بكتابٍ لا يتجاوز 120 صفحة، يحاول مصطفى اللبّاد اختصار سيرة علاقة إيران السياسية بالعرب على مدار القرن العشرين، انطلاقًا من استعارته عن شجرة الفستق التي عنون اللباد كتابه بها "شجرة الفستق: إيران والعرب في قرن 1914-2013" الصادر بطبعته الأولى عن دار نوفل لعام 2025. وذلك بما لشجرة الفستق من دلالة متصلة بطبيعة السياسة الإيرانية، إذ يقارب اللباد تجذر الحضارة الإيرانية بتجذر الشجرة التي يلقبها الإيرانيون بـ"بسته خندان"، أي "الفستق الضاحك"، في تراب الهضبة الإيرانية. كما أن شجرة الفستق، في دورة حياتها الصبورة وتكيّفها مع أرضٍ قاسية وطبيعة ثمرتها الثمينة، يمكن قراءتها كاستعارةٍ للسلوك السياسي الإيراني.
وأكثر من ذلك، فإن الفستق أكثر شجرة إيرانية أتقنت فن البقاء في بلاد فارس تاريخيًا، تمامًا مثل فن بقاء أهلها بحساباتهم السياسية الدقيقة. وليست زراعة الفستق استثمارًا لعديمي الصبر، بل عمل إيماني بالمستقبل وإرث للجيل القادم؛ فالمزارع الإيراني الذي يغرس شتلة فستق لن يرى قِطافها قبل سبع إلى عشر سنوات. وقد رأى اللباد ذلك منعكسًا في النهج الاستراتيجي الإيراني مع جوارها والعالم. وبرأي الكاتب، فإن في دورة حياة الدولة الإيرانية ما يذكّر بدورة حياة شجرة الفستق نفسها: عامٌ من الحصاد الوفير، يليه، بشكلٍ طبيعي، عامٌ من الراحة والتعافي، تمامًا مثل شجرة الزيتون في فلسطين التي تثمر عامًا لتستريح في العام الذي يليه.
وهذا الإيقاع الدوري يلاحظه اللباد في السياسة الإيرانية عبر التاريخ، إذ شهدت إيران فترات "حملٍ" سياسي واقتصادي، كالامتداد العالمي للإمبراطورية الأخمينية، والنهضة الساسانية، والذروة الثقافية للدولة الصفوية، التي تبعتها فترات "سكونٍ" أو انهيارٍ من الغزو والصراعات الداخلية والانحدار. ينطبق هذا الإيقاع على تاريخ إيران الحديث في القرن العشرين كذلك. وفي ديناميات التحولات التي عصفت بالتاريخ الإيراني، فإن النخب الإيرانية قد تبنّت تكتيك شجرة الفستق؛ فهذه الأخيرة تعتمد على الرياح، لا على النحل أو الحشرات، لحمل حبوب اللقاح من الشجرة الذكرية إلى الأنثوية، في عملية دقيقة تعتمد على القرب والتوقيت وفهم اتجاه الريح كقوةٍ خارجية. وقد أجادت الدبلوماسية الإيرانية هذه الرقصة على أنغام ريح التحولات الإقليمية والدولية، ما حدا بصاحب الكتاب إلى مقاربة إيران بشجرتها التاريخية.
أما عن إيران والعرب، فإن الكتاب يُعنى بالعلاقة بينهما حديثًا على مدار القرن العشرين ومطلع القرن الحالي. وبصرف النظر عن التحولات الأيديولوجية التي طاولت الدولة الإيرانية على مدار القرن العشرين، فإن حسابات إيران، بحسب ما يفترض اللباد في مقدمة كتابه، تقوم على عاملين أساسيين: الأول، الطموح الإيراني المستمر في الزعامة الإقليمية. والثاني، رؤية التناقضات القائمة في المنطقة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، ضمن منظور يتجاوز التناقضات والقضايا في حد ذاتها، ليصل إلى محوريتها في صياغة التوازنات والحراكات في المنطقة، وكيفية استعمالها لمصلحة نفوذ إيران الإقليمي.
الجغرافيا
ينطلق مصطفى اللباد في فصل كتابه الأول من سؤال أساس مفاده: كيف نفهم إيران؟ ليجيب عنه بكلمة: "الجغرافيا"، إذ ليس للأيديولوجيا، ببعدها المذهبي ولا القومي، دورٌ في فهم الحركة الإقليمية للسياسة الإيرانية كما للجغرافيا من دور. يقول اللباد حرفيًا: "ليست الأيديولوجيا هي ما يجب التركيز عليه في تحليل السياسات الإيرانية، على الرغم مما لها من أهمية، بل الجغرافيا السياسية التي تطبع بطابعها الحسابات الجيو-سياسية لإيران...". بالتالي، فإن مساحة إيران أولًا، وطبيعتها الجبلية الصخرية ثانيًا، معطوفًا عليهما الفسيفساء العرقية المميزة لإيران، هي ما يأخذه اللباد بعين الاعتبار لفهم إيران.
