كنت هناك تحت الردم ، الم ترني على الجزيرة؟ / زياد خداش

كنت هناك تحت الردم ، الم ترني على الجزيرة؟ / زياد خداش


اجلس في مقهى الانشراح في رام الله القديمة فراغ وشمس عدوة وغرفة صغيرة لم ادفع فاتورة مائها بعد
هارب من بطرس، صاحب الغرفة، بطرس يترصد خطوي، ويراقب بابي ، غافلته وهربت من النافذة ، صديقي يلتقي الان صديقته اتصل به فيقول، اذهب الى الحجيم ، انا مع الله فكيف تجرؤ على مكالمتي ، العالم مشغول عني ، حبيبتي نائمة في خيبتها، معتقلة في مسافاتها ، تلاميذي في بيوتهم ، فقد انتهى العام الدراسي، وحيدا مع ورق ابيض، مستعصي على الترويض، و مسنين تائهين حولي، يلعبون الشدة ويمارسون الضراط السري ، وهواجس رحيل دائمة تجتاح كياني الهش الابله، الى اين اذهب يا الله ؟ احلم ان اهرب من جلدي ومن وقتي، ومن اهلي و حبي وكرهي الكبير للعالم، ومن امراضي وقسوتي وطيبتي ، قررت ان لا يكون لي دخل بهذا العالم، ساعيش مع حواسي واوهامي، وشهواتي، ولن اسمح لاحد ان ينكد علي حياتي، حياتنا ضيقة ويتيمة ، ومدننا صغيرة، وبحارنا ممنوع زيارتها، حتى رئيسنا محبوس ، ساهرب، ساهرب، انا لا انتمي الى هذا المكان ، انا ابن الغابة حفيد الصيحة الاولى ، ابن رغباتي الوحشية، لاجدوى من الكفاح في سبيل الحرية الجماعية، فلاحررنفسي اذن فلاعش حياتي طولا وعرضا، ساغرق في ملذاتي وسانسى العالم ووطني ومرض ابي وابتسامات اطفال اخي السحرية، ساتخلى عن تدريس طلابي اسرار الكتابة الابداعية، ولن اتي الى االمدرسة مبكرا، بعد الان، ساغرق في احلامي الشخصية، فلا جدوى من احلام الوطن لا جدوى لا جدوى ، عزام النادل الصامت والجميل يضع امامي زجاجة جعة باردة، الطقس حار، حار، وانا وحيد وحيدددددددددددددد، فجاة رايته هناك اله، هناك اله، لا ادري من اين بزغ، لم ارشف الرشفة الاولى بعد، عجوزززز ثمانيني، شعر ابيض قليل، شعيرات معدودة تنتحل اسم حاجب، جسد نحيل، حذاء مهتريء، وكيس بلاستيك، فيه بقايا رغيف فلافل، وحبتا بندورة.

هناك اله، هناك اله.
كم ثمن مشروبك يا شاب؟
هل تريد ان تشاركني يا عم؟
معاذ الله يا ابني انا حاجج بيت الله
اعذرني يا عم، الزجاجة بست شواكل،
من انت يا حج؟
اسمي نافع عبد القادر لبزور ابو العبد، من مخيم جنين، انا اصلي من ام سرحان قضاء بيسان، هناك اله، هناك اله ، قعدت تحت الردم وقت الاجتياح عشرة ايام، الم ترني على الجزيرة، كل الناس شافوني على الجزيرة، الم ترني؟ اين كنت؟ االم ترني ؟
عن اي ردم تتحدث يا حاج؟
ردم بيتي يا ابني، هدموا بيتي مع عشرات البيوت، الم تسمع؟ الا تعيش هنا؟
اه، اه اه، تذكرت الان يا عم
عشرة ايام تحت الردم، الم ترني على الجزيرة ؟، زوجتي في المشفى تعاني من امراض في خطيرة، في الكبد والقلب، كانت معي تحت الردم، الم ترنا على الجزيرة ؟
بلى رايتك يا عم، رايتك.

