كلما حلّ المونديال كل أربع سنوات، تذكّرت الكاتب والروائي اللاتيني الأوروغواياني إدواردو غاليانو وكتابه الشهير "كرة القدم في الشمس والظل". ولسنا ممن تستهويهم ملاحقة الكرة وأجواؤها وأخبارها، إلا إذا حلّت بنسختها المونديالية، "كأس العالم". لطالما ظلّت منافسة منتخبات الدول على البطولة فيها جزءًا من سردية الدولة الوطنية في التاريخ الحديث، ففي الملعب يحضر ما هو أكثر من الكرة ولاعبيها: العلم والنشيد والراية، والسردية الوطنية، والمؤامرة عبر المستطيل الأخضر، وحكاية الأقدام النظيفة لشعوب فقدت الأمل في الأيدي النظيفة في دولها، وهكذا.
غير أن لكرة القدم ذاتها سرديتها التاريخية المستقلة عن السرديات المحلية للشعوب ومنتخباتها الوطنية، وهذا ما يخبرنا به غاليانو في كتابه إياه، حيث للكرة تاريخها الخاص فيها. ومما يقول في "الكرة" قبل القدم، منذ القدم:
كانت كرة الصينيين مصنوعة من الجلد ومحشوة بالقنب، والمصريون في زمن الفراعنة صنعوها من القش أو من قشور الحبوب، ولفّوها بأقمشة ملوّنة. وكان الإغريق والرومان يستخدمون مثانة جاموس منفوخة ومخيطة. أما أوروبيو العصور الوسطى وعصر النهضة، فكانوا يتنازعون فيما بينهم كرة بيضوية مملوءة بشعر أعراف الخيول. وفي أميركا، كانت الكرة المشغولة من المطاط قادرة على أن تطفر متواثبة كما لم تكن أي كرة في أي مكان آخر. ويروي مؤرخو البلاط الملكي الإسباني، يقول غاليانو، أن هيرنان كورتيس قذف كرة مكسيكية وجعلها تطير عاليًا جدًا أمام عيني الإمبراطور كارلوس الزائغتين.
الكرة المطاطية التي تُنفخ بمنفاخ والمغطاة بطبقة من الجلد، وُلدت في أواسط القرن التاسع عشر، بفضل عبقرية تشارلز غوديير، وهو أميركي شمالي من كونكتيكت. وبفضل عبقرية توسوليني، وبالبونسي، وبولو، وهم ثلاثة أرجنتينيين من كوردوبا، ولدت، بعد زمن طويل من ذلك، لعبة الكرة دون لمسها باليد. وهم من اخترعوا الإطار الداخلي المزود بصمام، والذي ينتفخ بحقنة بالهواء، ومنذ مونديال 1938، صار بالإمكان ضرب الكرة بالرأس دون خوف من الأذى الذي كان يسببه الرباط المستخدم سابقًا في ربط الكرة.
وحتى منتصف القرن العشرين، كان لون الكرة بنيًا، ثم أصبحت بعد ذلك بيضاء. وفي أيامنا، يقول غاليانو، ويقصد منذ أواخر القرن العشرين، صارت الكرة تظهر في نماذج متغيرة، ولكنها ذات أشكال سوداء فوق خلفية بيضاء، وصار قطر خصرها في العقود الأخيرة سبعين سنتيمترًا، ومكسوة بمادة البولي يوريثان فوق طبقة من البولي إيثيلين. لا ينفذ إليها الماء، ووزنها أقل من نصف كيلوغرام، وتنطلق بسرعة أكبر من الكرة الجلدية القديمة التي كان يستحيل اللعب فيها في الأيام الماطرة.
يطلقون عليها أسماء عديدة، يقول غاليانو عن الكرة: الكرة، المكورة، النافعة، المدورة، البالون، القذيفة. لا أحد في البرازيل يشك في أنها امرأة. فالبرازيليون يقولون عنها السمينة، ويسمونها الطفلة، ويمنحونها أسماء من نوع ماريكوتا، وأوليونور، أو مرغريتا. لقد قبّلها في استاد ماراكانا عندما سجل هدفه رقم ألف، ودي ستيفانو أقام لها نصبًا عند مدخل بيته، وهو عبارة عن: "شكرًا أيتها العجوز".
