقائقنا التي نظلّ نسعى دأباً لنخفيها حتى عن عيون أنفسنا.. وها هي كذبةٌ " بريئةٌ" من اسمٍ مستعارٍ ترسل غمزاتها إلى الكثير من الأسماء الحقيقية الصريحة، وإلى رؤانا ومعاييرنا في التعامل مع تلك الأسماء، فإذا الكذبة مفتاحٌ للإشارة إلى كذباتٍ أكبر، وإذا التنكّر والتخفّي سبيلٌ لمواجهة زيف الأقنعة الصريحة البيّنة!

تابعتُ قبل فترة قصييرة (عبر موقع عرب-48) لعبةً بدت مسليةً في ظاهرها (رغم غرابتها) ، لولا أنّ قرصاتها الملحّة بعثت لسعاتٍ موجعةً لكلّ من يبحث عن رؤية الأمور نقيةً، ويسعى لبعثرةِ كلّ أوراق التوت، إذ فاجأنا الأخ الشاعر سامي مهنّا بنشر قصيدة تحت اسمٍ مستعارٍ (ديك الجن الجليلي)، في خطوةٍ أثارت الكثير من التساؤل والاستفهام: فما الذي يدفع بشاعرٍ له مكانه ومكانته في الساحة المحلية إلى النشر باسمٍ مستعار؟؟ ثم إلى الاعتراف بذلك يعد أيام؟؟

بدايةً فإني لم أكن ولن أكون يوماً مؤيدةً للتخفي بأسماءٍ مستعارةٍ مهما سمَت الأسباب، ثمّ إني لا أكتب الآن تطرّقاً للنص ، إنما لما تداعى لي من قراءة التعقيب الذي ذيّل به سامي مهنا نصّه فيما بعد معترفاً بأبوّته للقصيدة موضّحاً دوافعه لخطوته المثيرة،دوافع بدت نبيلة راقية قد تغفر اللعبة أو تجعلنا نتفهّمها على الأقل، أهمّها (فيما يخصّ مقالنا هذا) إشارته البارزة لمرضٍ ينتشر معبّئاً الأجواء الثقافية العربية (وكم بالحريّ المحلية)، من تعاملٍ مع الأسماء لا مع النصوص، والمساهمة في "تلميع" أسماء لا تملك ما يميزها أدباً وإبداعاً إلا تزييفاً وترويجاً..
وكأنّ لعبة التخفّي أو التنكّر إذن جاءت ترسل غمزاتها إلى كلّ من قد تغرّه الأسماء في واقعنا الثقافيّ أو قد ينسى أنّ النص أهمّ من صاحبه، لتذكّرنا أنّ الإبداع ينبغي له أن يكون جواز سفر المبدع لا أن تُحاسَب النصوص باسم صاحبها..
من هنا يحق لمقالنا هذا أن يبعث غمزاته لا مشاكسةً ولا غزلاً إنما تنبيهاً ...وتذكيراً:


غمزة أولى:
لمعشر القراء الذين تغرّهم الأسماء "الملمّعة"* المنثور عليها من بريق الزيف ما هو طريقها إلى التسويق ،فإذا القارئ مساهمٌ في تشويه حقائق أدبيةٍ إذ يتعامل مع الاسم شهرةً وبروزا وإعلاماًَ وأمسياتٍ وجوائزَ لا قيمةً إبداعية، ولا حكماً موضوعياً ، وإذا ما سألتَه عن اسمٍ ما أجابك واثقاً إنه من أبرز أدباء بلاده، فإن راودك بعض تذاكٍ (أو خبثٍ أبيض)، وسألتَه عنواناً لأحد نصوصه، أو كتبه أو سمةً من سمات إبداعه ذاك المبدع الكبير.. لبُهت الذي غرّته الشعارات!! وإذا بالحقيقة أنّ أخانا لا يعرف سوى اسم المبدع بل ربّما لم يقرأ له حرفاً، وكلّ ما في الأمر أنّ ما أُسبغ على ذاك المبدع من بهرجةٍ إعلاميةٍ كاذبة قد ضلّلت قارئاً اكتفى بما سُوّق له ولم يفكّر فيما تلقّى..

غمزةٌ أخرى تبعث بسهامها إلى أقلام النقّاد الذين ينأون عن القيام بدورهم الأساسيّ في دعم الإبداع الحقيقي، إن كان بالمتابعة أو الموضوعية، فإذا أحدهم يغدو بوقاً ينفخ في الرداءة ، متعاملاً مع النصّ بما يرضي صاحبَه (أو اسمَ صاحبه)، وإذا النقد مديحٌ لأسماءٍ لو كانت تحترم الإبداع لما نسبت لنفسها نصوصاً من التفاهة والضحالة والضآلة الأدبية، وإذا النقد تمجيدٌ لأسماءٍ كلّ رصيدها الإبداعيّ لا يعدو أن يكون علاقاتٍ وصداقاتٍ وشلليّاتٍ وانتماءاتٍ لبعض عصاباتٍ ثقافيةٍ ملكت من زمام التحكّم خيوطاً تكفيها للتضليل وللتهليل لما هو بعيدٌ عن الأدب. وكأنّي بغمزةٍ تسائل النقاد عن دورهم الحقيقي وأهميته حدّ القداسة في تطوير الثقافة والتأثير فيها.. فهل يعي الناقد قدسية كلماته وتأثيرها ويسعى ليقوم بدوره كما ينبغي؟؟؟

