في كتابه المترجم إلى العربية "أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" كان إيال وايزمان قد انطلق في سرده لسردية المعمار الاستعماري في فلسطين من فور دخول القوات البريطانية الغازية مدينة القدس سنة 1917، مع ما عُرف بـ"تحجير المدينة المقدسة"، حين أصدر الحاكم العسكري البريطاني للمدينة عام 1918، رونالد ستورز (Ronald Storrs)، قانونًا معماريًا يقضي باستخدام أنواع بعينها من الحجارة لاستخدامها في بناء مباني المدينة. إلا أن المعماري المصري أحمد حمدي عبد العظيم، في كتابه الصادر مؤخرًا بطبعته الأولى عن دار مدارات للأبحاث والنشر بعنوان "كنيس الخراب: الصهيونية والاستيطان والعمارة"، يعود إلى مراحل أبكر مما تناول وايزمان، ليؤصل عبد العظيم إلى أولى المسامير التي دُقّت تثبيتًا للعمارة الاستيطانية – الصهيونية في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر.
ومن هنا كان عنوان كتابه "كنيس الخراب" في محاولة أراد منها عبد العظيم الربط ما بين المخيال الديني – التوراتي والمشروع الصهيوني، كما يشرح في مقدمة كتابه عن اسمه، وذلك لطالما لعبت العمارة الصهيونية دورًا مهمًا في نبوءة الصعود الثاني لبني إسرائيل، والذي تجسد فيما عُرف بنبوءة "خيمة داود الساقطة" التي ورد ذكرها غير مرة في العهد القديم، في سفر عاموس خاصة. إذ تشير هذه النبوءة، وفق التأويلات اليهودية، إلى إعادة بناء مملكة داود التي خربت، فمن خلال إعادة بناء الخيمة سيتحقق المُلك الثاني لنسل داود، وقد استلهم اليهود الصهاينة من قصة خيمة داود الساقطة، بثقلها الرمزي، العديد من الأحكام والتشريعات الدينية لتوظيفها في جوانب مختلفة من العمارة الصهيونية التي يسلّط عليها عبد العظيم كشّافه في كتابه هذا.
يمتد كتاب "كنيس الخراب" على ثمانية فصول، داوم فيها كاتبها على وضع سردية المعمار الاستيطاني الصهيوني في سياقيها السياسي والاجتماعي منذ نموذجي "الجيتو" و"الشتيتل" ما قبل ولادة الحركة الصهيونية في أوروبا. إذ مثّل الجيتو مأوًى وفضاءً عنصريًا متصلًا بعزل اليهود منذ عام 1516، مع إقامة حي "كاناريجيو"، أول حي منفصل – منعزل لليهود في مدينة البندقية الإيطالية. بينما اعتُبر الشتيتل، بوصفه فضاءً سكنيًا، بمثابة مدينة أو بلدة يهودية منفصلة في المناطق الأوروبية التي حظي فيها اليهود بحقوق مساوية، وتمتعوا بقدر من الحرية في ممارسة حياة طبيعية منذ القرن السادس عشر. لقد جسد الجيتو سياسات العزل والاضطهاد، بينما جسد الشتيتل سياسة الانفتاح والمساواة، ومن هنا سقط هذا الأخير من ذاكرة الصهيونية المخترعة عن اليهود، ليستريح الأول فيها إلى يومها هذا.
ولما بدأ الاستيطان الصهيوني في فلسطين بوصفه استيطانًا زراعيًا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد أشار عبد العظيم إلى الطبيعة المعمارية التي اتصلت بذلك الشكل من الاستيطان المبكر. وذلك بدءًا بالحيز الاستيطاني اليهودي في أحياء داخل مدينة يافا، مثل: حي السلام "نفيه شالوم" وحي الصداقة "نفيه تسيديك" المتجاورين. يقابلها الاستيطان الزراعي وبناء أولى المستوطنات الزراعية، في إشارة الكاتب إلى دور عالم الاجتماع والاقتصاد اليهودي الألماني فرانز أوبنهايمر (1864-1943) في تطويع معرفته لخدمة المشروع الاستيطاني – الصهيوني، متمثلة بفكرة "الكيبوتس"، نمط البناء الأشهر الذي دل عليه أوبنهايمر في حينه.