تمتد مساحة إيران على مليون وستمائة وأربعة وثمانين كيلومترًا مربعًا، وفيها سلسلة جبال زاغروس التي تنداح بطول 1600 كيلومتر من جنوب تركيا وشمال العراق نحو حدود إيران من تركيا وأرمينيا شمالًا، وصولًا حتى مضيق هرمز جنوبًا. ثم سلسلة جبال ألبرز التي تمثل جسرًا بين القوقاز في الشمال، وجبال الهندوكوش في أفغانستان إلى الجنوب، لتمثل إيران، من الناحية الاستراتيجية، جسرًا بين الهند والبحر الأبيض المتوسط. وفي وسط إيران صحراوان: دشت كبير، وتمتد من قم شمالًا حتى أفغانستان جنوبًا، ودشت لوت التي تمتد جنوبًا حتى بلوشستان. كما تنفتح إيران جنوبًا على المياه المفتوحة على الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي.
يذكّر اللباد، على ضوء ذلك، بأن معظم سكان إيران من القومية الفارسية يقطنون قلب البلاد الإيرانية الداخلية، فيما تسكن القوميات العرقية الأخرى أطراف البلاد، مما يجعل الهاجس العرقي في إيران هاجسًا جغرافيًا في الوقت نفسه. وإذا ما نظرنا إلى الحرب الأخيرة على إيران، سنجد أن الجغرافيا نفسها هي من أعادت لإيران الثقة بنفسها في قتالها العدوان عليها، لتثبت أثر الجغرافيا في السياسي في إيران تاريخيًا. ومن هذا المنطلق ينطلق الكاتب في سرد سيرة علاقة إيران بجوارها العربي على مدار قرن.
الجوار بوابته العراق
ينبّه اللباد إلى نقطة مركزية ظلت تحكم العلاقة بين إيران وجوارها العربي، وتحديدًا دول الخليج العربي، بصرف النظر عن هوية النظام الحاكم في طهران على مدار القرن الماضي، وهي أن موازين القوى ظلت تعمل لصالح إيران على حساب جوارها العربي، ليس فقط للعاملين الجغرافي والبشري اللذين ظلت تتفوق بهما إيران على جوارها، إنما لأن الدولة الإيرانية أقدم تاريخيًا من مثيلاتها لدى دول الخليج، التي حصل أغلبها على استقلاله السياسي في مرحلة متأخرة من القرن الماضي، مما جعل، برأي الكاتب، لإيران ميزة حقوقية في منازعاتها القانونية-الحدودية مع دول الخليج العربي.
غير أن العراق، في الجوار العربي لإيران، ظلت تنظر إليه طهران من نافذة مختلفة عن باقي دول الخليج العربي، لناحية إرث العراق الحضاري، وأسبقيته في استقلاله مقارنة بباقي دول الخليج، ما عدا السعودية، عدا عن إرث الصراع الذي تكفل به العراق تاريخيًا في مواجهة مطامح بلاد فارس في المنطقة العربية. معطوفًا على كل ذلك وجود العتبات المقدسة لدى الشيعة في العراق، الذي ظل مقصدًا للحجاج الإيرانيين منذ أن سافر الشاه عباس الصفوي في مطلع القرن السادس عشر من عاصمة ملكه أصفهان إلى العتبات المقدسة في النجف مشيًا على القدمين، ليكنس قبر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وليلقب الشاه الصفوي نفسه على العملة الرسمية بلقب "كلب عتبة علي"، بحسب ما يذكر اللباد. بذلك ينوه الكاتب إلى عين طهران الدائمة على السهول الممتدة بين إقليم الأهواز والعراق، ما يفسر الاندفاع الفارسي-الإيراني المنتظم نحو العراق كلما دب الضعف في هذا الأخير، كان آخره عام 2003 مع الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين فيه عام 2003.
وقبل ذلك، في ظل نظام الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979)، يشير اللباد إلى ارتباك إيران الشاه من تحول العراق من الملكية إلى الجمهورية مع ثورة عام 1958، إذ كانت الملكية العراقية، قبل سقوطها، قد انتظمت مع إيران وتركيا وأفغانستان في حلف بغداد عام 1955 في مواجهة المد الشيوعي. إلا أن الأهم في هذه الملاحظة هو خيط القلق الرفيع الدائم بين البلدين، إيران والعراق، من التحولات الداخلية فيهما، تمامًا كما نظر عراق نظام البعث بعين القلق إلى الثورة الشعبية الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، والتي ترتب عليها حرب الخليج الأولى.
