"تعلّمت كلّ الكلام... كي أكسر القاعدة": قراءة في أشكال العنف الرمزي واللامرئي داخل الحقل الأكاديمي

الحديث عن العنف الرمزي في الأكاديميا ليس شكوى شخصية، بل قراءة في بنية سلطة متجذّرة تُعيد إنتاج نفسها عبر الجندر والهوية والزمن.

صورة توضيحية (pixabay)

ما لا يُقال عن الأكاديميا

يُنظر إلى الأكاديميا باعتبارها فضاءً عقلانيًا تحكمه المعرفة والإنصاف، لكن خلف هذا الهدوء المهيب تعمل منظومة رمزية دقيقة تحفظ توازناتها بالسكوت لا بالصوت. فالأكاديمي أو الأكاديمية الذي يحقق إنجازًا استثنائيًا لا يُكافأ بالضرورة، بل يُقابَل أحيانًا بالدهشة أو التجاهل أو التأجيل. هذه ليست تفاصيل شخصية عابرة، بل ممارسات بنيوية تشبه ما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ"العنف الرمزي" (Symbolic Violence) - أي السيطرة التي تُمارس عبر التقاليد والإيحاءات "الطبيعية"، لا عبر الصراع المعلن.

الجندر كحدّ خفي للشرعية

حين تكون صاحبة التفوق امرأة، تتعقّد المعادلة أكثر. فالأكاديميا، رغم حضور النساء الواسع فيها عدديًا، ما زالت تُدار وفق ما يمكن تسميته بـ"الهابيتوس الذكوري" – أي منظومة القيم والسلوكيات التي تحدد "ما هو أكاديمي وجادّ" بمعايير ذكورية مستترة. المرأة التي تجمع بين الحضور الأنثوي والسلطة الفكرية تثير ارتباكًا غير معلن داخل هذا النظام، فتُقابَل بالحذر أو البرود أكثر مما تُقابَل بالاعتراف. في ظلّ هذا الواقع، تتحول الجدارة إلى اختبارٍ مزدوج: إثبات الكفاءة العلمية أولًا، ومقاومة الشكّ الضمني بشرعية الحضور ثانيًا.

الإثنوقراطية والمعرفة المقيّدة

وإذا كانت الجندرية حدًّا أول للشرعية، فإن الانتماء القومي أو الإثني يشكّل حدًّا آخر أكثر عمقًا. ففي الأنظمة الأكاديمية التي تحمل طابعًا إثنوقراطيًا، لا تتوزع الشرعية المعرفية بالتساوي بين جميع المواطنين. فالمعرفة التي تُنتجها الأكاديمية المنتمية إلى أقلية أصلانية تُوصَف أحيانًا بأنها "مؤدلجة" أو "ذات أجندة"، بينما تُمنح المعرفة السائدة صفة "الحياد والموضوعية". هذه المفارقة تجسّد ما تسميه الفيلسوفة البريطانية ميراندا فريكر بـ"الظلم المعرفي" (Epistemic Injustice) - حين يُنتقص من مصداقية الباحث بسبب هويته لا بسبب فكره. في مثل هذا الواقع، يتحول الأكاديمي أو الأكاديمية المنتمي إلى الأقلية إلى فاعلٍ يتعرّض لعقوبة معرفية غير معلنة؛ فكلّ بحثٍ يُفكّك المركز يُصنَّف "أجندة"، وكلّ وعيٍ نقدي يُوسَم بأنه "سياسي".

الزمن كأداة للهيمنة

لكن دوائر الإقصاء لا تكتمل دون الإشارة إلى البنية الثالثة، الأكثر خفاءً وعمقًا: الزمن. في الحقل الأكاديمي، يُقاس الاستحقاق غالبًا بالسنوات، وكأنّ العمر الأكاديمي صار رأس مال يمنح الشرعية. تُظهر دراسات عن الزمن المؤسسي في الأكاديميا، مثل أبحاث الباحثة الفنلندية أويلي هيلي يليوكي (Ylijoki, 2013)، أن توزيع "الوقت الأكاديمي" بطرق غير متكافئة يسهم في إعادة إنتاج الهرمية داخل المؤسسة. فالنجاح السريع يُفسَّر أحيانًا كاستعجال لا كإنجاز، لأنه يُربك التسلسل الرمزي القائم. وهكذا يتحول الزمن من مساحة للنمو إلى أداة ترويض ناعمة تُعيد إنتاج موازين القوى ذاتها.

من الانفعال إلى الوعي البنيوي

يبدأ التحوّل الحقيقي عندما تُعاد قراءة التجربة الشخصية في ضوء البنية الاجتماعية التي تُنتجها. فحين تُدرك الأكاديمية أن مشاعرها ليست خللًا ذاتيًا بل استجابة لهيمنة مؤسسية، تتحول العاطفة إلى معرفة. وقد أشارت الباحثة سارة أحمد في كتابهاThe Cultural Politics of Emotion (2004) إلى أن العواطف ليست مجرد حالات فردية، بل "سياسات" تكشف خرائط القوة وتعيد توجيه الوعي نحو البنى التي تولّدها. في هذا الوعي تتحوّل الأكاديمية من موضوعٍ للتمييز إلى فاعلةٍ نقدية تنتج معرفة مقاومة، ويغدو كل إنجازٍ في ظلّ الإقصاء فعلًا من أفعال المقاومة الفكرية، لا مجرّد نجاحٍ فردي.

بين الصمت والنور

الحديث عن العنف الرمزي في الأكاديميا ليس شكوى شخصية، بل قراءة في بنية سلطة متجذّرة تُعيد إنتاج نفسها عبر الجندر والهوية والزمن. فالهيمنة لا تحتاج إلى قرارات صريحة؛ يكفيها أن تُقنع المختلف بأنه استعجل النجاح، أو أن تصف صوته النقدي بأنه "أجندة". لكن حين يُفكَّك الصمت بالوعي، يفقد الظل قدرته على التمدّد.

فالنور الذي يفهم بنيته… لا يُطفأ.


* باحثة ومحاضِرة في التربية اللغوية واللسانيات الاجتماعية.

التعليقات