سبق لسلافوي جيجك أن تطرّق إلى الصين على هامش كتابه "دفاعًا عن القضايا الخاسرة"، وقال عنها: "غدت الصين الدولة الرأسمالية المثالية، لأنها أثبتت قدرتها على تحقيق المهمة الأسوأ للرأسمالية... مهمة السيطرة على العمّال".
نعرف عن الصين أنها قوة اقتصادية صاعدة، وقلّما نعرف عن الصين السياسية والاجتماعية من داخلها، أو لنقل إننا لا نريد أن نعرف غير أن الصين، هذا التنين الصاعد، وحدها من يمكنه مواجهة وتقويض الهيمنة الأميركية على الأمم ومقدراتها.
كما لا تجمعنا بالصين، نحن المشرقيين، ذاكرة حضارية احتكاكية، وكأن علاقتنا بها مثل "الين"، العملة اليابانية، لا صعود ولا هبوط. إلا فيما يتعلق بشعورنا بأننا في صفها في منافستها للولايات المتحدة الأميركية من جانب، وعتبنا على الصين لقمعها الأقليات، خصوصًا الأقلية الأويغورية المسلمة فيها، من جانب آخر.
إلا أن دارين بايلر، في كتابه المترجم والصادر بطبعته الأولى عن "مدارات للأبحاث والنشر" مؤخرًا، بعنوان "رأسمالية الإرهاب: السلب الكولونيالي والذكورة الأويغورية في مدينة صينية"، يقدم لنا حكاية متصلة بسياسات السيطرة والسلب والإقصاء التي تمارسها الدولة الصينية تجاه الأقلية الأويغورية في إقليم شينجيانغ، شمال غربي الصين. لا يؤرخ كتاب بايلر للأقلية الأويغورية المسلمة في الصين، إنما هو محاولة، ضمن ما يعرف بأدبيات تصفية الاستعمار ومناهضة العنصرية في العالم، سعى الكاتب من خلالها إلى كشف طبيعة سياسات الدولة الصينية تجاه الأويغور بوصفها سياسات كولونيالية ذات طابع استعماري. وتكمن أهمية كتاب "رأسمالية الإرهاب..." في أن بايلر كتب الكتاب، فيما كان مؤلفه الفعلي الأويغوريون أنفسهم، إذ اعتمد الكاتب على شهادات مجموعة كبيرة من الأويغوريين، وثّقها بعد إقامته ميدانيًا بينهم في مدينة أورومتشي، عاصمة الإقليم الأويغوري في الصين.

أما عن عنوان الكتاب الرئيس، الذي يجدل بين الرأسمالية والإرهاب، ففي فرضية الكتاب ما يفسر عنوانه، إذ يفترض الكاتب أن ثمة علاقة بين النمو الاقتصادي للصين ومراكمتها لرأس المال، وبين تصاعد تمييزها العنصري ضد الأقلية الأويغورية، التي باتت في العقدين الأخيرين محل اتهام بالإرهاب، خصوصًا مع حملة الدولة الصينية "حرب الشعب على الإرهاب" منذ عام 2014، التي استهدفت الأقلية الأويغورية المسلمة على أثر أحداث عنف نفذها أويغوريون متطرفون في الإقليم ضد الدولة. وعليه، حفّز استحداث الصين لخطابات الإرهاب العالمي والمراقبة الرقمية موجة جديدة من التمييز العنصري ضد الأقلية الأويغورية، مما جعل أجساد أبناء هذه الأخيرة، كمسلمين غير صينيين، وممتلكاتهم عرضة لأشكال متطرفة من المصادرة، واحتلال الأراضي، والتهجير، والاحتجاز الجماعي، وجمع البيانات، وإعادة تشكيل أنظمة إعادة الإنتاج الاجتماعي تحت ظروف المراقبة المؤتمتة.
ليست الجماعة الأويغورية أقلية دينية في الصين فقط، إنما هي أقلية عرقية أيضًا، مما جعلها محل شبهة، موصومة بالنزعة الانفصالية العرقية على مدار النصف الثاني من القرن الماضي، وبنزعة التطرف الديني، أي "الإرهاب"، منذ مطلع القرن الحالي. وقد وثّق بايلر، في إحدى صفحات كتابه، لوحة جدارية تمثل موقف الدولة الصينية من الأقلية الأويغورية، تتضمن كلمات تقول: "ابطش بثلاث قوى للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، هي: الانفصالية الوطنية، والتطرف الديني، والإرهاب العنيف"، على أن المقصود من هذا الثالوث، في الحقيقة، هو "حق الأويغور في تقرير المصير، والتمسك بدينهم، ومقاومة الهيمنة الصينية".
غير أن تهمة الأويغور بالإرهاب قد تزامنت مع تحول الصين إلى دولة رأسمالية في ظل حكم الحزب الشيوعي منذ تسعينيات القرن الماضي. ومن هنا، أراد دارين بايلر التأكيد على أن السلب الرأسمالي، الذي تمكّنه الدولة الصينية في إقليم شينجيانغ الأويغوري وتمارسه على قاعدة تمييز عنصري ضد الأويغوريين، يستحيل إلى علاقة هيمنة كولونيالية ـ استعمارية، مما يقيم الحجة ليس على الصين، الدولة، بقدر ما يقيمها على الرأسمالية ذاتها بوصفها نظامًا اجتماعيًا عالميًا منتجًا لكولونياليته بالضرورة عبر التمدد الدائم.
