05/04/2026 - 18:38

العيد خارج الوطن: عن عيد الفصح والانتماء والمكان والهوية

"أقترح النظر إلى كعك العيد بوصفه أكثر من مجرد تقليد غذائي؛ إنه مدخل سوسيولوجي لفهم أنماط إنتاج الثقافة والاختلاف. ففي الشرق الأوسط، تشكلت تاريخيًا الطقوس ضمن فضاء اجتماعي مشترك، حيث تداخلت الممارسات اليومية بين المسلمين والمسيحيين..."

العيد خارج الوطن: عن عيد الفصح والانتماء والمكان والهوية

امرأة من غزة ترتب كعك العيد بعد حشوه بالتمر (Getty Images)

أعيش هذه السنة في أمستردام، وللمرة الأولى أجد نفسي أُحضّر كعك عيد الفصح خارج الوطن. لم يكن ذلك مجرد فعل منزلي عابر، بل محاولة هادئة لاستعادة شيء من الإحساس بالانتماء، والوطن، ولإعادة خلق لحظة جماعية في سياق بعيد. وبينما كنتُ أتجهز لمهمة صنع الكعك بعيدًا عن الوطن، وجدت نفسي أسأل زملائي وزميلاتي الأوروبيين والأميركيين، وبينهم مسيحيون ومسيحيات، إن كانوا يعرفون هذا الكعك أو يصنعونه في أعيادهم. لكن المفاجأة كانت أنهم لا يعرفونه أصلًا، لا كطقس ولا كرمز.

‎هذا الغياب لم يكن تفصيلًا بسيطًا، بل فتح أمامي سلسلة من الأسئلة: من أين يأتي هذا الكعك؟ ولماذا تحديدًا في فلسطين، وفي أجزاء من الشرق الأوسط، يحتل هذه المكانة في الاحتفال بعيد الفصح؟ هل هو تقليد مسيحي خالص، أم أنه ينتمي إلى طبقة أعمق من الثقافة المحلية التي تتجاوز الحدود الدينية؟ ولماذا يبدو غائبًا، أو مختلفًا جذريًا، في السياقات الأوروبية التي يُفترض أنها مركز المسيحية؟

‎من هنا، أقترح النظر إلى كعك العيد بوصفه أكثر من مجرد تقليد غذائي؛ إنه مدخل سوسيولوجي لفهم أنماط إنتاج الثقافة والاختلاف. ففي الشرق الأوسط، تشكلت تاريخيًا الطقوس ضمن فضاء اجتماعي مشترك، حيث تداخلت الممارسات اليومية بين المسلمين والمسيحيين، وأنتجت الرموز عبر المشاركة لا عبر الفصل. يبدو كعك الفصح، في هذا السياق، تعبيرًا عن "هجنة ثقافية" عميقة، حيث لا تعود الممارسة حكرًا على جماعة بعينها، بل جزءًا من نسيج اجتماعي أوسع. ويمكن النظر إلى التشابه بينه وبين المعمول في الأعياد الإسلامية ليس مجرد تقارب شكلي، بل أثر لذاكرة ثقافية مشتركة تتقاطع فيها الرموز والممارسات.

‎في المقابل، يكشف السياق الأوروبي عن مسار مختلف في تنظيم الاختلاف الديني، حيث جرى، مع تشكّل الحداثة والدولة القومية، إنتاج حدود أكثر صلابة بين الجماعات. لم يكن الفصل بين الجماعات الدينية مجرد اختلاف ثقافي، بل ارتبط بتاريخ طويل من التصنيف والعرقنة، بلغ أقصاه في النازية، حيث تحوّل اليهود إلى "آخر" مُطلَق داخل الخيال الأوروبي. في هذا الإطار، يمكن قراءة غياب كعك العيد ليس فقط كاختلاف في العادات، بل كمؤشر على نمط أوسع من إنتاج الهوية عبر الفصل لا التداخل.

