استغلال الفتيات في سوق العمل: احتكار وتعنيف ومجتمع متجاهل

استغلال الفتيات في سوق العمل: احتكار وتعنيف ومجتمع متجاهل

'كنت أعمل ساعات طويلة في اليوم، ساعات طويلة ومرهقة، فالتعامل مع الناس ومساعدتهم في اختيار الملابس المناسبة لهم ليس بالأمر البسيط، وبعدها مرحلة ترتيب الفوضى التي خلّفوها، كل هذا مقابل أقل من نصف الحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه القانون'، بهذه الكلمات وصفت ليليان التي بدأت العمل خلال فترة دراستها الثانوية، وهي تروي لنا تجربتها في سوق العمل كفتاة في المجتمع العربي.

وتتابع ليليان تجربتها في العمل في أحد متاجر الأزياء في مدينة الناصرة، 'كنا نتلقى معاملة سيئة من المسؤولين، وأي فتاة تحتج كان الجواب جاهزًا: هذا الموجود. مش عاجبك شوفي محل ثاني. تحمّلتُ المعاملة السيئة حتى أنهيت دراستي الثانوية واستطعت الانتقال للعمل في شبكة لمتاجر الأزياء، التي تلتزم بالقانون على الأقل بخصوص الراتب والحقوق'.

استغلال الوضع الاقتصادي

وليليان ليست حالة فردية شاذة يتم فيها استغلال الفتيات في سوق العمل، خاصة من لم تنهِ دراستها الثانوية، فطالما لم تبلغ الفتاة الثامنة عشرة لن يقبلها أي مشغّل في الأماكن التي تلتزم بالقانون وتمنح العامل حقوقه أو الكثير منها.

وتروي سلوى، التي أنهت دراستها الثانوية أخيرًا، أنها كانت تعمل في متجر لبيع ألعاب وهدايا للأطفال في مدينتها، باقة الغربية، واضطرت في كثير من الأحيان للعمل ورديات مزدوجة، لأن صاحبة المتجر كان لديها 'واجبات اجتماعية وأعراس'، وإذا ما أرادت سلوى الحفاظ على وظيفتها عليها العمل مكانها.

تقول سلوى: 'كنت أتقاضى 10 شواقل على كل ساعة عمل (أي نحو ثلاثة دولارات)، وفي الأيام التي كنت فيها أُرغَم على العمل ساعات أو وردية إضافية، كنت أتقاضى 13 شيقلاً مقابل كل ساعة. كنت مضطرة لفعل ذلك لحين إنهاء دراستي الثانوية، حتى يمكنني بعدها العمل في مكان أفضل يحترم العاملة ويمنحها ما تستحق، حتى أتمكن من إعالة نفسي وتوفير مبلغ من المال يساعدني على دخول الجامعة، فالوضع الاقتصادي في أسرتنا ليس بأفضل حال، وعليّ الاعتماد على نفسي قبل كل شيء'.

ولا يقتصر استغلال الفتيات في سوق العمل على من هم في المرحلة الثانوية، بل يشمل من أنهوها ويعملون في القرى والمدن العربية، بسبب عدم إمكانية الذهاب والعودة إلى مدينة أخرى قريبة.

تقول أمل، التي عملت كنادلة في إحدى مقاهي قرية مجد الكروم، إنها وزملاءها كانوا يتقاضون 11 شيقلاً مقابل كل ساعة عمل، وفي نهاية الوردية كان صاحب المقهى يأخذ البقشيش الذي يتركه الزبائن، أي أنه عمليًا لا يدفع أجورًا للنُّدُل، فالبقشيش الذي يتركه الزبائن كافٍ لسد أجور الندل المتدنية أساسًا، ولا يستطيعون أخذ إجازة مدفوعة الأجر، مثل إجازة العيد أو إجازة مرضية.

وعن سبب موافقتهم على ذلك، أجابت أمل: 'لم يجرؤ معظم العاملين في المقهى على الاحتجاج لأنهم بحاجة لهذا العمل، وأنا منهم، إذ لا يمكنني العمل في مكان أفضل في الوقت الحالي. على سبيل المثال لا يمكنني العمل في المجمع التجاري في كرميئيل لأنني لا أملك سيارة ولا أستطيع أن أطلب من أحد إيصالي وإحضاري كل يوم'.

نظرة المجتمع للفتاة العاملة

وفضلًا عن كل ما ذكر، تضطر الفتيات للعمل في هذه الظروف بسبب عادات وتقاليد المجتمع، ونظرته للفتاة التي تعود متأخرة من عملها. إذ تروي لمى، وهي فتاة في العشرين من عمرها، من مدينة الطيبة، تعمل في متجر للأزياء في المدينة، أنها لا تستطيع العمل في مكان يوفر ظروفًا أفضل من ناحية أجر وحقوق في مدينة يهودية قريبة، بسبب نظام عمل الورديات.

