صبّار رنا بشارة: دلالاتٌ متعدّدةٌ لهويّةٍ تلملم أشلاءها / د. مليحة مسلماني

صبّار رنا بشارة: دلالاتٌ متعدّدةٌ لهويّةٍ تلملم أشلاءها / د. مليحة مسلماني

الصّبّار، هذه النّبتة الّتي تنتشر بكثرةٍ في الرّيف الفلسطينيّ، المؤلمُ شوكُ قشورها، الطّريّ لبّها والحلو مذاقه، ظلّت رمزًا للاستعارة في العمل التّشكيليّ الفلسطينيّ على مدار قرنٍ من الزّمان، منذ أن قام الفنّان نيقولا الصّايغ، وفي النّصف الأوّل من القرن الماضي، بتعريب لوحة الطّبيعة الصّامتة الغربيّة، باستبداله الفاكهة المألوفة في اللّوحات الغربيّة، مثل التّفاح والعنب وغيرها، بفاكهةٍ محبّبةٍ لدى فقراء فلسطين آنذاك، وهي الصّبّار.

نبتة الصّبّار في أعمال عاصم أبو شقرا من أمّ الفحم

ثمّ ظهرت نبتة الصبّار بكثرةٍ في أعمال الفنّان عاصم أبو شقرا، المولود في مدينة أمّ الفحم، والّذي رغم رحيله شابًّا، ورغم قصر عمر مسيرته الفنّيّة، إلا أنّه ترك مجموعةً من اللّوحات، أبرزها تلك الّتي رسم فيها الصّبّار، لتثير جدلًا واسعًا ما زال مستمرًّا بين النّقّاد الفلسطينيين والاسرائيليين، إذ يحاول النّقّاد والمثقّفون الفلسطينيّون تفسير دلالات صبّار أبو شقرا في سياق الرّدّ على التّفسير الصّهيونيّ الّذي أسقط على صبّار أبو شقرا فكرة "الهويّة الصّبّاريّة"، وهي إحدى طروحات الهويّة الّتي ظهرت، في محاولةٍ للتّخلّص من تناقضات الفكر الصّهيونيّ وتجاوز إشكاليّة الهويّة في إسرائيل، والطّرح الصّباريّ للهويّة يعتزّ بمواليد البلاد الّذين أُطلق عليهم اسم "الصّبّاريم"، المستوحى من نبتة الصّبّار، والمتعافين، كما يرى أنصار هذا الطّرح، من ماضي الشّتات اليهوديّ.

غير أنّه يبقى من الواضح أنّ أبو شقرا يقوم في أعماله، خاصّةً تلك الّتي رسم فيها الصّبّار موضوعًا في أصيص، بأنسنة هذه النّبتة، ليشير إلى الإنسان الفلسطينيّ الّذي اقتلع من أرضه ليوضع في غير مكانه الطّبيعيّ، فالصّبّار مكانه الطّبيعيّ الأرض وليس الأصيص.   

رنا بشارة: تمثّل الجيل الجديد الأكثر وضوحًا وجرأةً في طرحة التّشكيليّ للقضيّة والهويّة الفلسطينيّتيْن

تنجح الفنّانة الفلسطينيّة رنا بشارة، المولودة في قرية ترشيحا في الجليل، في تحرير صبّار أبي شقرا، ليس فقط من أطر اللوحة، بل من سياق الجدل والإسقاطات الصّهيونيّة عليها، فالفنّانة تمثّل الجيل الجديد من الفنّانين الفلسطنيين المولودين داخل حدود المناطق المحتلّة عام 1948، وهو الجيل الأكثر وضوحًا وجرأةً في طرحة التّشكيليّ للقضيّة والهويّة الفلسطينيّتيْن، وفضح محاولات المحتلّ اغتيال الانسان والأرض والثّقافة.

تستخدم الفنّانة رنا بشارة العناصر الطّبيعيّة من أرض فلسطين، مثل ورق الأرز والحنّاء، في أعمالها، للدّلالة على الهويّة الفلسطينيّة، غير أنّ نبتة الصّبّار كانت الأكثر حضورًا في أعمالها، تعيد إنتاجها تشكيليًّا في أحوال عدّة، تقطعها أو تجفّفها أو تخيطها أو تخلّلها أو تعلّقها.

"من كثر ما صبرنا صار صبرنا مخلّل" 

في أحد أشهر أعمال الفنّانة، وُضعت نبتة الصّبّار مقطّعةً في إناءٍ زجاجيّ، ذلك الّذي يستخدم لحفظ الخضار وتخليلها كتقليدٍ في المطبخ الفلسطينيّ والعربيّ عمومًا. 

يحمل العمل رسالةً تدعو إلى الاستمرار في الحفاظ على ما تبقّى من الصّبر والثّبات في الإنسان الفلسطينيّ، أو ربّما هي سخرية المتألّم، في رسالةٍ بسيطةٍ لكن موجعة: "من كثر ما صبرنا صار صبرنا مخلّلا"؛ وللصّبّار في هذا العمل دلالتان: إنسانيّةٌ ومكانيّة، إذ تختزل رنا بشارة في الإناء صبر الإنسان الفلسطينيّ المقطّع الأوصال في المنفى، والمكان الفلسطينيّ المقطّع أيضًا بالحواجز والمعابر والجدار.. هذا التّصوير للصّبّار كإنسانٍ وكمكان، هو تأكيدٌ على الارتباط القويّ مع الأرض، وهو ما كان محور أعمال روّاد الفنّ التّشكيليّ الفلسطينيّ بعد النّكبة، حيث يتماهى كلٌّ من الإنسان والأرض في العمل، مشكّلان بذلك وحدة الهويّة الّتي يسعى إليها التّشكيليّ الفلسطينيّ.

