ما يزال لبنان في واجهة الصراع العربي - الإسرائيلي، أكثر من أي بلد عربي آخر، إن لم يكن الوحيد. وقد شنت إسرائيل منذ قيامها أكثر من حرب على لبنان، وسعت إلى احتلاله غير مرة. وللمفارقة، فإن لبنان نفسه هو أول بلد عربي سعت الصهيونية إلى إيجاد مصالح مشتركة معه أو مع بعض مكوناته السياسية - الاجتماعية في مطلع القرن الماضي، منذ ما قبل قيام الدولة العبرية. لطالما اعتبرت الصهيونية لبنان "نافذة في جدار العداء العربي الإسلامي للمشروع الصهيوني"، وقد ثبت عكس ذلك.
تشن إسرائيل اليوم حربها على لبنان، وتحديدًا جنوبه الذي محا جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات القرى اللبنانية فيه. ولما جوبهت كل حرب شنتها إسرائيل على لبنان بالمقاومة، إلى حد صار فيه مفهوم المقاومة لإسرائيل في العقود الأخيرة يُحيل إلى لبنان بالضرورة، فإن الحروب على لبنان ظلت في الوقت نفسه توقظ في وعي بعض القوى اللبنانية خطاب "المصالحة مع إسرائيل". وقد علت في السنتين الأخيرتين، في ظل الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، أصوات لبنانية تدعو إلى التسوية مع إسرائيل، لا بل إلى التطبيع معها كذلك.
كُتب الكثير عن الصراع الإسرائيلي مع لبنان ومقاومة هذا الأخير للمشروع الصهيوني، خصوصًا بعد نكبة عام 1948. بينما عن العلاقات الإسرائيلية - اللبنانية ما قبل النكبة فقد كُتب أقل، خصوصًا عن التطلعات الصهيونية السياسية مع جبل لبنان التي حال جبل عامل (جنوب لبنان) دونها، كما يعتقد الإسرائيليون. وكذلك عن المطامع الصهيونية الجغرافية في جبل عامل نفسه، وقد أحيا الاحتلال الإسرائيلي الأخير لقرى الشريط الحدودي في الجنوب اللبناني خرائط استعمارية - توراتية تعود قصة ولادتها إلى مطلع القرن الماضي.
عن تلك المطامح والمطامع المبكرة، نقترح على القارئ كتبًا وجدناها الأهم، وهي:
"المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918-1958)"
تأليف: الباحث الإسرائيلي رؤوفين أرليخ
ترجمة: محمد بدير
صدر الكتاب بطبعته العبرية الأولى عن دار "معراخوت" الإسرائيلية، ودون اسم دار النشر التي تولت ترجمته إلى العربية.
يُعتبر كتاب "المتاهة"، الذي يمتد على أكثر من 850 صفحة، أحد أشهر وأبرز الأدبيات الصهيونية المتصلة بالرؤية والنشاط الصهيونيين في لبنان منذ مطلع القرن العشرين. يعود أرليخ في كتابه إلى جذور النشاط الصهيوني، السياسي منه والاستخباري، في لبنان منذ مطلع القرن العشرين، ما قبل سقوط السلطنة العثمانية، متناولًا طبيعة ذلك النشاط الذي وصل الصهاينة بقوى سياسية اجتماعية في جبل لبنان، في محاولة أراد منها الصهاينة إيجاد مصالح مشتركة مع تلك القوى. وذلك بما يؤصل للقارئ سردية استعداد قوى لبنانية للتحالف أو التصالح على الأقل مع المشروع الصهيوني، والمستمرة إلى يومنا هذا.