‎في بلاد الشام، ومن دون الوقوع في رومنسة التاريخ، ورغم ما حملته التجارب التاريخية من توترات وعدم مساواة، ظلّت الحياة الاجتماعية قائمة بدرجة كبيرة على التداخل في الممارسة اليومية. لم تكن الحدود الدينية تُترجم بالضرورة إلى قطيعة ثقافية، بل كانت تُعاد صياغتها داخل فضاء مشترك من العيش والعادات والتقاليد. ضمن هذا النسيج، يمكن فهم كعك العيد كأثر مادي لذاكرة اجتماعية قائمة على العيش المشترك، حيث تتقاطع الرموز والممارسات بين جماعات مختلفة دون أن تفقد خصوصيتها.

‎غير أن هذا النسيج تعرّض لتحولات جذرية مع صعود المشروع الصهيوني، الذي سعى إلى إعادة تعريف العلاقات ضمن إطار قومي-كولونيالي استيطاني، وأعاد إنتاج الحدود والهويات بطريقة أكثر صلابة وصراعية. ومع ذلك، ورغم هذه المحاولات، ظلّ كعك العيد محتفظًا بمعناه ومكانته، لم يُنتزع من سياقه الاجتماعي، ولم يُفرغ من دلالاته، بل بقي شاهدًا على استمرارية ذاكرة ثقافية سبقت المشروع الاستعماري وتجاوزته. كأن هذا الكعك، في بساطته، يقاوم بدوره محاولات القطيعة، ويحمل في طيّاته أثر زمنٍ لم تُفصل فيه الحياة على أسسٍ صلبة كما يُراد لها اليوم.

‎لكن، ربما، لا يكمن معنى كعك العيد فقط في تاريخه أو دلالاته الثقافية، بل أيضًا في ما يفعله فينا حين نكون بعيدين. في الغربة، يتحوّل العيد من طقس دوري إلى لحظة اشتياق كثيفة، ومن ممارسة مألوفة إلى فعل مقاومة للانقطاع. يصبح تحضير الكعك محاولة لإعادة بناء الوطن في الغربة، لا كجغرافيا فقط، بل كذاكرة وحضور وعلاقة. في هذا المعنى، لا يعود العيد مجرد مناسبة دينية، بل يتحوّل إلى لغة للحنين، وإلى وسيلة للتمسك بما يتفكك.

‎ولتحضير الكعك، خضتُ محادثات طويلة مع أمي، وعمّة زوجي، وأخواتي حول تفاصيل الوصفة وخطواتها، كأننا نعيد معًا استحضار طقسٍ محفوظ في الذاكرة. ثم التأمتُ مع ابنة الناصرة لنصنع كعك الفصح معًا، وكأننا، من حيث لا ندري، كنّا نعيد خلق جماعتنا الصغيرة في الغربة. لم يكن اللقاء مجرد تحضير للكعك، بل كان فعلًا من إعادة تشكيل المكان: مطبخٌ في أمستردام يتحوّل، للحظات، إلى امتداد لبيوتنا في الوطن. في العجن والحديث والضحك، وفي التفاصيل البسيطة التي نعرفها دون أن نشرحها، شعرت أننا هناك، أننا في الوطن دون أن نكون فيه جسديًا. كأن فعل صنع الكعك، حين يُعاش جماعيًا، يصبح قدرة على تجاوز المسافة، وعلى خلق حضورٍ بديل، هشّ لكنه حقيقي، يعيد لي شيئًا مما أظن أننا فقدناه ولو لفترة قصيرة.

‎ربما لهذا، لا يعود كعك العيد مجرد طعام، بل يتحوّل إلى أثرٍ حيّ لذاكرة جماعية، وإلى جسرٍ دقيق بين الغياب والحضور، بين الوطن والغربة. في تفاصيله الصغيرة، في رائحته، وفي العجن والانتظار، تنفتح طبقات من المعنى تتجاوز اللحظة، وتستدعي وجوهًا وأصواتًا وأماكن. يصبح الكعك طريقةً للعودة، لا إلى مكان فقط، بل إلى زمنٍ وعلاقةٍ ومكان. ومن هنا، لا ينفصل العيد عن سيرة من نحب، بل يتجسّد فيهم.