ومن ثم يؤصل عبد العظيم لأجيال الحيز الاستيطاني الصهيوني، "الموشاف/الكيان الزراعي"، مع تواتر أجيال الهجرات اليهودية إلى فلسطين من أوروبا. وما بين الجيل الأول الذي هاجر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، والثاني في مطلع القرن العشرين، وما ترتب على فكرة الموشاف بين الجيلين، في كون الأول اتسم بالملكية الفردية بينما الثاني بالتعاونية، فقد تأثرت العمارة الصهيونية المبكرة بهذا التحول الذي أصبح فيه تصميم المستوطنة من قبل معماري محترف مع الجيل الثاني. هذا فضلًا عن تحول آخر ما بين أول جيلين، لناحية أن مستوطنة الجيل الأول كانت تنمو تدريجيًا وتلقائيًا مع زيادة عدد الأفراد الذين تستقبلهم المستوطنة، ما جعلها قابلة للزيادة. بينما جاءت مستوطنة الجيل الثاني مكتملة التصميم منذ اللحظة الأولى، وقد أشار الكاتب إلى نموذج مستوطنة "نهلال" في مرج ابن عامر، التي صممها المعماري اليهودي الألماني ريتشارد كاوفمان، أول معماري للحركة الصهيونية في فلسطين.
وذلك في ظل ما أطلق عليه عبد العظيم "تغريب الأرض"، الذي رافق الاستيطان الصهيوني المبكر منذ مطلع القرن العشرين، التغريب المتصل بإعادة تشجير البيئات المحيطة بالمستوطنات، و"تخضيرها" بما يمايز الاستيطان الصهيوني عن محيطه العربي. وقد حملت العمارة الصهيونية المبكرة، المتمثلة بالمستوطنة التعاونية، دلالة دفاعية، خصوصًا في المستوطنات التي أقيمت في الجليل في قضاء صفد على الحدود الفلسطينية – اللبنانية المتنازع عليها في عشرينيات القرن العشرين، مثل مستوطنة "تل حاي" التي أقيمت في عام 1905، ثم أعاد المعماري اليهودي الألماني الأصل ألكسندر ليفي النظر في تصميمها مع مطلع العشرينيات، مع بدء النزاعات مع السكان العرب، بمنحها طابع الحصن بجدرانها العالية التي تطل على فناء أو ساحة داخلية، لتزدهر العمارة الاستيطانية – الدفاعية خلال عقد الثلاثينيات لاحقًا مع ما عُرف بنموذج "الجدار والبرج".
كما يؤصل عبد العظيم للـ"كيبوتس" الصهيوني مستعينًا بأمثلة عليه بوصفه نواة الاستيطان الصهيوني – التعاوني المبكر في فلسطين، وأبرز التحولات التي طرأت عليه منذ أن بدأ الكيبوتس كنموذج أقرب إلى الحظيرة في صغر حجمه وبساطته، إلى حيث صار في تطويره يحمل دلالات اجتماعية تُحيل إلى أفكار صهيونية متصلة بالتعاون الجماعي الذي يحاصر سؤال الخصوصية الفردية بالنسبة للمستوطن الصهيوني. ولم يفت الكاتب أن يجدل تأصيله للمعمار الاستيطاني الصهيوني المبكر بالسياسي والأجندة السياسية الصهيونية التي ظلت طرز البناء الاستيطانية مشروطة بها، لناحية، على سبيل المثال، الاستعجال في البناء والحاجة إلى نثر أكبر قدر ممكن من المستوطنات على أكبر قدر ممكن من جغرافيا فلسطين، فيما فيها النقب نفسه. وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه "المعمار المحكوم بالسبق"، وقد استمر ذلك مراحل متأخرة من تاريخ السلب الصهيوني للأرض الفلسطينية على مدار القرن العشرين.
يطول الحديث في كتاب "كنيس الخراب"، عن علاقة العمارة بالاستيطان الصهيوني، والصلة الدينية والاجتماعية والأمنية بينهما، وأثر إيقاع الزمن فيهما، في كل مستوحًى من فكرة "إحياء الخراب" اليهودية. إلا أن الجدير بالوقوف عليه مما تناوله المعماري المصري أحمد عبد العظيم هو مدينة تل أبيب، العاصمة التي أنجبت دولتها العبرية، حيث تكثفت فيها سردية المشروع الصهيوني منذ ما قبل النكبة وبعدها معماريًا.
المدينة البيضاء والباوهاوس
لم يخفَ على الكاتب بياض الطرز المعمارية لمدينة تل أبيب، بما تحيله لبنية المهاجرين الصهاينة الأوروبيين البيض السياسية والاجتماعية والثقافية في بنائهم لمدينتهم التي صار مشروعهم الكياني يُعرف بها، تل أبيب. خصوصًا وأن هذه الأخيرة ظلت، وما زالت، تُعرّف بوصفها "عاصمة المتعة على البحر المتوسط"، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، كما أشار عبد العظيم في مقدمة حديثه عنها. ومع ذلك، فإن لبياض المدينة ما يتصل بحكاية تأسيسها منذ أول أحيائها، "الحي الأبيض"، الذي أُنشئ خلال عشرينيات القرن الماضي في جنوب تل أبيب. وقد اتسم ذلك الحي بتبنيه الواسع لطراز مدرسة "الباوهاوس" الألمانية.