وتقول لمى: 'في عملنا يكون العمل بورديتين، واحدة صباحية، وهذا ليست مشكلة، والأخرى مسائية تنتهي في الساعة العاشرة ليلًا على أقل تقدير، ومع مدة السفر من مكان العمل إلى الطيبة، تكون العاملة في وضع محرج، إذ ينظر المجتمع للفتاة التي تعود متأخرة على أنها منحلّة، وتبدأ الشكوك والشبهات والاتهامات تصوّب نحوها، مع علم الجميع أنها تعمل، إلا أن التخلّف والجهل يعمي الأعين ويصل بالبعض حد التجني والتشهير'.

غياب الرقابة القانونية

ويتضح من شهادات وتجارب عديدة وبحث أعده تنظيم كيان النسوي، أن معدل الأجور للفتيات العربيات يتراوح بين 10 و15 شيقلاً في الساعة، بالإضافة للحرمان من الكثير من الحقوق والخدمات، مثل صندوق التقاعد والإجازات المرضية وإجازات الأعياد وغيرها، في ظل تعنيف اقتصادي للفتيات وغياب الرقابة القانونية والمجتمعية للمشغلين.

وعن أسباب هذه الظاهرة، قالت المحامية المختصة في قضايا العمل من جمعية كيان، راوية حندقلو، إن 'غياب الرقابة واستمرار الوضع الحالي هو بسبب التهميش لقضايا النساء مجتمعيًا والتمييز ضدهم من قبل الدولة، فالسلطة المسؤولة عن مراقبة المشغلين هي مديرية تطبيق قوانين العمل في وزارة الاقتصاد، التي يعمل بها 140 شخصًا فقط، وهؤلاء لا يمكنهم أداء واجبهم في منطقة واحدة، فكم بالحري إذا ما تحدثنا عن جميع المناطق'.

أهمية الانخراط في سوق العمل

وأحد أهم الأسباب هو عدم إدراك المجتمع الفلسطيني ضرورة خروج النساء لسوق العمل، إذ تشغل النساء العربيات فقط نسبة 23% من سوق العمل، وهذه النسبة المتدنية سببها في الغالب العنصرية والتمييز من قبل الدولة، والمجتمع الأبوي وتقاليده من ناحية أخرى، إذ لم يتقبّل المجتمع بعد أن خروج النساء لسوق العمل هو حق وليس هواية، وعمل المرأة ليس مجرد دخل إضافي للأسرة.

وبغياب الرقابة، يستطيع المشغّلون انتهاك حقوق العاملات بسهولة، عن طريق استغلال عدم توفر فرص عمل لهن من ناحية، وعدم طرح الموضوع في سلّم أولويات المجتمع عن طريق السلطات المحلية وأقسام الرفاه الاجتماعي والقيادات المحلية والقطرية من ناحية أخرى.

والحل لهذه المعضلة، بحسب حندقلو، يكون بتطوير أماكن عمل النساء في بلداتهم وفق المعايير القانونية والإنسانية الطبيعية، والتي هي حق لكل إنسان، 'في حال توفير أماكن عمل للنساء، تتغيّر معادلة العرض والطلب في سوق العمل، عندها يضطر المشغلون لمنح النساء العاملات حقوقهن وعدم الاحتكار الاقتصادي، بالإضافة إلى تطبيق قوانين العمل ومراقبتها كما يجب'.

الفائدة الاقتصادية والثقافية

ولانخراط النساء في سوق العمل فوائد عديدة، ثقافية واقتصادية، فمع انخراط النساء في سوق العمل في ظروف صحية ونيلهن حقوقهن كما يجب، خاصة على صعيد الأجور، يمكن للأسرة أن تغيّر نمط حياتها بما يفيد المجتمع في الداخل ككل، سواء محليًا أو قطريًا.

فازدياد دخل الأسرة يتناسب طردًا مع استهلاكها، إذ تسمح الأسرة لنفسها بزيادة النفقات والعيش برفاهية معينة، والمستفيد الأول من زيادة النفقات هم المشغلون، إذ تزداد الحاجة للإنتاج وبالتالي يزداد دخلهم، وكذلك تزداد الحاجة للمزيد من العاملين والعاملات، الأمر الذي يوفر فرص عمل جديدة تسمح بزيادة دخل أسرة أخرى.

وعلى الصعيد الثقافي، زيادة دخل الأسرة يسمح لها الإنفاق على تعليم وتثقيف أفضل للأبناء، وإشراكهم في دورات وفعاليات تعليمية وثقافية خارج منهاجهم، كالموسيقى والرياضة وغيرها، الأمر الذي تتنازل عنه الأسرة العربية ذات الدخل المحدود لأن دخلها بالكاد يكفي مستلزمات العيش، ولا يمكنها دفع تكاليف مثل هذه الفعاليات.

*تنشر بالاتفاق مع صحيفة العربي الجديد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018