جَنين جَنين!../ رازي نجّار

جَنين جَنين!../ رازي نجّار

غرفة الانتظار في عيادة دكتور النساء النصراويّ هو أغرب مكان ممكن أن يتواجد فيه الرجل أثناء مباراة البرازيل المصيرية.

هذه حقيقة بإمكان كل إنسان عاقل متفهّم متعاطف منصف عادل أن يتبناها، لكن هناك حقيقة واحدة تفوقها غرابة ومأساوية، هي أن تتواجد في العيادة، في وقت مباراة البرازيل الحاسمة، والتلفزيون - المعلق على الحائط بارتفاع يجعل من زاوية المشاهدة استمارة تحويل فورية إلى دكتور أوجاع الرقبة والظهر - يلتقط ويبث كل محطات خلق الله غير المشفرة إلاّ تلك التي تنقل المباراة بالصورة والصوت المُـﭬَـﭭْـزَل من ستاد نلسون مانديلا في أفريقيا، وعلى رأسها محطة “عروتس واحد” البدائية التي يلتقطها، عادةً، كل تلفزيون مزوّد بتكنولوجيا “الشوكة من وَرا” التي نعرفها من أيام خوالي.

أعتقد، وأعوذ بالله من كلمة أعتقد، أن هذا التلفزيون الشامت كان قد طوّر مع وقت عمله في هذه العيادة التخصصية ميولاً نسويّة (فمينستية) معادية للعبة الكرة التي التصقت فيها صفة الذكورية - رغم آلاف الصور الواردة من مدرجات ملاعب المونديالات المتعاقبة، والتي تثبت العكس من خلال تزيين شاشاتنا بجميلات وسيمات قسيمات هيفاوات ممشوقات رقراقات من أمم العالم أجمعين، وبخطيبة إيكر كاسياس!

آه، ما العمل الآن؟! دقيقة على بداية المباراة وأنا هنا محاصر بمجموعة من الجنس اللطيف الذي لا يبدو لطيفًا أثناء انتظار قدوم أدوارهن. في التلفزيون المستفزّ برنامج طبخ تافه يقدمه الشيف التلفزيوني الأزلي، أهاروني، يعلمك في وقت أنت فيه جائع لكرات القدم البيضاء، كيف تصنع كرات اللحمة المعجونة بشرش الزنجبيل والصنوبر، والمنقوعة بتتبيلة خفيفة من زيت اللوز والنبيذ، والمقدمة على طبق من الخس الصيني المخلل (!!)، طبق “ستأكل أصابعك وراه” كما يقول الشيف صاحب الأصابع المقززة المكسوة بالشعر الكثيف... ودونغاااه، ما هذا، لحمة، صنوبر، شعر؟ بماذا - بحق آلهة الفيفا - أنا مشغول الآن؟!

الوقت يداهمني، وساعة التليفون المحمولة تظهر حقيقة غير محمولة – المباراة بدأت. كان عليّ أن أفعل شيئًا ما ينقذني، وعلى الفور اجتاحتني روح مرادونية وقحة وجريئة، وطلبت الريموت كونترول من السكرتيرة المحدقة في المشهد التعيس والبارد المطروح أمامها. وافقت بلطف، فباشرت بجرد كل المحطات التي يتيحها تلفزيوننا النصراوي المصلوب الذي يأبى أن يضحّي بنفسه ويخلّصني من عنائي. بعد مسح أول وثانٍ استغرقا 8 دقائق من عمر المباراة انكشفت أمامي حقيقة أكثر مأساوية من الحقيقتين المذكورتين في أعلى النص، هي أن تتواجد في عيادة الجينيكولوج، في وقت مباراة البرازيل وهولندا، من أعظم فرق عالم الكرة وأكثرها إمتاعًا وفنًا، والشيء الوحيد الذي يبثه التلفزيون وله علاقة بالمستديرة الساحرة هي مباراة كرة قدم مملة ومقيتة ومُعادة بين (انتبهوا من) هبوعيل تل أبيب وبيتار القدس!