غمزةٌ أخرى لا يفوتها أن تكشف عورات بعض الصفحات الثقافية الزاخرة بأخبارٍ منفوخةٍ كما بالون هيليوم لم يسعفه في التحليق سوى خفّة ما يملأه حدّ الفراغ، وإذا الثقافة أخبارٌ تغدق من الألقاب المجانية على أصحابها،فذاك يسوق لنا أخباراً تُحسَب على الثقافة هي ليست إلا باباً من أبواب ذاك "التلميع" الذي ذكره أخونا، حتى لتحسب أحدهم متنبّيَ عصره، وتسرع تبحث عمّا قد فاتك من إبداعه موجساً في نفسك خيفة أنّ ركبَ الثقافة قد فاتك وما واكبتَه، حتى إذا ما قرأتَه احتجتَ لا لأقلّ من ثلاث حقنٍ من (البرامين) تحول بينك وبين رغبةٍ جامحةٍ في التقيؤ داهمتك وغثيانٍ قد تملّكك ، فتتساءل: بحق الله أهذا هو المعنيّ؟؟؟ وكم سنةً ضوئيةً يحتاج كي يليق بما أُسبغ عليه من سماتٍ بعيدةٍ عنه بعد الثريا عن الثرى؟؟

أما الغمزة الأبهى والأهمّ فهي للكثيرين من أصحاب القلم شعراءً كانوا أم كتّاباً، من أولئك الذين يؤمنون بالجعجعات والقعقعات فيأتوننا غازين بنصّ واهٍ يُسبقونه بالتطبيل والتضليل حتى لنخال أنفسنا سنقرأ قرآناً بلسان بشر.. ثمّ نجدهم يسعون لإطفاء كلّ نورٍ قد يهدّد وجودهم، ولطمس كل مبدع حقيقيّ خوف أن يتجلى نوره فتبدو عتماتهم واضحة.. ثم إذا ما نجح أحدهم بفضل علاقاته أو مراوغاته أو كذبه أو تضليله..الخ تراه وقد صدّق نفسه ، فمشى في الأدب مرحاً ونفش ذيله متطاوساً وانتفخ مختالاً فخوراً حتى أخذه الاستعلاء وأغرته النرجسية فغدا "وحيداً غريباً" في زمانٍ ومكانٍ ضنّا عليه بمنافسٍ يليق.. فإذا راودتك نفسك عن مباغتته بضعفٍ استشرى في ما يكتب، حسِبك ضحيةً للغيرة والحسد، فصمّ أذنيه عن سماع الحقيقة، لائذاً بمن غرّهم البريق المنثور حتى صخبت أكفّهم مصفّقةً...

والمؤسف حدّ العجب أنّ الكثيرين ممّن ينبغي لهم أن يروا الأمور بعين الموضوعية وبالذات الأدباء الذين يتحملون مسؤولية الترويج للثقافة الحقيقية ، إذا بهم يُخدعون بذاك البريق المزيّف فيمتلئون إحساساً بالدونية نحو تلك الأسماء، ويفقدون إيمانهم بمكانهم ومكانتهم ما داموا فاقدين للبريق الإعلاميّ ، ما يشي بضعضعة موهبتهم أصلاً وما يجعل رموش العين ترتجّ من قوة الغمزة: ألا يُرتجى من الكاتب الحقيقي إن كانت موهبته خاليةً من الزيف أن يؤمن بطاقته وإمكانياته لا بالأسماء والتسويق والتصنيع؟؟

ويظلّ السؤال الأبرز إذن والذي يلحّ ضاجّاً:

هل الأدب نصوصٌ ومواهب وطاقاتٌ وإمكاناتٌ إبداعيةٌُ حقيقيةٌ وثقافةٌ ورؤيا وإيمانٌ بقيمة الكلمة وقدسيّة حقيقيّتها، أم أنه أخبارٌ ومشاركاتٌ ومهرجاناتٌ وشللياتٌ وندواتٌ نصاحب منظّميها، ومواقع نتملّق لمديريها، وجوائز معاييرُ منحها على خصامٍ مع الأدب، وعباراتٌ يُغدَق بها على من لا يستحقّها، وصخبٌ وضجيجٌ وقرقعةُ إعلاناتٍ وصليلُ دعاياتٍ كلّ مرادها الترويجُ لما هو نثر بعض البريق على من يفتقر للنّور الحقيقي؟؟؟؟

ولا ننسَ أنّ العظماء الحقيقيين كانوا منشغلين بإبداعاتهم لا بالإعلانات ولا بالبهرجات ولا بالنفاق الإعلاميّ ، بل إنّ قيمتهم تكمن في روائعهم التي وصلتنا كإرثٍ حقيقيّ من الكنوز ، فها هو المثل الصادق: "لا تبقى في الوادي غير حجارته"..

فلنغمز إذن لعلّ اللبيب من الغمزات يفهم..

ومحبّة للجميع

يُتبع

.

التعليقات