في عام 1908 اشترت شركة "أحوزات بايت" قطعة أرض شمالي يافا ليقام عليها نواة المدينة، بعد أن اكتظت أحياء "نفيه شالوم" و"نفيه تسيدك" في يافا، وقد جسدت المدينة منذ أول مسمار جرى دقه فيها لفكرة "البناء من العدم، والبداية من الصفر، وتعمير الصحراء". تطورت "أحوزات بايت"، التي غلب عليها الطابع "النيو كلاسيكي"، حيث حاوطت الأشجار المنازل الصغيرة فيها، ما أضفى سمة أوروبية على الحي ميزته عن أحياء يافا المزدحمة، إلى أن تبدل اسم الحي مع اتساعه وغدا تل أبيب. كما لم يتوانَ الكاتب عن البحث في اسم "تل أبيب" بناء على ما ورد في الكتب الدينية اليهودية، أو في الأدب الصهيوني الحديث، مثل رواية "الأرض القديمة الجديدة" الصادرة عام 1902 للأب الروحي للحركة الصهيونية ثيودور هرتسل.
غير أن أبرز ما تناوله الكاتب عن تل أبيب في معمارها هو المختبر الذي شكله معمار المدينة ونقاشات معمارييها في البحث عن هوية معمارية تعبر عن المشروع الصهيوني من خلال تل أبيب وفيها. فقد أشار إلى مدرسة "الباوهاوس" بوصفها مذهبًا ومعهدًا للتصميم أكثر مما هي طراز معماري، نشأ في ألمانيا عام 1919 حين أسست مجموعة من المعماريين والفنانين والحرفيين، يرأسهم فالتر غروبيوس، معهد تصميم في مدينة فايمار الألمانية. يتكون الاسم "باوهاوس" من مقطعين: "باو" ويعني "البناء"، و"هاوس" ويعني "البيت"، فكان الاسم "باوهاوس" أي "بيت البناء". كان هذا الاتجاه التصميمي في ألمانيا قد نشأ في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، بوصفه تعبيرًا عن أفكار وتيارات فنية وفكرية جديدة تمثلت في "الباوهاوس" كمعهد لتدريس العمارة وتعليم الحرف وأكاديمية للفنون. اجتذبت مدرسة الباوهاوس في ألمانيا طلابًا ذوي ميول ثورية وشيوعية ويهودًا سعوا للانخراط في دوائر أكثر تقبلًا لهم وأقل عنصرية مقارنة بالجامعات الألمانية الأخرى. أُغلق معهد الباوهاوس عام 1933 بعد وصول الحزب النازي إلى سدة الحكم.
طراز بلا شعب لشعبٍ بلا طراز
كان الباوهاوس، بوصفه طرازًا حداثيًا في بناء تل أبيب عند نشأتها، يكسب المدينة صفة المحلية والعامية والشعبية كذلك، أي "عمارة بدون معماريين"، استنادًا إلى البناء التقليدي الشعبي البعيد عن المؤثرات الخارجية. وعن ارتباط معهد الباوهاوس الوثيق بدولة إسرائيل، يشير الكاتب إلى تبريرات هذا الارتباط، ومنها الدلالة الرمزية لاستخدام الطراز الحداثي وهيمنته على مدينة تل أبيب بعد أن غدا المعهد نفسه محظورًا في ألمانيا النازية، وقد تزامن إغلاقه مع اضطهاد اليهود في ألمانيا، مما مثّل استحضاره كطراز معماري في تل أبيب موقفًا من النازية واضطهادها لليهود: "أنه طراز حظره النازيون أولًا، واليهود فئة اضطهدها النازيون ثانيًا". غير أن المفارقة هي في أن معهد الباوهاوس الألماني كان بمثابة ثورة في وجه آلة البطش النازية، بينما في فلسطين غدا طرازًا يعبر عن النظام الصهيوني – الاستعماري واضطهاده للفلسطينيين. أي انتقلت دلالته من أقصى اليسار، حيث المقاومة، إلى أقصى اليمين، حيث العنصرية والقمع.