لم تقتصر مظاهر التعاون ما بين الصهاينة ولبنانيين على فئة أو مكون اجتماعي لبناني بعينه بحسب كتاب "المتاهة"، ولا كذلك على جبل لبنان فحسب، إنما على جبل عامل الذي صار يُعرف بلبنان الجنوبي، حيث يبين لنا أرليخ في كتابه الشكل الذي حال فيه جبل عامل دون علاقة الصهيونية بجبل لبنان، جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا من جانب، وعلاقات بعض العامليين، الأفندية وملّاك الأرض خصوصًا، بالمشروع الصهيوني، وتحديدًا فيما يتعلق بتسريب بعضهم الأراضي وبيعها للوكالة الصهيونية، إذ تملّك بعض أفندية جبل عامل، وكذلك جبل لبنان وبيروت، أراضي في شمالي فلسطين، سُرّب بعضها للصهاينة منذ مطلع القرن العشرين.
يتتبع صاحب كتاب "المتاهة" شكل العلاقات الصهيونية - اللبنانية على مدار نصف قرن، منذ ما قبل الدولة العبرية وبعد قيامها، بما تضمنته تلك العلاقات من تناقضات جعلت من لبنان، إلى يومنا، البلد الأكثر تركيبًا في موقفه من المشروع الصهيوني، ما بين قوى ومكونات كانت مستعدة وما زالت للتصالح معه، وبين قوى ومكونات ما زالت تقاتله بدمها ولحمها حتى اللحظة.
"عدو عدوي: الصلات الصهيونية اللبنانية 1900-1948"
تأليف: لورا آيزنبرغ
ترجمة: رضى سلمان.
صدر الكتاب بطبعته العربية الثانية عن دار "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر" عام 1997.
تعود لورا آيزنبرغ في كتابها إلى بدايات مساعي الصهيونية، منذ تأسيسها وانطلاقها كحركة استعمارية مطلع القرن الماضي، إلى إنشاء ما عُرف بـ"تحالف الأقليات". كان لبنان أول بلد عربي سعت الصهيونية إلى مد جسور التواصل معه، وتحديدًا مع الموارنة الذين كانت لهم أحلام سياسية انفصالية، ليس عن السلطنة العثمانية فحسب، إنما عن محيطهم العربي - الإسلامي كذلك. وتشير صاحبة الكتاب إلى أن الصهاينة، عبر ما عُرف بدائرة الشؤون العربية في الوكالة، قد انتبهوا إلى الوجود اليهودي في لبنان، يهود مدينتي بيروت وصيدا تحديدًا، إلا أن اليهود في لبنان لم تكن لهم طموحات سياسية، أي أن يهود لبنان لم يكونوا "جماعة سياسية" مثل بعض الطوائف اللبنانية الأخرى، مما جعل اتصال الحركة الصهيونية بهم يقتصر فقط على تقديم المساعدات والدعم المالي والنشاط الاستخباري في بعض الأحيان، فيما اقتصرت مساعي التحالف السياسي على الموارنة.
تتناول صاحبة كتاب "عدو عدوي" أبرز الشخصيات الصهيونية في دائرة الشؤون العربية ونشاطها في لبنان على كافة المستويات، كما تشير إلى أبرز الشخصيات المرجعية في لبنان، دينية وسياسية، التي تعاونت مع الصهيونية عبر اتفاقيات رسمية منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين. ولما كان لبنان في الفترة التي يتناولها الكتاب يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، بينما فلسطين تحت نير الاستعمار البريطاني، فإن آيزنبرغ تبين لنا الشكل الذي استغل فيه الصهاينة واقع البلدين، خصوصًا فيما يتعلق بترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين، وتأثيرهم على البريطانيين في تحديد حدود شمالي فلسطين.
