12/08/2010 - 09:37

كل شيء على ما يرام../ بسام الهلسه

-

كل شيء على ما يرام../ بسام الهلسه
(لا بُدَّ للانسان من ضَجْعَةٍ---لا تقلِبُ المُضْجَع عن جَنْبِه
....................................................................
نحن بنو الموتى، فما بالنا--- نعافُ ما لا بد من شُرْبِه)

"المتنبي"


*كل شيء على ما يرام. أنت جاهز الآن ومستعد لتلقي النداء. لديك بضعة أمور صغيرة غير مؤثرة تحتاج لتسويتها. ما ترجوه فقط، أن يتم الامر بسرعة وهدوء. فأنت هادىء رغم الضرام الذي يعصف في داخلك. والأهم بالنسبة لك، أن لا تسبب ارباكاً اوألماً لأحد، وبخاصة لاُمِك، التي أزعجك وأثر فيك كثيراً، مرآها- وقد شرعت بالبكاء- حينما جاء المسعفون لنقلك الى المستشفى.

غالبت جسدك الواهن وأنفاسك المتقطعة، لتطلب إليها أن تهدأ وأن تتوقف عن البكاء. وفي الحقيقة، فإن بكاءها قد فاجأك وأدهشك، فمذ كنت صغيراً- بقدر ما تستطيع أن تتذكر- لم يسبق لك أن رأيتها في مثل هذا الموقف، حتى عندما مررت في أوقات سابقة بظروف حرجة وخطرة تستوجب القلق! وقد اعتدت منذ زمن بعيد على تعاملها العاطفي المحايد معك، بخلاف تعاملها مع بقية اخوتك وأخواتك. ولطالما حررك هذا الشعور ومنحك الإحساس بأنك أكبر من عمرك.

كفَّت أمك عما شرعت فيه، فشعرت بالراحة، رغم الألم الشديد الذي كان يمزق صدرك بسبب النوبة القلبية الحادة التي داهمتك، فيما السيارة تمضي بك مسرعة في طريقها.

* * *

عدا هذا الأمر المكدر، لا قلق لديك. صحيح أنك لا تدعي أنك راضٍ عن نفسك تماماَ، لكنك تشعر- إجمالاً- أن لا بأس عليك. لكن، كم بودك لو أنك تلتقي بمن أخطأت بحقهم فتعتذر لهم. وكم بودك أكثر لو تعرف أولئك الذين لا تعرف أنك أسأت إليهم دون أن تدري. هذه الرغبة الصادقة لا يلغيها أو يقلل من شأنها يقينك بأنك كنت حسن النية دائماَ، فأنت تدرك جيداَ أن النوايا الحسنة لا تكفي للشفاعة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الآخرين.

* * *

في المستشفى، شخًّص الأطباء علًّتكَ وقدموا لك العلاج اللازم. لذا، فإن حديثك عن الجهوزية والاستعداد لتلقي النداء لا علاقة له بحالتك الصحية كما قد يظن البعض، ولا بالافتراض الغريب لأحد من قرأوا مقالتك "كل ما في الأمر.." بأن "الكاتب يتقدم في السن"! والأكيد أن لا علاقة للحديث باليأس أو الإحباط أو الفجيعة.

المسألة ببساطة هي أنك تشعر بالاكتفاء. وبالسأم من مساكنة عالم يبدو لك وقد فقد المعنى، وانهمك في عيش بائس لا يكاد يختلف عن عيش الكائنات الأخرى سوى في شدة ضراوته وفتكه، وفي كبر زهوه المتبجح الصلف.

هذه المسألة سبق لك وأن قاربتها بمعالجات متعددة خلال السنوات الماضية، فلا جديد فيها إذاَ سوى بلوغك درجة "التشبع" كما يقول الفيزيائيون او الكيميائيون. ثم إنها تصدر عن اختبار واختيار شخصي، وتتوجه منك وإليك فحسب، وليست أطروحة مقدمة للآخرين لتبنِّيها. إنها- على الأرجح- نوع من البوح والمكاشفة "الجوانية" التي نحتاج إليها بين الحين والآخر وسط زحام وفيضان الكتابات والأقوال "البرَّانية" التي تتحدث عن موضوعات وقضايا خارجية. وفيما يخصك، فان الإطلال الدائم على النفس، ومراجعتها ومساءلتها، أمور مطلوبة- بل هي واجبة- كي لا تعتاد على مسايرة قوة دفع العادة التي تهيمن على سلوك معظم الناس في العالم، الذين يظنون باخلاص أن ما ألفوه واعتادوا عليه هو "الطبيعي"، وأن قيامهم به هو اختيارهم الواعي والحر والصحيح، وأن اتباعه هو الغاية المنشودة.

* * *

لست واهماً ولا مدعياً لتعلل نفسك بالقول إن "ثمة في الحياة ما ينتظر انجازه" كما كتب لك صديق. وهذا لا ينطلق من عجز أو قصور، ولا من ضعف في تقدير قدراتك، أو من تواضع مفتعل، بل من معرفتك بأن غيرك قادر على الانجاز، فلا حاجة بك للزهو ولتضخيم الذات-الشائع عادة بين المثقفين- ومنحها أكثر مما هي عليه.

* * *
كل شيء على ما يرام إذاً.
قدَّمت لنفسك، وها أنت مهيأ للرحيل والانتقال.
لا تتمنى الموت، ولا تفر من الحياة، لكنك سئمت.
فوقفت تنتظر..
تنتظر أن تدعى.. فتجيب، وتلبي النداء.