فلسطين حجر الزاوية
يعود اللباد مؤصّلًا لعلاقة الإيرانيين بفلسطين وحضورهم فيها منذ مطلع القرن العشرين، من خلال فئات اجتماعية ثلاث، هم: التجّار، واليهود، والبهائيون. ومنذ إقرار فلسطين تحت الانتداب البريطاني سنة 1922، اختارت وزارة الخارجية الإيرانية، في حينه، ميرزا حبيب الله خان آل رضا، الملقب "عين الملك"، ممثلًا لإيران في فلسطين، وكان حبيب الله بهائيًا قريبًا من عباس أفندي، حيث ارتبط تثبيت الوجود البهائي في فلسطين بهذا الأخير.
ولما بدأت فلسطين تنشأ كقضية عابرة لجغرافيتها في المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي، كان نظام الحكم في إيران قد صار بهلويًا بعد انقلاب رضا مير بنجي – الشاه لاحقًا – على أحمد شاه القاجاري، آخر حكّام الأسرة القاجارية، سنة 1921، وكان أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الأولى. بالتالي، فإن الحديث عن إيران وقضية فلسطين ما قبل الثورة الإيرانية الشعبية عام 1979 متصل بإيران الملكية في ظل حكم آل بهلوي، رضا الأب ومحمد رضا الابن، وقد وصف اللباد علاقة النظام الملكي الإيراني بفلسطين بالعلاقة الباردة، أي النظر إلى سؤال فلسطين من منظار التوازنات الإقليمية والدولية، خصوصًا بعد نكبة فلسطين وقيام الدولة العبرية عام 1948، في ظل حكم الشاه الابن محمد رضا منذ عام 1941، والذي اعترف بإعلان قيام إسرائيل وأقام علاقات دبلوماسية معها، قبل أن تطيح به ثورة 1979.
لقد اتخذت إيران الشاه موقفًا هامشيًا مستمرًا من حقوق الفلسطينيين وقضيتهم، يتسق مع موقفها من القضية ذاتها في عصبة الأمم، إذ تراوح موقف إيران بين الامتناع عن التصويت مرتين في قرارات حساسة، مثل القرار 104 لعام 1947 الخاص بالاستماع إلى تقرير الوكالة اليهودية لفلسطين الذي رفضه العرب، والقرار 194 لعام 1948 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذي أيده العرب. في المقابل، عارضت إيران، مع العرب، القرارين 181 لعام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين، والقرار 273 لعام 1949 الخاص بانضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة. يقول اللباد: "عكس ذلك السلوك التصويتي الإيراني سياسةً لها طابع الاستمرارية، تمثلت في الحرص النسبي على مسايرة الدول العربية في بعض القرارات، وفي الوقت نفسه الإحجام عن تقديم أي دعم فعلي للقضية الفلسطينية مراعاة لعلاقات إيران الإقليمية والدولية".
كان هذا على مستوى النظام الحاكم وسياسة الدولة في إيران، أما على المستوى الشعبي الإيراني، فكان الأمر مختلفًا، إذ ظلت القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الإيرانيين. وقد أشار اللباد إلى الشكل الذي طفت فيه القضية الفلسطينية على سطح الحياة السياسية في ظل رئاسة محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني المنحاز للقضية الفلسطينية والرافض لمشاريع الهيمنة الأجنبية في المنطقة، إلى أن تم الانقلاب عليه عام 1953، مما عزز من حضور القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل وأميركا على أثر الانقلاب، لتكون قضية فلسطين واحدة من حوامل الثورة الشعبية على نظام الشاه على مدار ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
تحول الموقف الإيراني من فلسطين مع الإطاحة بالنظام الملكي عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية، إذ بات النظام الثوري الإسلامي الجديد في طهران ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها أساسًا ومرتكزًا لمشروعية إيران الإقليمية، مع التركيز على جانبها الإسلامي، يقول الكاتب. بالتالي، غدت القضية الفلسطينية قضية تعني إيران الجمهورية من منطلق إيراني إسلامي، مما أعطى ذلك زخمًا إسلاميًا للقضية الفلسطينية متجاوزًا بعدها العربي. غير أن فلسطين هي التي باتت تحكم إيقاع العلاقات الإيرانية-العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ ففي الوقت الذي أصبحت إيران الإسلامية أقرب إلى فلسطين، باتت أكثر تناقضًا مع الدول العربية في كثير من الملفات، بدءًا بحربها مع العراق، وصولًا إلى ملفات مثل لبنان وسورية، في سيرة من التقاطع والتناقض نعرفها إلى يومنا هذا.