"لم تُسرق فلسطين في يوم واحد"، يقول أسعد طه مفتتحًا توطئة كتابه "كيف ضاعت فلسطين؟"، الصادر بطبعته الأولى مؤخرًا عن دار مدارات للأبحاث والنشر.
لطالما ظلّت محاولات فهم النكبة تنبش في جذر تأسيسها، لكن أسعد طه، في كتابه هذا، يسحبنا إلى الوراء، إلى حيث طرف حبل الصراع الذي تُرك منذ أواسط القرن التاسع عشر يتعقّد في فلسطين عقدًا على عقد، وقد أُهملها حدّ السيف من حينه. وها نحن في العقد الثامن على النكبة التي ما يزال عمرها أقلّ من عقود التحضير لها، بحسب كتاب ضياع فلسطين. وليس طه أوّل من يكتب عن أحلام ومطامح يهود أوروبا القرن التاسع عشر بفلسطين، غير أن رحابة صفحات كتابه بالوثائق الأرشيفية، على تنوّع مصادرها، تُقلّنا إلى استنتاج مفاده: "إن للامبالاة فعلًا بقدر ما للمبالاة فعلها في نكبة فلسطين وضياعها".
ولمّا ألحق طه عنوان كتابه "كيف ضاعت فلسطين؟" بعنوان فرعي "حكاية الوثائق"، ففي هذه الأخيرة أصل الإجابة عن سؤال عنوان الكتاب الأساس. فإن الكاتب في فصول كتابه الكثيرة والقصيرة يترك للوثائق، منظّمًا اقتباسها بصبر مسؤول، أن تحكي هي لنا حكاية من تورّط ومن فرّط كذلك، إلى أن اعتدنا عدّ سنين نكبتنا. حكاية نعرف كلنا إلى أين آلت، لكن وثائق كتاب طه تخبرنا عن كيف بدأت، استنادًا إلى الأرشيفات العثمانية والبريطانية والأميركية والألمانية والروسية أيضًا: "إنها شهادة الجناة على أنفسهم، موثقة في ملفاتهم السرية ومراسلاتهم الرسمية"، كما يقول صاحب الكتاب.
صحن استيطان فلسطين
"والتر ترانس ستيس" (1886-1976) أول اسم يسميه كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟" في فصله الأول، وهو فيلسوف أميركي من أصل بريطاني، كان قد كتب دراسة نُشرت في مجلة "أتلانتيك" الأميركية في عددها الصادر في شباط/فبراير 1947، أي قبيل صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وقبل إعلان تأسيس الدولة العبرية عام النكبة. وقد نبّه ستيس إلى الأساليب الاستيطانية الصهيونية في فلسطين على أنها "مأساوية ولن يترتب على المضي في ممارستها غير العنف والحرب". كانت دراسة ستيس بعنوان "الوهم الصهيوني"، فنّد فيها صاحبها ادعاءات الصهيونية عن حقها في فلسطين. غير أن ما بدا وهمًا بنظر ستيس، لم يحتج إلى أكثر من بضعة شهور كي يتحول إلى واقع متمثّل في دولة أشرفت على تمكينها دول كبرى، فحكاية تحقق ذلك الوهم كانت قد بدأت قبل نحو قرن من تنبيه ستيس في دراسته.
منذ الصحن التذكاري الذي يؤرّخ لمناسبة اجتماع يهود العاصمة البريطانية لندن احتفالًا بموشيه مونتفيوري، اليهودي–البريطاني الثري، بعد عودته من فلسطين عام 1841 مظفّرًا ببعثته إليها وزرعه أولى المستوطنات اليهودية فيها. كان ذلك الصحن يرمز إلى أفق مادي، سياسي–استعماري، متصل بضرورة بدء جمع التبرعات من أجل اليهود، أو "القبيلة الشرقية" بحسب تعبير المؤرخ ورجل الدين الإنجليزي هنري هارت ميلمان (1791-1868)، وقد آن أوان إعادة هذه القبيلة إلى الشرق. ما كان للتطلعات والتبرعات أن تشق طريقها نحو فلسطين، لولا "الامتيازات" التي منحها سلاطين الباب العالي في إسطنبول للدول الأوروبية العاتية منذ أواسط القرن التاسع عشر.