وهي وفية أيضًا، أي الكرة، ففي نهائي مونديال 1930، يقول غاليانو، طالب كل من المنتخبين المتنافسين باللعب بكرته الخاصة. وقد كان الحكم حكيمًا، مثل سليمان، فقرر أن يجري اللعب في الشوط الأول بكرة أرجنتينية، وفي الشوط الثاني بكرة أوروغوايانية، فكسبت الأرجنتين الشوط الأول، بينما كسبت الأوروغواي الشوط الثاني. ولكن للكرة نذالاتها أيضًا، يقول صاحبنا، فهي لا تدخل أحيانًا إلى المرمى لأنها تبدّل رأيها وهي في الجو، فتنحرف عن مسارها. ذلك أنها ساخطة جدًا، فهي لا تطيق أن يعاملوها ركلًا بالأقدام، ولا أن يضربوها انتقامًا. إنها تطالب بأن يداعبوها برقة، وأن يقبّلوها، وأن يسمحوا لها بالنوم على الصدور أو الأقدام. وهي متكبرة، وربما مغترة بنفسها، ولا تنقصها المبررات لتكون كذلك، فهي تعرف جيدًا أن البهجة تملأ أرواحًا كثيرة حين ترتفع بطريقة ظريفة، وأن أرواحًا كثيرة تختنق بالضيق عندما تسقط بطريقة سيئة.
عن الأصول
في كرة القدم، كما في كل شيء تقريبًا، يقول غاليانو: كان الصينيون هم الأوائل، فمنذ خمسة آلاف سنة كان البهلوانات الصينيون يرقّصون الكرة بأقدامهم، وكان أن نُظمت أول ألعاب الكرة في الصين. كان المرمى في الوسط، وكان اللاعبون يسعون إلى ألا تلمس الكرة الأرض، دون أن يلمسوها هم أنفسهم بأيديهم. وقد استمرت هذه العادة من سلالة إلى أخرى، كما يظهر في بعض النقوش التذكارية التي تعود إلى ما قبل المسيح، وكذلك في بعض الرسوم التالية التي تظهر صينيي سلالة "مينغ" وهم يلعبون بكرة تبدو كأنها من ماركة "أديداس".
ومن المعروف، يقول غاليانو، أن المصريين واليابانيين في العصور القديمة كانوا يتسلون بتبادل ركل الكرة. وعلى رخام قبر إغريقي يعود إلى ما قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة، يظهر رجل يلاعب كرة بركبته. وفي كوميديات أريستوفانيس، هناك عبارات ذات مغزى، مثل: كرة طويلة، تمريرة قصيرة، كرة متقدمة... ويقال إن الإمبراطور يوليوس قيصر كان يتقن استخدام كلتا ساقيه في لعب الكرة، وإن نيرون لم يكن ماهرًا في اللعب. وعلى أي حال، ليس هناك شك في أن الرومان كانوا يلعبون لعبة شديدة الشبه بكرة القدم حين كان المسيح وحواريوه يموتون على الصلبان.
وعلى أقدام الرومان القدماء، وصلت البدعة إلى الجزر البريطانية. وبعد قرون من ذلك، وتحديدًا في عام 1314، مهر الملك إدوارد الثاني بخاتمه وثيقة ملكية تدين هذه اللعبة الرعاعية والصاخبة: "هذه الاشتباكات حول كرات كبيرة الحجم، التي تنتج عنها شرور كثيرة لا يبيحها الرب...". وكرة القدم التي كانت تسمى بهذا الاسم منذ ذلك الحين، كانت تخلّف أعدادًا من الضحايا. فقد كانوا يتنافسون في جماعات كبيرة، ولم يكن هناك تحديد لعدد اللاعبين، ولا لمدة اللعب، ولا لأي شيء آخر. فقد كان شعب بكامله يتبادل ركل الكرة ضد شعب آخر، ويدفعونها بالأقدام والقبضات نحو الهدف الذي كان في ذلك الحين عجلة طاحونة قديمة.
