على الرغم من أن أصوات القصف قد خمدت، إلا أن صدى الحرب ما زال حاضرًا في نفوس الناس، خاصة في المجتمع العربي الذي وجد نفسه في قلب مشاهد الفقدان والدمار والقلق الجماعي.
تداعيات الحرب النفسية لم تنتهِ مع وقف إطلاق النار، بل بدأت تتكشف ببطء، من خلال أعراض واضطرابات عاطفية وسلوكية تعصف بالأطفال، الأهل، وحتى الطواقم التعليمية.
"عرب 48" أجرى مقابلات مع مختصين نفسيين، مستشارين تربويين، وناشطين مجتمعيين، لرصد الآثار النفسية التي خلّفتها الحرب والحاجة إلى دعم مؤسساتي منظم وطويل الأمد.
زيدون صبح: الأزمة النفسية عميقة ولا بد من استجابة مؤسساتية
قال المعالج السلوكي والنفسي، زيدون صبح، في حديثه لـ"عرب 48"، إن المجتمع العربي يمر حاليًا بـ"أزمة نفسية جماعية"، مشيرًا إلى أن الحرب خلفت آثارًا داخلية يصعب تجاوزها بسهولة.
وأضاف أن "الحرب انتهت، لكن آثارها النفسية لا تزال تظهر تدريجيًا. كثير من الأهالي والأطفال يواجهون لأول مرة نوبات هلع، صدمات عاطفية، وتغيرات سلوكية مقلقة".
وأكد صبح أن التشخيص المبكر يبدأ من البيت، من خلال مراقبة الأهل لتغيّرات أبنائهم.
وأوضح أنه "إذا توقف الطفل عن ممارسة أمور يحبها كالنشاطات الرياضية أو الاجتماعية، أو بدأ ينسحب أو يُظهر نوبات غضب أو سلوكيات مثل قضم الأظافر، فهذه مؤشرات لا يجب تجاهلها". وشدد في حديثه على أن "التعافي من الصدمة لا يمكن أن يكون فرديًا فقط، بل يجب أن تُبنى منظومة دعم نفسي مؤسساتية تشمل المدارس، مراكز الصحة النفسية، والمجتمع المدني".
أمل ذياب: السلامة النفسية جزء من التعافي المجتمعي
من جهتها، قالت المستشارة التربوية، أمل ذياب، لـ"عرب 48"، إن التدخل النفسي المبكر أمر حاسم، مشيرة إلى أن العديد من الأعراض النفسية تظهر بشكل مؤجل، وليس بالضرورة بعد الحدث مباشرة.
وأضافت أنه "نلاحظ عند بعض الأطفال آلامًا جسدية، قلقًا متزايدًا، خوفًا من الفقدان، أو سلوكيات عدوانية وانسحابية، وهي جميعًا تعبيرات عن صدمة لم يتم التنفيس عنها".
ودعت ذياب إلى ضرورة بناء ما أسمته "المناعة النفسية" لدى الطلاب من خلال بيئة آمنة وداعمة، ومرافقة علاجية مهنية عند الحاجة.
وأكدت أن "الاستثمار في الدعم النفسي ليس ترفًا، بل ضرورة لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وصلابة".
علياء أمارة حجازي: طلابنا ليسوا بخير ويحتاجون عامًا نفسيًا لا تعليميًا فقط
وفي شهادة مؤثرة، قالت المعلمة علياء أمارة حجازي لـ"عرب 48" إن الطلاب الذين عاشوا الحرب عن قرب ما زالوا يعانون من ارتداداتها النفسية حتى اليوم.
وأوضحت أن "ما حدث لم يكن مجرد لحظة طارئة، بل تجربة قاسية تستدعي استجابة طويلة الأمد، تتضمن دعما نفسيا متواصلا يمتد على مدار العام الدراسي المقبل".
وشددت على أهمية تخصيص مساحة للبرامج العلاجية داخل الصفوف في السنة التعليمية المقبلة، وعدم الاكتفاء بالعودة إلى التعليم الروتيني، مشيرة إلى أن "الاحتواء النفسي هو حاجة تربوية ملحّة، وليس هامشًا".
حسين مريسات: قوة مجتمعنا في تكافله والدعم النفسي مسؤوليتنا جميعًا
بدوره، قال الناشط الاجتماعي في جمعية "بيتنا"، حسين مريسات، في حديث لـ"عرب 48"، إن المجتمع العربي بحاجة إلى تكافل نفسي ومؤسساتي شامل لمواجهة الأزمة الحالية.
وأكد: "نحن مجتمع يعرف كيف يتكاتف وقت الأزمات، كما رأينا خلال الحرب أو جائحة كورونا، ولكن علينا الآن أن نطوّر هذا التكافل ليشمل الجانب النفسي".
وأضاف أن "المبادرات الشعبية أثبتت قوتها، لكننا بحاجة إلى بنية دعم مؤسساتية تحترم وتحتضن المبادرات الأهلية وتفعّلها على نطاق واسع".
وختم مريسات حديثه بالقول إن "الورشات التطوعية والمبادرات النفسية التي تُقام دون مقابل، تعكس جوهر مجتمعنا، وهي ما يجب أن نغرسه في نفوس الأجيال الصاعدة".
نحو استجابة نفسية عادلة
تُظهر الشهادات أن الحرب لم تنتهِ فعليًا في نفوس الناس، وأن معالجة تداعياتها النفسية تتطلب أكثر من مجرد الوقت؛ تحتاج إلى إرادة جماعية، موارد مهنية، ورؤية واضحة بأن الصحة النفسية هي ركيزة أساسية في تعافي المجتمع.
ومع كل يوم يمر، تتأكد حقيقة واحدة وهي أنه لا يمكن الحديث عن إعادة بناء ما دُمّر دون أن نبدأ بإعادة ترميم الداخل حيث الصدمة تُقيم، وحيث يبدأ الشفاء الحقيقي.