غسان كنفاني والعظم: الحب والحب العذري في ظل النكسة

غسان كنفاني والعظم: الحب والحب العذري في ظل النكسة

كان قلم 'فارس فارس'، وهو توقيع الشهيد غسان كنفاني لمقالاته في جريدة 'الأنوار' اللبنانية، لاذعًا وحادًا ومشاغبًا، لم يتردد في 'شطب' أعمال أدبية وفكرية لكتاب عرب شباب وكبار، لكنه كان قلمًا مثقفًا عميقًا، غير أنّه متحزب ومنحاز للعمل الفدائي. وإذا كان كذلك، فلا بد له من تناول مؤلفات الفيلسوف السوري الذي رحل أمس الأحد، صادق جلال العظم، وتحديدًا مؤلفيه 'الحب، والحب العذري' و'النقد الذاتي بعد الهزيمة'.

وكتب 'فارس فارس' في 'الأنوار' يوم 3/3/1968: 'يبدو أن الدكتور العظم، وقد حصل على الدكتوراه في الفلسفة منذ عدة سنوات، وقد قرر بينه وبين نفسه أن يضع مهمته الصعبة كباحث فلسفي في خدمة هدف معين، وهذا الهدف هو العمل على تخييب أملنا، كبشر، في كثير من الأشياء والقيم التي آمنا بها دون أن نشعر أنها بحاجة إلى نقاش وبحث وامتحان'.

ويتابع 'فارس فارس': 'الآن يطلع علينا الدكتور العظم بنظرية أخرى، وهي أن الحب العذري، والعشاق العذريين، ليسوا في الواقع إلا حالة معاكسة لما كنا نعتقد.. وأن مجنون ليلى، أو جميل بثينة، اللذين اعتبرناهما نموذجا للحب الصافي والمثل الأعلى الغرامي والوجد البريء الذي يفتت الكبد، ليسا في الواقع إلا رجلين انتهازيين فاسقين وصوليين، هما وكل أولئك الذين بلعناهم بصفتهم فرسان غرام من الدرجة الأمثل'.

ويتناول 'فارس فارس' موقف العظم من الحب العذري ويكتب: 'يقول الدكتور العظم في شتم الحب العذري وفضحه وشرشحته، إنه، أي الحب العذري، هو رفض للرباط المقدس خوفًا من ’اضمحلال العشق وخفوته’ ولذلك فإن مأساة العاشق العذري الأكبر – كما عرفناها في الأمثلة التاريخية الشهيرة – هي مأساة مزيفة في جوهرها!'.

ويضيف 'فارس فارس' أن الدكتور العظم يمعن في تمزيق أستار أسطورة الحب العذري فيرشق سمعته المأخوذة على علاتها بالوحول التالية:

- العاشق العذري لا يحب في الحقيقة شخص محبوبه بقدر ما يحب عشقه هو لها(أي  –يقصد- أنه أناني).

- الحب العذري حالة مرضية، لا تخلو من خصائص ’السادوماسوكية’، أي الميل إلى تعذيب النفس والغير دون مبرر...

- الحب العذري، من حيث انعكاساته في نفوسنا، هو تمجيد للحب خارج نطاق الرابطة الزوجية بصورة مضادة للقيم والتقاليد الاجتماعية التي نتفانى – في حالات أخرى- بالدفاع عنها والغيرة عليها. وهذه الظاهرة هي دليل على تمرد باطني على تقاليد القمع العاطفي السائدة في مجتمعنا.

ويخلص 'فارس فارس' إلى القول: 'ومهما يكن فإن ما يدعو إلى الاستغراب أيضًا ليس فقط حملة الدكتور العظم على الحب العذري، ولكن أيضا ’توقيت هذه الحملة’. فما الذي حمل إلى بال الدكتور العظم، وهو الذي كتب بحثين ممتازين عن أسباب ونتائج ووسائل علاج 5 حزيران، إنزال جميل بثينة وقيس وروميو إلى ميدان الجدل العربي، في وقت كنا نتوقع منه أن يقدم لنا نموذج عنترة، ذلك العاشق الذي كان حبه لعبلة مسألة عرض وأرض معا، مرتبطة بالقتال في سبيلهما إلى حد كان يود دائما: ’ووددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم؟’'.

رد على فارس فارس

ويوم 14/3/1968، نشر العظم ردا على نقد 'فارس فارس'، جاء فيه:

'ليس من الإنصاف التمليح إلى أني تعمدت ’توقيت’ نشر بحثي عن الحب والحب العذري في مناسبة معينة تمامًا، لأن الدراسات الجدية لا توقت بهذا المعنى الضيق كما توقت الحملات الإعلامية أو البيانات السياسية أو المقالات الصحافية. إن دراستي عن الحب والحب العذري حصيلة بضع سنوات من التأمل والدراسة والنقاش والتجارب والمطالعة حول موضوع الحب الذي استهواني لأسباب عديدة منها الذاتية ومنها كونه معضلة يعاني منها المجتمع العربي والشباب العربي أيما عناء، وافتقار المكتبة العربية المعاصرة إلى معالجة لهذا الموضوع الحيوي بصراحة تامة وبصورة مبتكرة عصرية تربط بين التراث العربي من ناحية والثقافة الأدبية والعلمية الحديثة من ناحية أخرى. وأذكر هنا أن المسودة النهائية للكتاب كانت شبه منتهية قبل الخامس من حزيران مع أن الكتاب لم ينشر إلا مطلع 1968'.