كُتب ونُشر عن نظام الامتيازات وأثره على مصير فلسطين الكثير، غير أن كتاب طه يقف عند قصة شمل اليهود المقيمين في فلسطين وأراضي السلطنة عمومًا بالحماية البريطانية التي يجيزها نظام الامتيازات. والأهم من ذلك، تسليط طه كشافه، استنادًا إلى الوثائق، على قضية إصرار يهود روسيا على شملهم بالحماية البريطانية في الشرق، "وقد أجمع اليهود الروس على التقدم بالتماس لطلب الحماية البريطانية"، تقول وثيقة بريطانية إثر زيارة القنصل البريطاني جيمس فن ليهود مدينتي طبريا وصفد، تعود إلى شباط/فبراير 1844. بصرف النظر عن الإشكالية التي أثيرت بين القناصل الإنجليز والروس حول شمل اليهود الروس في فلسطين بالحماية البريطانية، إلا أن لفت صاحب كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟" إلى هذه القضية مهم، ليذكّرنا بأن اليهود الروس كانوا هم حجر أساس المشروع الاستيطاني–الصهيوني في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
الصهيونية غير اليهودية
تتوالى فصول كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟" لترصد لقارئها ترتيبات أوروبا القرن التاسع عشر، وعلى رأسها بريطانيا، في البحث عن حل لمسألتين شائكتين ومتشابكتين في الوقت نفسه: الأولى خارجية، وهي المسألة الشرقية، المتمثلة في الإمبراطورية العثمانية، والثانية داخلية، وهي المسألة اليهودية. إذ أسفر تشابك هاتين المسألتين، برأي طه، عن ظهور الفكر الصهيوني غير اليهودي، أي إن الصهيونية كفكرة بدأت بنسختها الأولى المسيحية، خصوصًا في بريطانيا، قبل نسختها اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر. ذلك أن النظرة إلى اليهود في أوروبا ظلّت نظرة منفعية في جوانب مختلفة تاريخيًا، فقد تشكّل لدى البريطانيين تصور استعماري–منفعي عن اليهود يفي بغرض التخلص منهم بزرعهم جسرًا للفصل لا للوصل بين أفريقيا وآسيا، أي في فلسطين التي اعتُبرت جسرًا يربط بينهما تاريخيًا.
لم تكن الصهيونية غير اليهودية مجرد اقتراحات استعمارية لإعادة رسم خرائط الشرق منفعيًا عبر اليهود، إنما كانت أدبيات قام على التنظير لها مفكرون بريطانيون مثل إيرل شافتسبري السابع ولورنس أوليفانت، اللذين أعادا تعريف يهود أوروبا وفلسطين معًا، وقد روّجا للمشروع الصهيوني وساهما، بحسب أسعد طه، فيما يُعرف بـ"حمى مساعدة اليهود" التي تفشت في النصف الأول من القرن التاسع عشر في كل الأوساط البريطانية. لتتراصف أدبيات الصهيونية غير اليهودية متمثلة في كتب غدت مرجعية، منها كتاب "تاريخ اليهود" للمؤرخ ورجل الدين هنري هارت ميلمان، وكتاب "اليهود في فلسطين" للكاهن البروتستانتي البريطاني آرثر جورج هاربر هولنغزورت، وكذلك كتابا "فلسطين لليهود" و"الهند وفلسطين: أو إعادة اليهود" لأستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد توماس كلارك. وكان أسعد طه قد وقف عند مضامين هذه الأدبيات، مبينًا دورها التأسيسي للمشروع الصهيوني في فلسطين.
حرب الإقامة قبل الاستيطان
لتخطّ بذلك سردية الضياع طريقها، والتي أراد أسعد طه أن يخبرنا عنها، ليس في الصراع مع الاستيطان الصهيوني، إنما قبل ذلك مع حرب تأشيرات إقامة اليهود الأوروبيين في فلسطين العثمانية. كانت حرب التأشيرات أول عقدة في حبل ضياع فلسطين، وقد وثّق صاحب الكتاب موقف الباب العالي في إسطنبول، الذي أصر عبر فرمانات رسمية على ألا تدوم إقامة اليهودي القادم من أوروبا لأكثر من شهر واحد، وفي بعض الأحيان لثلاثة أشهر كحد أقصى للحيلولة دون حيازتهم الأرض وتوطّنهم فيها.
لم يرق ذلك لقناصل الدول الأوروبية في فلسطين، الذين اعترضوا على إجراءات إعادة اليهود الزائرين إلى مواطنهم قبل أن يعترض اليهود أنفسهم؛ ففي وثيقة يرفقها صاحب الكتاب عن رسالة تعود إلى ثمانينات القرن التاسع عشر، أرسلها متصرف القدس إلى ديوان الباب العالي في إسطنبول، تقول: "... لكن قناصل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وأميركا اعترضوا على ذلك، قائلين إن مثل هذا القرار لا ينطبق على مواطنيهم..."، والمقصود مواطنوهم اليهود، وهذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مساعي بريطانيا لشمل يهود روسيا بحمايتها. وقد تحايل اليهود، بدعم من القناصل، على فرمانات الباب العالي التي تحول دون إقامتهم وشراء الأراضي بطرق مختلفة، منها ما أظهرته الوثائق عن التسيب الإداري في البيروقراطية العثمانية، وتواطؤ بعض موظفيها لمصلحة هجرة اليهود واستيطانهم البلاد.