"الجذور التاريخية للمشروع الصهيوني في لبنان: قراءة في مذكرات إلياهو ساسون وإلياهو إيلات"
تأليف: الباحث بدر الحاج
صدر الكتاب بطبعته الأولى عن "دار مصباح الفكر" عام 1982
يُعتبر الباحث والكاتب اللبناني بدر الحاج من أبرز الباحثين العرب الذين اهتموا بتاريخ العلاقات الإسرائيلية - اللبنانية، خصوصًا في المرحلة التي سبقت نكبة عام 1948. وقد أقام بدر الحاج أرشيفًا يحمل اسمه، يحوي وثائق متصلة بتاريخ العلاقات اللبنانية - السورية مع الحركة الصهيونية منذ مطلع القرن العشرين. في كتابه "الجذور التاريخية". يقدم الحاج قراءة في أهم المذكرات الصهيونية التي كتبها أصحابها عن نشاطهم السياسي والاستخباري في لبنان. وهما: كتاب "جلوس صهيون والعرب" لإلياهو إيلات، وكتاب "في الطريق إلى السلام" لإلياهو ساسون، وقد لعب كل من إيلات وساسون دورًا أساسيًا في دائرة الشؤون العربية التابعة للوكالة الصهيونية في سورية ولبنان في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. تُرجم من كتابي إيلات وساسون بعض فصولهما أو مقتطفات منهما إلى العربية. وقد قدم الحاج قراءة تاريخية ونقدية لكتابيهما، معتمدًا في تثبيت أو دحض ما في كتابي إيلات وساسون على مواد أرشيفية من وثائق ومحاضر تعود لمرحلة الاستعمار الفرنسي على سورية ولبنان في النصف الأول من القرن الماضي.
"الشريط اللبناني المحتل: مسالك الاحتلال، مسارات المواجهة، مصائر الأهالي"
تأليف: الباحث اللبناني منذر محمود جابر
صدر الكتاب بطبعته الأولى عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" عام 1999
مع أن هذه الدراسة تتصل بمرحلة ما بعد قيام إسرائيل عام 1948، إلا أن الباحث اللبناني منذر جابر يعود إلى سؤال الشريط الحدودي ما بين لبنان وإسرائيل، إلى مرحلة مبكرة من تاريخ الانتدابين البريطاني والفرنسي على بلاد الشام. ويبين جابر شكل التحولات التي طرأت على الشروط الحدودية بين البلدين، مما يعطي للقارئ إجابة على سؤال الاحتلال الإسرائيلي للقرى الحدودية اللبنانية في أيامنا هذه.
يؤرخ منذر جابر لتاريخ المواجهة الإسرائيلية - اللبنانية على الشريط الحدودي، ويشير إلى ما عُرف في الأدبيات الإسرائيلية بـ"الشريط الحسن أو الشريط الطيب"، حيث سعى الصهاينة، في ظل المواجهة، إلى مد يد التحالف السياسي والعسكري مع بعض القادة العسكريين اللبنانيين الذين أقاموا ميليشيات مسلحة بدعم إسرائيلي، أهمها حالة سعد حداد التي عُرفت لاحقًا باسم "جيش لحد" نسبة إلى قائدها اللبناني أنطوان لحد. والأهم من ذلك في كتاب "الشريط اللبناني المحتل..." هو التفصيل الذي أقامه جابر فيما يتعلق بالحدود، وما يعنيه كل حد منها، مثل حد الأمن، وحد التبغ، وحد الانقسام العسكري - يقصد به الانقسام العسكري في الجيش اللبناني نفسه - وهكذا.
إضافة إلى الكتب الأربعة السابقة، فإن كتابي "جلوس صهيون والعرب" لإلياهو إيلات، و"في الطريق إلى السلام" لإلياهو ساسون، الصادرين باللغة العبرية والمترجمة بعض فصولهما إلى العربية، يُعتبران من أهم الأدبيات الصهيونية التي كُتبت عن تاريخ العلاقات الصهيونية - اللبنانية منذ مطلع القرن الماضي. وذلك بحكم دور صاحبي الكتابين في هذه العلاقات. إذ يفصل إلياهو إيلات في كتابه الاتصالات التي أجرتها الوكالة اليهودية مع قادة سوريين ولبنانيين بغرض التوصل إلى ما يسميه إيلات اتفاقًا يهوديًا - عربيًا. بينما إلياهو ساسون، الذي كان مبعوثًا رسميًا للاستيطان اليهودي إلى عرب فلسطين والبلدان المجاورة، يروي في مذكراته العلاقات واللقاءات التي كانت جمعته بشخصيات سياسية لبنانية، وبوجهاء اجتماعيين مثل الأفندية وملّاك الأرض من أهالي جنوب لبنان.