‎كما في كل سنة، أيضًا هذه السنة، أستذكر في هذا العيد والدي، حنّا لطيف صبّاغ، رحمه الله، واستذكر صوته. ورغم كونه مُقعدًا وفاقدًا تقريبًا قدرته على الحديث فقد كان صوته يجد طريقه في الترتيل، حين كان يردّد عن ظهر قلب: "المسيح قام من بين الأموات، ‎ووطِئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور". بصوته المتعب، كان يملأ البيت فرحًا، نحن بناته وابنه وأمي، نصغي إليه وكأن الحياة تُعاد إلينا من جديد. في تلك اللحظات، لم تكن القيامة فكرة مجردة، بل تجربة معاشة، صوتٌ ضعيف يُقاوم الصمت، وحياةٌ تُولد من قلب الهشاشة.

‎من هذا الامتداد الحميمي، يتسع معنى العيد ليصبح أكثر من ذكرى شخصية، بل صوتًا جماعيًا يتردّد من الوطن الذي يسكننا حتى ونحن خارجه. وحين أفكّر في العيد، لا أراه مجرّد احتفال، بل أسمعه كنداءٍ مشترك نحمله معنا، لا لأننا نحتفل به فقط، بل لأننا نتمسّك من خلاله بما لا نريد أن ينكسر فينا. فعيد الفصح هنا ليس مناسبة عابرة، بل لحظة تتجدّد فيها معاني القيامة كفعل تحرر، وكإرادة تصرّ على الحياة رغم كل ما يُراد لها من انطفاء.

يثقل العيد بمعنى مختلف؛ حين يكون أهلي وشعبي وأبناء بلدي تحت الحرب، وحين لا يلتئم شملهم في الكنيسة كما اعتدنا، يصبح العيد موجعًا بقدر ما هو مُلهم.

‎لكن هذا العام تحديدًا، يثقل العيد بمعنى مختلف؛ فأهلي وشعبي تحت الحرب، وشملهم لا يلتئم في الكنيسة كما اعتدنا، فيغدو العيد موجعًا بقدر ما هو مُلهم. ويزداد هذا الألم حين يُمسّ جوهره نفسه: إذ مُنع بطريرك القدس من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بقدّاس أحد الشعانين في 4 نيسان 2026، فيما تتواصل القيود على كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك. في هذا السياق، لا يُحرم الناس من الطقس فحسب، بل من الاجتماع وعيش الإيمان في فضائه الجماعي.

‎ومع ذلك، حين يغيب الاجتماع لا يغيب المعنى؛ وحين تتعذّر الطقوس، لا ينطفئ الإيمان. بل يبقى، إيمانٌ لا بالمعجزة فقط، بل بقدرة الناس على الصمود، وعلى إعادة خلق الحياة من قلب الفقد. كأن الإيمان، حين يُحاصر، يعيد تشكيل نفسه في أماكن أخرى: في البيوت، في الذاكرة، في التفاصيل الصغيرة التي ترفض الانقطاع.

‎في هذا العيد، لا نفصل بين الإيمان والتجربة، بين الصلاة والواقع، بل نعيد وصل ما انقطع: بين الألم والأمل، بين الجذر والامتداد. القيامة ليست فقط حدثًا دينيًا، بل وعدٌ متكرّر بأن هذه الأرض، بما تحمل من وجع، لا تزال قادرة على إنجاب المعنى، وعلى مقاومة الظلم، وعلى إعادة تسمية الحياة كل مرة من جديد. كأن العيد موعد سنوي مع الحرية، مع الأمل، مع القدرة على البدء من جديد، حتى حين يبدو كل شيء مُثقلًا بالتكرار والانكسار.

‎وفي قلب هذا المعنى، تصبح الصلاة فعلًا لا ينفصل عن الحياة، بل امتدادًا لها. نتضرع هذا العام، بقلوب مثقلة وأملٍ عنيد، من أجل إنهاء الحروب، ووقف قتل جميع الأبرياء، ووقف الإبادة في غزة. نصلي من أجل الحياة، من أجل من بقوا ومن فقدناهم، من أجل أن تنكسر دائرة العنف، وأن يُفسح المجال للعدالة والحرية والكرامة. نطلب أن يبقى الأمل ممكنًا، وأن تتحوّل القيامة من رمز إلى واقع، ومن وعدٍ مؤجّل إلى حياة تُعاش.