كان موقف الباب العالي الرسمي واضحًا في وعيه لمطامح اليهود في فلسطين، غير أن إجراءاته لم تكن بالمستوى الذي يحول دون هذه المطامح، وهذا ما أطلق عليه أسعد طه اسم "معروض العاجز" عنوانًا لأحد فصول كتابه عن عجز الباب العالي في مواجهة هجرة اليهود إلى فلسطين وحيازتهم الأرض فيها، وقد أرفق الكاتب وثائق تتضمن رسائل أرسلها أهالي فلسطين العرب إلى الباب العالي يشكون إليه تعديات اليهود وحيازتهم الأرض، فيما اكتفت "دائرة الصدارة العظمى للباب العالي بأن تبعث برسائل إلى ولايتي سورية ولبنان ومتصرفية القدس مذكرة بعدم السماح ببيع الأملاك والأراضي لليهود الأجانب فيها..."، ولكن دون إجراءات فعلية جادة تمنع ذلك.
ثم جاء العهد الاتحادي العثماني بعد انقلاب الاتحاديين (حركة تركيا الفتاة) على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني سنة 1909، ليكون العهد الذهبي، بحسب ما عنون له طه، بالنسبة إلى ناحية مرور المهاجرين اليهود وتمرير الأراضي في فلسطين لهم، إذ أرخى الاتحاديون الحبل الذي شدّه السلطان العثماني من قبل على مستوى قوانين ضبط هجرة اليهود وتملكهم، فازدادت وتيرة هجرتهم وحيازتهم الأراضي، وأقيمت البنوك والمستوطنات معًا، وقد ترك طه للوثائق وصف مشاعر الفلاحين الفلسطينيين الساخطين في أنحاء مختلفة من فلسطين، ومنهم من آثر حمل السلاح والمواجهة منذ مراحل مبكرة من مطلع القرن العشرين.
أخيرًا
قد يكون من الصعب إيجاز كتاب يمتد على نحو 26 فصلًا في مقال وجيز، خصوصًا أن كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟" تتدافع فيه معطيات الكاتب مسنودة باقتباسات وثائق الأرشيفات التي لم تخلُ منها صفحة واحدة فيه. غير أن أسعد طه يحاول رصد سردية الضياع على ثلاث مراحل أساسية قبل نكبة عام 1948، منذ سلطة الباب العالي في ظل السلطان، ثم حكم الاتحاديين الأتراك قبيل الحرب العظمى (1914-1918)، ثم مرحلة الاستعمار البريطاني وما ترتب عليها من تحولات على مستوى القوانين والإدارة والجغرافيا السياسية، خصوصًا في ظل الحكم الاستعماري البريطاني لفلسطين (1917-1947).
لم يقف كتاب طه عند الدور البريطاني في تمكين المشروع الاستيطاني في فلسطين، إنما وقف على أدوار أخرى مبكرة، منها الدور الأميركي وكذلك الألماني في فلسطين. وهو ما أسّس لإطلاق يد اليهود الصهاينة في أرض الفلسطينيين ولحمهم إلى أن كانت نكبتهم. تفتح وثائق كتاب "حكاية الوثائق" قارئها على نوافذ من الصراع في فلسطين قبل النكبة لم يسبق أن أطلّ منها، وفي هذا أهمية الكتاب. ومن الأهمية بمكان القول إن سعي إسرائيل الحالي، في ظل حكومة نتنياهو، لإعادة رسم وتشكيل خرائط المنطقة بقوة النار، مستمد من تصور صهيوني ثاوٍ في المخيال اليهودي، يخبرنا عنه كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟" منذ أواخر القرن التاسع عشر. في فلسطين وسيناء وجنوبيّ سورية ولبنان، حيث صارت الآلة الحربية الصهيونية تتجرأ في أيامنا، سبق أن تجرّأ المخيال الصهيوني عليها، بحسب حكاية وثائق أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
إن ضياع فلسطين قصة ابتلاع زاحف، تمامًا مثلما تبتلع الزواحف فرائسها؛ لا تبتلعها مرة واحدة، لكنها تبتلعها كلها في الأخير. وعن ذلك يُخبرنا وينبّهنا كتاب "كيف ضاعت فلسطين؟".