يذهب دارين بايلر، في فصول كتابه الستة، إلى كشف سياسات وممارسات الدولة الصينية ضد الأويغور، استنادًا إلى عمل إثنوغرافي ميداني في عاصمة الإقليم الأويغوري، أورومتشي. بدءًا من "التسييج"، كسياسة متصلة بإحاطة الأويغوريين بجملة من ممارسات الرقابة والعزل والاعتقال، وأكثر من ذلك مراكز التأهيل التي تقيمها الدولة لتأهيل الأويغوريين بدلًا من سجنهم، حيث تعمل رأسمالية الإرهاب، من خلال هذه المراكز، بحسب الكاتب، على إعادة تأهيل السكان الأويغوريين بطريقة "سافرة ليكونوا عمالًا صناعيين". أي إنها عملية تعيد هندسة ليس الذهنية الأويغورية فحسب، وإنما الجسد الأويغوري في شكله ومهمته، بما يخدم أجندة الدولة الوطنية الصينية ومراكمتها لرأس المال. وهذا فضلًا عن توظيف علوم التقانة والأجهزة الذكية في مراقبة الأويغوري وإعادة تعريفه وفق أجندة مراكمة رأس المال الصيني.
بحسب ما يسميه بايلر "الحط من القيمة"، وهو موضوع الفصل الثاني من الكتاب، يتبين لنا الشكل والوسائل التي تسعى رأسمالية الإرهاب إلى إذلال الأويغوري، ليس سياسيًا فحسب، إنما من خلال الحط من إرثه بكل مكوناته، الديني والاجتماعي والثقافي، وحتى المعيشي التقليدي. إذ تنظر الدولة الصينية إلى الحرف اليدوية التي توارثها الأويغوريون عن آبائهم وأجدادهم، مثل الحدادة والصباغة وغيرها، على أنها حرف منحطة ومتخلفة يجب على الدولة تخليص الأويغوريين منها. ويذهب الكاتب في رصد سياسة الحط من قيمة الأويغوري في مساحات مختلفة من حياته، بما فيها إسلامه، الذي صار أكثر ما يثير شبهة الدولة ضد الأويغوري في العقدين الأخيرين.
بينما "السلب"، موضوع الفصل الثالث من الكتاب، هو في حقيقته ما يضفي على سياسات وممارسات الدولة الصينية ضد الأويغور بعدًا كولونياليًا ـ استعماريًا، إذ إن سياسات الرقابة والضبط تظل متصلة بالدولة الوطنية الحديثة عمومًا، فيما السلب، بما يعنيه من سلب للأرض وإعادة استيطانها على حساب السكان المحليين، لا يمكن تعريفه إلا بوصفه ممارسة كولونيالية. وقد بيّن بايلر الكيفية التي سعت فيها الدولة الصينية إلى إعادة توطين سكان من الأغلبية "الهانية" الصينية في إقليم شينجيانغ الأويغوري على حساب الأويغوريين، بعد سلبهم أراضيهم، وبما جعل من "الهان" قوة استيطانية متفوقة، محمية من الدولة في مختلف المجالات، وبما حوّل الأويغوريين إلى مستعمَرين يرون أنفسهم السكان الأصليين، وقد تنبهوا إلى خطاب الساكن الأصلي. ليتقاطع بذلك النموذج الصيني في إقليم شينجيانغ مع نماذج كولونيالية أخرى في العالم، مثل إسرائيل وجنوب إفريقيا سابقًا، مع العلم بأن الصين دولة وطنية أصيلة، إلا أنها تبنت الأبارتهايد فعلًا تجاه السكان الأويغوريين.
إن الذكورة الأويغورية التي يشير إليها عنوان الكتاب على غلافه، يمكن للقارئ استيضاحها من خلال الفصل الرابع، المتصل بـ"الصداقة"، بحسب عنوانه. إذ يشير دارين بايلر إلى أشكال التضامن الأويغوري ومناهضتهم لرأسمالية الإرهاب ضدهم، خصوصًا في مدن الإقليم التي يهاجر إليها الأويغور من ريفهم. فبالنسبة إلى الكاتب، فإن الذكورة الأويغورية في الريف غيرها في المدينة؛ ففي الريف تعد الذكورة إرثًا محليًا اجتماعيًا متصلًا بالهيمنة على النساء، ومرد ذلك إلى العادات والتقاليد، بينما تعيد المدينة إنتاج ذكورة الأويغوري وتعريفها في ظل الاحتكاك المباشر مع أجهزة الدولة والمستوطنين الهان، بوصفها ذكورة مناهضة للتمييز العنصري وعنف رأسمالية الإرهاب، ومرجعها الإسلام بوصفه مرجعًا لتمتين روابط الصداقة والإخوة بين "المستضعفين" في وجه الظلم والتجبر.
وليس تبني بعض المثقفين والإصلاحيين الأويغوريين لخطاب "سياسة الأقلية"، الذي يتناوله الفصل الخامس من الكتاب، إلا دليلًا يثبت واقع حال رأسمالية الإرهاب، التي لا يمكن فهمها في الحالة الصينية إلا على أنها عملية كولونيالية واضحة.
إن أهمية كتاب "رأسمالية الإرهاب" تكمن في النافذة الجديدة التي يفتحها دارين بايلر لقارئه على نموذج آخر من عنف الرأسمالية وكولونياليتها من خارج النموذج الأوروبي ـ الأميركي الغربي. وذلك لأن الدولة الصينية تغولت رأسماليًا في العقود الأخيرة بعد أن تحولت عن خطها الاشتراكي في القرن العشرين. والدولة الصينية دولة وطنية وحضارية أصيلة، إلا أن هذا التغول الرأسمالي لم ينفك عن خلق نموذجه العنصري تجاه الأويغور، وغير الأويغور بالمناسبة، في الصين. وأي قارئ، فلسطيني خصوصًا، لشهادات السكان الأويغور وممارسات الدولة عليهم التي وثقها الكتاب، سيعي معنى "الكولونيالي" الذي يدور الحديث عنه.