لقد وجدت الحركة الصهيونية في الباوهاوس ضالتها معماريًا، وفي تل أبيب أولًا، لأنه يعبر عن طراز حداثي لا يرتبط ببيئة أو مكان معين. وذلك لأن المعماريين الصهاينة قد اهتدوا إلى رأي معماري مفاده أن أي تبنٍّ لطراز معماري يميز العمارة الصهيونية عن محيطها العربي – المشرقي، يجعل من اليهود مهاجرين غرباء وليسوا أهلًا للأرض، وهذا ما يفسر تبني طرز معمارية ذات ملامح مشرقية للتطبيع مع المكان. إلا أن الباوهاوس، الذي لم يكن يمثل طرازًا بعينه، جاء حلًا للإجابة على سؤال الهوية المعمارية للمشروع الصهيوني، فكان في هذا الطراز الحداثي الذي هو "طراز بلا شعب، لشعبٍ بلا طراز".
سواد البياض
في عام 1984، استضاف متحف الفنون في تل أبيب معرضًا معماريًا احتفالًا بمرور 75 عامًا على تأسيس المدينة، حمل عنوان "المدينة البيضاء: عمارة الطراز العالمي في إسرائيل". وقد وصف "الشعراء" الصهاينة تل أبيب قبل الحرب العالمية الأولى على أنها "مدينة بيضاء خرجت من وسط الرمال كالحلم". احتل اللون مكانة خاصة في فكر العمارة الحداثية الغربي، وقد اعتبرت تل أبيب امتدادًا لذلك بصفتها وهويتها الاستعماريتين، لما يمثله البياض من "نقاء" الكتلة وخلوها من الزخارف، إذ وصف مؤرخ العمارة الشهير جو راسكين، بحسب ما يقتبس عبد العظيم، اللون الأبيض في العمارة بأنه "لون واضح وصريح وصادق"، كما وصفه المعماري الفرنسي – السويسري الشهير لو كوربوزييه بأنه "لون ذو دلالة أخلاقية". بينما المعماري النمساوي الشهير أدولف لوس، في كتابه "الزخرفة والجريمة"، رأى في اللون الأبيض "بيانًا أيديولوجيًا قويًا يناهض الإغراء الرخيص للزخرفة". هذا فضلًا عن تسلل منطق البياض في الفكر الاستعماري الأوروبي في "نقاء العرق الأبيض" وهيمنته على سائر الأعراق.
كل ذلك كان قد تكثف في معمار المدينة البيضاء، تل أبيب، غير أن هذه الأخيرة اختلف استخدام البياض فيها عن غيرها من المدن في أفريقيا أو ساحل المتوسط، بحسب عبد العظيم، اختلافًا جوهريًا، بأن اللون الأبيض في تل أبيب قد جاء بوصفه اختيارًا واعيًا ينطوي على أبعاد أيديولوجية يحاول من خلاله القائمون على البياض إخفاء تاريخ أسود. ليشبك بذلك عبد العظيم مع التاريخ الأسود لتل أبيب، في استيطانها ليافا العربية ثم محوها عام النكبة وتمددها على أنقاضها لاحقًا. ثم الهوة الاجتماعية – الطبقية التي مثّلها بياض تل أبيب في معمارها مع توسعها ما بين شمال تل أبيب الأكثر ثراءً، وجنوبها الأكثر فقرًا، كأحياء "كفار شاليم" و"هاتيكفا" اللذين كان غالبية ساكنيهما من اليهود الشرقيين "المزراحيم". بالتالي، صار البياض في تل أبيب يمر عبر المعمار والبناء ليمثل اليهود الأشكناز، في محاولة لمحو تاريخ اليهود "المزراحيم" بوصفهم شرقيين ونقيضًا لبياض المدينة ومشروعها عمومًا. وقد ذهب عبد العظيم، في هذا الجانب، إلى تناول غير حكاية وقصة عن السلب الأبيض في تل أبيب لأراضٍ وقرىً عربية جرى محوها معماريًا و"تبييضها" صهيونيًا، وكذلك سياسات الفرز والعزل بمنطق صهيوني – يهودي أبيض ما بين أحياء المدينة، في محاولة لم يتمكن فيها بياض المدينة من طلي حقيقة سوادها.
"لقد أخبروني أني سأزور المدينة البيضاء، هل ترى البياض؟ أنا لا أرى أي لون أبيض!" كان هذا ما قاله المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل في أول مرة زار فيها تل أبيب عام 1995. لم يجد نوفيل المدينة على الشكل الذي روجت له الدعاية عنها، إذ كان الرمادي يكسو معظم حوائطها، هو البياض الذي يداوم على إخفاء سواده فبدا رماديًا.