هناك اله ، هناك اله ، اخرجوني من الردم واخذوني الى جمعية خيرية في جنين، وبعدين اسكنوني بيتا مستاجرا، هناك اله، هناك اله ، وعندما قالوا ان ثمة مساعدات من الامم المتحدة ومن الامارات، ومن عرب اسرائيل، ذهبت الى المخيم، ولم احصل على شيكل واحد، قال لي ابو فلان : اكلوها، اكلوها يا ابو العبد، واعطاني من جيبته خمسمئة شيكل، هناك اله، هناك اله.

ولكنهم قالوا ان كل شخص دمربيته حصل على بيت جديد
لا تصدق لا تصدق، هناك اله، هناك اله. هذا هو مفتاح بيتي المستاجر في مدينة جنين،
بيتي فاضي، فرشتين وكنباية، وست كاسات وابريق شاي، وسجادة صلاة، هناك اله، هناك اله

ماذا تفعل في رام الله يا حاج؟

اشحذ، اشحذ هناك اله، هناك اله، عطف على ابو فلان صاحب مطعم في رام الله، يطعمني كل يوم، ويشتري لي الدخان،
انام في بيت مهجور، لي خمسة بنات متزوجات ، ثلاثة قي الاردن ، واثنتان في الزبابدة، هناك اله، هناك اله،
ماذا تشتغل يا ابني؟
انا كاتب يا عمي
صحافة يعني، صحافة
نعم صحافة صحافة
طيب طول قلم ورقة واكتب طولللللللللللللللللل
حاضر يا عم
اكتب :
انا نافع عبد القادر البزور من ام سرحان اصلا قضاء بيسان ، وسكان مخيم جنين / حارة الحواشين حتى وقت الاجتياح ، انا مواليد ال25
وعمري 80 سنة، انا بلف في رام الله ، بنام في بيت مهجورررررررررررر، وبطعميني صاحب مطعم بعرف الله،
وهذا تلفوني : 811425 - 052
اكتببببببببببببببببببببببببببببببب :
عشرة ايام تحت الردم فقدت هناك هويتي وطقم اسناني وجوازي الاردني والفلسطيني، الم ترني على الجزيرة؟
احكي، الم ترني؟
بلى رايتك رايتك يا عم
ذهبت الى ابو عمار، لم يسمح الحراس لي بالدخول، وقالوا ارجع بعد شهر، هناك اله، هناك اله،

اهاتف صديقي الصحفي، تعال واكتب عن الصحراء، في عزلتها وقحطها، ويأسها،
اسكت يا سكران، يقول صديقي، النائم في حضن حديقة.
ساخرج الان يا عم
اكتب اكتب يا صحافي
افضحهمممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممم
وخلي صاحبك يكتب، اوعدني ان تكتب يا ابني،
هناك اله
هناك االه
هناك ا اله
ساذهب الى مدرستي مبكرا حين تحين سنة دراسية اخرى، ساواصل ذرف اسرار الكتابة لعصافيري، سأعتني بصحة ابي، وساراقب الجزيرة لاري الذين كانوا تحت الردم، سأعتني بصحة ابي، سالتصق بجلدي، ساحاول ان أؤمن ان لا وقت لحرية فردية ، في بلد معتقل في سجن كبيرررررررر ، بلد اعتاد الخوف والصحراء و الموت، كما يعتاد سائق الشاحنة البدين الملل من طول المسافات، وانعدام الحديث مع اخر، ساحاول، ساحاول يا عممممم، سأحلم بالبحر وساقول له همسا طبعا : انتظرني في العام القديم عفوا القادم،، وساغفر لصديقي، خذلانه الجميل ، وسأحب حبببتي اكثررررر، فالمسافات تضيئ ارواحنا، ولها حكمتها ونصيحتها النزيهة و الاخوية، سأغرق في ابتسامات اطفال اخي السحرية، سأغرق الى حد التخلي عن الجعة،
اني اخرج يا عم
اني اخرج اني اخرج
اخرج
اخ
ر
ج
فسامح ضعفي، سامح ضعفي




________________________________________
الكاتب زياد خداش
رام الله - فلسطين