ثقافة المقاهي في تونس/محمود أبو عبيد

ثقافة المقاهي في تونس/محمود أبو عبيد

كلما وطأت قدماي ارض قرطاج، يممت شطر شارع الجمهورية أغذ السير، حيث المقاهي المتناثرة هنا وهناك وجل روادها من القاعدين في الآحاد والامسيات ينصبون انفسهم فلاسفة للثقافة المقهوية، يصدرون احكاما علي الكتاب والشعراء والسينمائيين والرسامين وحتي المذيعين بدعوي انهم هامشيون لا يحفظون شعر النواب واحمد فؤاد نجم، وقتها كانت مجموعة من الشعراء والمفكرين والسينمائيين من امثال لطفي الخولي، يوسف شاهين، ادونيس، يوسف الخال، ليلي بعلبكي، محمود درويش بالنسبة لهؤلاء الصامدين الثابتين كالصخور في امسيات المقاهي كانوا رموزا للصمود والتصدي والبذل والمحبة والمبادئ وتحرير كذا وكذا، كان التنظير وقتها في عزه، وكانت الاسماء مصنفة في خانات واضحة، صالح جودت وعزيز اباظة في خانة الرجعيين، والآخرون وما اكثرهم في خانة التقدميين، وقتها في السينما كان يوسف شاهين وتوفيق صالح في اوجهما وعزهما والورود تهدي اليهما بالطابور، كان ذلك قبل ان ينهض نابليون من قبره ليضرب هذه المرة أبو هول آخر اسمه يوسف شاهين ويقضي عليه، وهكذا بعد العز وبعد الاختيار والارض والعصفور وحدوتة مصرية وعملية القلب المفتوح اصبح شاهين تقدمي الامس فاشلا والكلام ليس من عندي ولكن من الذين دعموه بالامس وسعوا جريا وراءه للتعاون معه في نتاج الافلام المشتركة، والمخرج الاخضر حامينا لم يجد حرجا في القول أبن شاهين تعلل بالمرض للتهرب من تقديم الكشوفات الحسابية عن مصاريف قام بها في افلام مشتركة انتجت في الجزائر، ومع الجزائر عندما كان حامينا مديرا لمؤسسة السينما الجزائرية وهكذا نعود من حيث بدأنا اذ لم نعد نفهم اين هو الان يوسف شاهين؟ وفي اي خانة؟ مثله مثل لطفي الخولي، غالي شكري، أمين اسكندر، احمد فؤاد نجم، أدونيس، دوريش، واحمد عدوية.

وعلي امتداد الشارع، بنايات قديمة تلف المكان، أبنية ليست فقط اشكالا هندسية بل هي مليئة بالذاكرة ومشحونة بالعاطفة علي رأي غالب هلسا، منها المنزل الذهبي وما ادراك ما المنزل الذهبي انه اقدم فندق في العاصمة التونسية ويحلو للزائر ان يجلس في مقهي الفندق ففي هذا المقهي جلس كبار فلاسفة فرنسا ومنهم فوكو الذي كان يدرس في الجامعات التونسية، ومن هنا مر عبد الوهاب البياتي وسكن في هذا الفندق عام 1960، لكن لا اثر لمن مر من هنا، شأنه شأن مقهي الريش في القاهرة، ومقهي بغداد في دمشق، ومقهي الجامعة العربية والسنترال في عمان.. الخ لشد ما تمنيت ان اري قصيدة او بيت شعر بخط البياتي، او ان يكتب علي باب الغرفة هنا سكن البياتي، مجموعة من ادباء تونس كانوا يتجاذبون اطراف الحديث حول افتتاح منزل في ضيعة فينكافيجيا شرق هافانا الكوبية كمتحف يأوي اشياء الكاتب ارنست هيمنغوي ووثائقه، في هذا المنزل كان قد عاش عام 1940 واهدته زوجته للدولة الكوبية، وكلنا يتذكر الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا لقد اقتنت المقهي الذي كان يرتاده دائما واقامت له تمثالا برونزيا، حيث يجلس علي كرسي ولك انت كزائر ان تجالسه وتدفع ثمن قهوتك مضاعفة.

أين نحن من وضع خطة وطنية للحفاظ علي ذاكرتنا الثقافية الوطنية؟ علي امتداد الوطن العربي عشرات المثقفين والباحثين وعشرات المخطوطات في حوزة ورثتهم، البعض اهداها للمكتبات الوطنيين والجامعات والبعض الآخر يحتفظ بها دون ان يعي قيمة ما يملكون، تري متي يتم جرد هذه المخطوطات ويقدمها للوزارة التي تعني بها فهي سياحة ثقافية، وامنيتي ان يبادر اي مسؤول في اي بلد عربي بوضع خارطة للمنازل والاماكن التي عاش بها وارتادها رجال اعلام نفتخر بهم، علي مر الايام والاجيال.