 

"من يشتري خارطة الطّريق [للسّلام] في فلسطين"

تعتمد الفنّانة رنا بشارة السّرد في كثيرٍ من أعمالها الانشائيّة، ففي عملٍ بعنوان "من يشتري خارطة الطّريق [للسّلام] في فلسطين"، ألصقت على جدران قاعة العرض خرائط منظّمة الأوتشا التّابعة للأمم المتّحدة، والّتي تبيّن الحواجز والنّقاط العسكريّة وخارطة جدار الفصل العنصريّ، وعلّقت في السّقف ألياف الصّبّار الجافّة والمتدليّة، والمحاكة ببعضها بالخيط الأسود،  تقول الفنّانة: "ألياف الصّبّار الجافّة والمخاطة، ترمز إلى فلسطين والـ 531 قريّةً الّتي دمرت خلال النّكبة وبعدها، إنّها تمثّل الهيكل العظميّ لفلسطين التّاريخيّة، للأسف هذه هي الدّولة الفلسطينيّة العتيدة - المقطّعة الموصلة."

تخيط وتلملم الفنّانة بقايا الصّبّار إلى بعضها لتعبّر عن التّشتّت والضّياع، فتبدو تلك الأشكال الّتي خيطت من ألياف الصّبّار أشبه بجثثٍ تصرّ على الحضور، أو مكانٍ يأبى التّقطيع والفصل والحصار، تنتقد الفنّانة عمليّات السّلام وخرائطها التي لا تقدم للفلسطيني سوى ترسيخ شعوره بالشتات، فتعيد لملمة أشلاء المكان والذات تشكيليًا.

"حاضر غائب"

في عملٍ تركيبيٍّ آخر بعنوان "حاضر غائب"، تعلّق الفنّانة في بيتٍ قديمٍ في البلدة القديمة في قريتها ترشيحا، قضاء عكّا، ألياف صبّارٍ جافّةٍ كُتبت عليها أسماء العائلات الّتي هُجّرت من القرية عام 1948، يعيش الكثير من تلك العائلات الآن في مخيّمات اللّاجئين في سوريا ولبنان.. إنّ الألياف في هذا العمل، والّتي تحمل أسماء المهجّرين، تتواجد في حيّزٍ معلّقٍ ما يزال يبحث عن نقطة استنادٍ أو أرضيّةٍ صلبة، هي المكان الأوّل، ولا مركز لوجودها إلا صبرها الّذي تمثّله ألياف نبتة الصّبار.

يجفّ الصّبار ولا يموت، ويبقى محتفظًا بالقدرة على البقاء حتّى بعد الجفاف، بألياف تبدو شفافةً كأرواح تلك العائلات الّتي ما زالت تسكن المكان الأوّل، ما يؤكّد عليه أيضًا البيت القديم كمكانٍ للعرض، وما جاء في عنوانه "حاضر غائب"، فتخلق الفنّانة بعملها حضورًا لأشخاصٍ غائبين.

يزيد من قوّة هذا الحضور، شريطٌ صوتيّ لجدّ الكاتب سليم البيك، يرافق العمل، يروي فيه لحفيده قصّة لجوئه وأحداث النّكبة، ويسترجع من ذاكرته ما تختزله من رائحة القرية وصورٍ لريفها الجميل، فتعزّز رنا بشارة، بعملها المشترك مع الكاتب سليم البيك، إصرار الغائبين على الحضور.

يحضر الصّبّار في أعمال رنا بشارة واضحًا في انتمائه لفلسطين وللفلسطينيّ، بشكلٍ لا يدع مجالًا للجدل والاختلاف على مالك الهويّة والأرض وصبّارها.

تتضافر أعمال رنا بشارة في الصّبّار مع بقيّة أعمالها الإنشائيّة الأخرى، مشكّلةً بذلك مسيرة فنّانةٍ ملتزمةٍ بقضيّتها، تضعها على المشرحة التّشكيليّة لتعرّي الحدث ومحاولات تصفية الهويّة، فيحمّل العمل برسائل سياسيّة ثقافيّة، نقطة انطلاقها دائمًا المأساة الفلسطينيّة الّتي تبقى أيضًا موضوع تأمّل الفنّانة وهمّها.

 

* د. مليحة مسلماني: كاتبة وباحثة فلسطينيّة تقيم في القاهرة. حاصلة على درجة الدّكتوراة بمرتبة الشّرف الأولى من معهد البحوث والدّراسات العربيّة، جمهوريّة مصر العربية، موضوع الرّسالة: "تمثّلات الهويّة في الفنّ الفلسطينيّ المعاصر في المناطق المحتلّة عام 1948"- 2011.

بودكاست عرب 48