'إني لا أعرف تراثًا أدبيًا استمر في تدفقه لفترة خمسة عشر قرنًا بدون انقطاع على الإطلاق غير تراث الشعر العربي. والقلب النابض بهذا التراث الشعري هو العزل، أي (الحب). ولا ضرورة لأن أتعدى ذلك إلى ذكر التراث النثري العربي في التعليق على الغزل ودراسة الحب لأنه جزء من التراث الأدبي العربي العام والمستمر حتى يومنا هذا... ومن الواضح أنه حين يكتب أحدنا شيئًا عن موضوع الحب، إن كان ذلك قبل قبل الخامس من حزيران أو بعده، لا بد وأن يعتز بكونه جزءًا بسيطًا جدًا من هذا التراث الأدبي واستمرارًا له. أضف إلى ذلك أنه إذا كان الخامس من حزيران يشكل دعوة خطيرة لإعادة النظر ’في كثير من الأشياء والقيم التي آمنا بها دون أن نشعر أنها بحاجة إلى نقاش وبحث وامتحان’ على حد قول السيد فارس، فإن مثل هذه الدعوة ينبغي أن تكون شاملة لجميع أوجه نشاط الإنسان العربي بما فيها نشاطه الثقافي والأدبي وخاصة في كل ما يتعلق بما ورثه من أفكار ونظرات عقيمة حول تراثه الحضاري والثقافي هي من نتاج قرون الانحطاط الأخيرة'.

ويرد 'فارس فارس' على رد العظم بمقالة مكونة من ثلاث صفحات وأكثر.

نقد 'النقد الذاتي بعد الهزيمة'

نشر 'فارس فارس' مقالًا نقديًا لكتاب العظم 'النقد الذاتي بعد الهزيمة' وذلك يوم 13/10/1968 تحت عنوان 'عن صادق جلال العظم – إنه يغطس مشرطه في محبرة دم... ويكتب!'.

لكن 'فارس فارس' ينتقد استخدام العظم لمصطلح 'العقل العربي' وعدم تمييزه بين أنماط التفكير العربي التي 'تشكو من علل مختلفة، وبين أنماط التفكير الطلائعي'، بحسب 'فارس فارس'.

وكتب: 'إنه كتاب ’النقد الذاتي بعد الهزيمة’ وهو في الأساس تطويل لمحاضرة... عن 5 حزيران وذيوله... يحمل الدكتور العظم بدل القلم مشرطا وعينًا مفتوحة، والقارئ –حين يغلق الصفحة الأخيرة من الكتاب- يكون جسده (من الداخل) قد أتخن بالجراح، ولكنها جراح من مستوى الفصد والكي!'.

ويتابع 'فارس فارس': 'إنه قارئ ممتاز، ولذلك صار يستطيع أن يكون كاتبًا ممتازًا، لا يترك شيئا يفوته، يقرأ كل شيء، لا يتزلج فوق صفحات الجرائد والمجلات، ولكنه يحرثها حرثًا، جيئة وذهابًا، ولذلك فإن صفحاته ينبض فيها صوت الجدل الحي. إنها ليست كلامًا في الفراغ، ولكنها نقد حقيقي، جواب لأسئلة، وأسئلة لأجوبة غير مكتملة أو غير مقعنة'.

ويؤكد 'فارس فارس' أن 'هذا الكتاب ضروري، لأنه يكشف بوضوح كيف أراد دعاة التخلف أن ينفذوا من حرائق الهزيمة وعارها لينشروا فكرهم، وكيف تمترس الرجعيون المتعصبون وراء الإهانة المرة ليوزعوا عظاتهم التي تفوح منها رائحة العفن، وكذلك كيف يضرب بعض التقدميين بسيف من خشب، وبندقية من قصب المص! إنه يضع إصبعه على الجرح، وأحيانًا يصب فوقه ملحًا وكبريتًا، وكأنه ملحنا نحن وكبريتنا نحن!... إذا أردنا أن نعرف حقًا ماذا حدث في 5 حزيران، فكتاب الدكتور العظم يعطي جزءًا كبيرًا من الجواب. وإذا أردنا أن نعرف كيف المخرج، فأصبع الدكتور العظم تشير إليه. وإذا أردنا أن نقوم ما قيل قبل النكسة وما يقال، فكتاب الدكتور مرشد جيد إلى ذلك!'.

ويقول 'فارس فارس' أنه العظم لا يفترض فرضيات بل لديه 'وجهة نظر' واضحة وهي كما ورت في كتاب العظم: يجب 'أن تتفجر في الوطن العربي قوى ثورية جديدة تلتزم قياداتها التزامًا نهائيًا بقضايا الغالبية العظمى من أفراد الشعب، أي بقضايا الجماهير الكادحة ومصالح الطبقة العاملة'.

ويكتب 'فارس فارس' أن 'وهذا الموقف يجعل الكاتب، طبيعيًا، ضد أنصاف الحلول، فهو ضد نظرية التعايش بين الأنظمة العربية الراهنة حتى في سبيل فلسطين لأن ذلك لن يجدي وسيكرر الكارثة. وهو –لذلك أيضا- ضد الحلول الوسط الاجتماعية، فالانتصار، عنده، مرتبط بالثورة الاجتماعية دون أي تأخير، وهو، لذلك أيضًا، يرى أن التغيير الثوري الشامل الذي يرفع إلى القيادات سلطة الشعب الحقيقية هو وحده الذي يمكن الأمة ’من إفراز مفكريها وكتابها وعلمائها وفلاسفتها ومنظريها لتصبح بعدها بغنى عن خدماتنا وخدمات أشباهنا من المفكرين الذين لا يمكن أن يمثلوا... أكثر من أنصاف الحلول’'.

بعد نحو خمسة عقود من هذا السجال، يبدو أن ما استخلصه العظم بشأن الوضع العربي في أعقاب النكسة هو الصواب بعينه، بأن لا حلول وسط مع الاستبداد حتى لو كان من أجل فلسطين. 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018