وكان اللاعبون يصطّفون على امتداد عدة فراسخ، ولعدة أيام، وبتكلفة تصل إلى عدة حيوات بشرية. وقد منع الملوك هذه المباريات الدموية: ففي عام 1349، ضم الملك إدوارد الثالث كرة القدم إلى ألعاب "الحماقة التي ليست لها أي فائدة..."، وهناك مرسوم ضد كرة القدم ممهور بتوقيع هنري الرابع في عام 1410، وهنري الثامن في عام 1547. ولكنهم كلما كانوا يمنعونها كان اللعب يزداد، مما يؤكد القدرة التحريضية لكل ما هو محظور.
وفي عام 1592، لجأ شكسبير في مسرحيته "كوميديا الأخطاء" إلى كرة القدم ليصوغ شكوى إحدى شخصياته: "إنني أتدحرج فيما بينكم بطريقة... أتراكم اتخذتموني طابة كرة قدم؟ أنتم تركلونني إلى هناك، وهو يركلني إلى هنا. فإذا ما بقيت في العمل، فلا بد لكم من تغلّفوني بالجلود". وبعد سنة من ذلك، في مسرحية "الملك لير"، كان الكونت كينت يشتم أحدهم بهذه الكلمات: "أنت، يا لاعب كرة القدم الحقير!". وفي فلورنسا كانت كرة القدم تسمى "كالشو"، مثلما تسمى حتى الآن في إيطاليا كلها. وكان ليوناردو دافينشي مشجعًا متحمسًا، ومكيافيللي لاعبًا ممارسًا. وكان يشارك في اللعب فرق من سبعة وعشرين رجلًا، موزعين على ثلاثة خطوط، يمكنهم استخدام الأيدي والأقدام لضرب الكرة، ولبقر بطون خصومهم. وكانت الحشود تتوافد إلى المباريات التي تجري في أوسع الميادين وفوق مياه نهر آرنو المتجمدة. وبعيدًا عن فلورنسا، في حدائق الفاتيكان، اعتاد البابوات كليمنت السابع، وليون التاسع، وأوربانو الثامن أن يشمّروا ثيابهم لكي يلعبوا الكالشو.
أما في المكسيك وفي أميركا الوسطى، فكانت طابة المطاط هي شمس الطقوس المقدسة منذ حوالي 1500 سنة قبل المسيح، ولكن من غير المعروف متى بدأ لعب كرة القدم في أماكن كثيرة من القارة الأميركية. فبالاستناد إلى هنود غابات الأمازون البوليفية، هناك أصول مغرقة في القدم لتقليد ركضهم وراء طابة من المطاط المصمت لإدخالها ما بين عمودين دون استخدام الأيدي.
في القرن الثامن عشر، قدّم كاهن إسباني، من بعثات الجزويت التبشيرية في أعالي نهر بارانا، شرحًا بهذه الطريقة لعادة قديمة من عادات هنود الغواراني: "إنهم لا يقذفون الكرة بأيديهم مثلما نفعل نحن، وإنما بالجزء العلوي من القدم العارية". وفي المكسيك وأميركا الوسطى، كان ضرب الكرة يتم بالورك أو بالعضد، بالرغم من أن رسوم تيوتيهواكان وتشيتشين إيتزا تبيّن أن بعض الألعاب كانت تستدعي ركل الكرة بالقدم أو بالركبة. وهناك جدارية تعود إلى ما يزيد على ألف سنة تُظهر واحدًا من أجداد هوغو سانشيز وهو يلعب بقدمه اليسرى في تيبانتيتلا. وعندما ينتهي اللعب، كانت الكرة تنهي رحلتها: فالشمس قد وصلت إلى الفجر بعد أن اجتازت منطقة الموت.
عندئذ، ولكي تطلع الشمس، كانت تراق الدماء. وحسب رأي بعض العارفين، كان من عادة الأزتيك التضحية بالفائزين وتقديمهم قرابين. وقبل أن يقطعوا رؤوسهم، كانوا يطلون أجسادهم بخطوط حمراء. وكان المختارون من الآلهة يقدّمون دماءهم قربانًا لكي تكون الأرض خصبة والسماء سخية...