اذن الاحاديث في مقهي المنزل الذهبي تدور حول الأدب.. الشعر.. الصحافة.. ثلاثة بلباسهم التونسي المميز يتحلقون كل صباح في بهو الفندق حول الشاي بالبندق والبندق هو الصنوبر بلغتهم المحكية واحاديثهم تصل الي اسماعي وهي تغوص في اللحظة العراقية المشرعة علي احتمالات شتي، كيف يتعامل معها الاعلام التونسي وبأية ادوات يحتشد لها وما هي مصادره في معالجتها وعن شهيد الفجر ونعشه اخف من سنبلة وعن الرنتيسي، وعن ضحايا الانتفاضة وهم ليسوا مجرد ارقام وعن الفعل الثقافي العربي الذي ما زال قاصرا في غياب المشروع القومي.. وعن.. وعن.. وما زلت اتذكر وقع خطي البياتي في هذا الفندق ومرت امام ناضري امسية اقامها عام 73 ونشرت في العمل الثقافي بتونس آنذاك، حيث قال عن الجواهري هكذا بدون مقدمات:

الجواهري شاعر مزعوم، خلقته ظروف معينة سادت بلدا اقطاعيا عشائريا عمت به الانقلابات ولهذا فان شعره لا يحتوي علي أية مقومات حقيقية جديرة بالبقاء، بل اننا نراه يعتاش من موائد الاقدمين. والدراسة المتأنية لاشعاره تجعلنا نرجع عناصرها الاولية الي البحتري والمعري.. الخ اي انه شاعر هجين لا يمت الي عصرنا ولا الي عصر الابداع والاصالة.
هذا موقف البياتي من الجواهري في ذلك الزمن البعيد، مع ان البياتي يعترف اعترافا صريحا بعبقرية الجواهري الشعرية وأنه خرج من معطفه وانه الاب وطائر العاصفة القدسي، وذلك في قصيدته التي قالها في وفاة الجواهري:

يا أبي سقراط لم يكترث
بما جري والسم في الكأس
ماذا اسميك وأنت المدي
وطائر العاصفة القدسي
في عيد ميلادك في عرسه
سيولد العراق في العرس

هذا الموقف له دلالاته لان البياتي كان يستطيع التزام الصمت الي النهاية لكن البياتي له شأن آخر فيه، ما في الانسان من ضعف، وقوته الحقيقية تتجلي في الارتفاع عن الصغائر، فكيف في حضرة الموت؟ ورأي من الواجب الاخلاقي والتاريخي ان يستدرك الامر ويعلن علي رؤوس الاشهاد انه تخرج من مدرسة الجواهري الشعرية وان علاقته به علاقة الاب بالابن، ومرت ذكري رحيل الشاعر الجواهري وهو غريب الدار لم تكفل له الاوطان دارا، لقد عاش زهاء مئة سنة قضاها بين بعثرة الزمان وشجن الخلان، مستباح الوجد، سليل الطوفان والأنين. اذن هم يغادرون العراق، ويعودون الي العراق، وهم كالاباريق المهشمة ويطلبون من دجة الخير وام البساتين ان ترفع الان قبعتها بالتحية لهم ويا لبغداد من التاريخ هزءا واحتقارا، مدن بلا فجر يغطيها الجليد، فلمن نغني والمقاهي اوصدت أبوابها اهكذا تمضي السنون؟ ويمزق القلب العذاب، والاباريق المهشمة من منفي الي منفي؟

ومن باب لباب، تذوي كما تذوي الزنابق في التراب، فقراء يا وطني نموت، وقطارنا أبدا يفوت.

وما زال مقهي المنزل الذهبي لم يوصد بابه لكل زائر الي تونس الخضراء، حيث يقول لك مرحبا هنا نزل البياتي واقام، وهنا هضبة قرطاج، وقرطاج حشدت في هذا الزمن المنسي، عليه تلوك بيدها، كانت اميرة حرب تقوست رجلاها لشدة ولعها بركوب الخيل غرست شجرة زيتون هنا وتمتمت كلاما نزل كماء الورد ورائحة العطر علي النبتة التي اورقت واصبحت وارفة الظلال، وهكذا بنت قريتها الجديدة.. قرطاج.. ما احرانا للعودة الي اعماق التاريخ ففيه عظة وعبرة.