زوجتي المحرجة، التي اكتشفت متأخرة أنها ورطتني في هذا الموقف، استعجلت مجيء دورنا مستغلة بعض الدهاء النسائي المطلوب في هكذا مواقف مرة كل أربع سنوات، ودخلنا إلى مكتب الطبيب. بعد أن سألها عن حالها، التفت نحوي وسألني سؤالاً قاتلاً؛ “ماذا تفعل هنا؟ ألست من متابعي مباريات كأس العالم؟”، فطلبت إليه باستجداء ألا يزيد بلوتي طينًا، وهو بدوره فهم عليّ، فمع أنه طبيب متخصص بالجنس المعادي للمونديال، لكنه فهم البكاء المبطن للرجل تجاه أخيه الرجل، واستأذن زوجتي وزار الإنترنت لثوانٍ معدودة عاد منها بخبر تسجيل روبينيو لهدف في الدقيقة العاشرة. تعيش دكتور!

هكذا، كان تسجيل روبينيو لهدفه الأخير في المونديال، افتتاحية فحص الأولتراساوند الذي كشف فيه الدكتور على صحة الجنين التي ستحضر معي المونديال القادم. كل العالم الآن محدّق في الشاشات على أنواعها، بينما أنا، هي وهو نتابع (الدهشة خفت منذ فحوصات الولادة الأولى التي تمت أثناء بطولة أوروبا 2008) على الشاشة الصغيرة لجهاز الأولتراساوند مشهدًا، كنت سأقول في يوم آخر، إنه يفوق بجماله وإعجازه وروعته كل مونديالات العالم وميسيي العالم وكاكاته.. لكن للحقيقة والتاريخ والأمانة الصحافية أعترف أمامكم أنّ ما دار في رأسي في تلك اللحظات هو السؤال “دكتور، شاشة الأولتراسواند بتجيب الجزيرة الرياضية؟”، وأنّ ما سمعت في رأسي كان صوت معلق الجزيرة عصام الشوال يتلو خطبة الجمعة الكروية، وأنّ ما رأت عيني لم تكن خطوط رمادية مبهمة لا أفقه فك لغزها، بل جنينًا من صلبي تحمل في يدها علم إسبانيا... إسبانيا؟ بنت الهكذا والهكذا (الهيك والهيك يعني)، من أوّلها حاسمة وصائبة وذواقة في قرارها؟!

ملاحظة في محلّها: جنس الجنين لم يعرف بعد، وصيغ بلغة المؤنث من باب التمنّي!

بعد أن ختمنا بنجاحٍ محمودٍ فحصًا آخر على طريق الخلاص والخلقة زيّ الناس، انقضضت على السيارة وقلت “وينك يا حيفا”، لكن شريكتي أصرّت على استكمال مشروع اغتيال رغبتي المتواضعة (مشاهدة مباراة)، وطرحت في فضاء السيارة مطلبًا ملحًا جديدًا “أريد ديسك أغان نصراوية”، وكان عليّ أن أنفّذ فهذا وحام والوحام - كما فهّمونا - لا يردّ، ويبدو أنه لا ينحصر بحاسة الذوق بل يعرج على حواس أخرى كحاسة الرقص!

بلا طول سيرة، استغليت وجودي في مدينة مقدسة تقصِّر المسافات بيننا وبينه إن كان، ونظرت إليه في السماء وهمست”خلاص، وصلت الرسالة.. خذني وريّحني عاد!”. لم يستجب، فعِشت لأرى هولندا تحطّم البرازيل تحطيما وألمانيا تذل الأرجنتين شرّ ذلة.

لكن لا بأس، الأهم هو أن المشجعة الإسبانية الآخدة بالتكوّن سليمة وسعيدة الآن في دفيئتها الخاصة، وآمل أن تكون سعيدة في ختام المونديال – إفيفا إسبانيا!
يبارك فيكم، والعقبى عندكم!