17/07/2026 - 13:01

منظومة الصحة في إسرائيل: إنفاق منخفض ونقص في الطواقم وفجوات جغرافية مستمرة

وفقًا لتقرير مركز طاؤوب، تواصل منظومة الصحة الإسرائيلية العمل تحت ضغط شديد بفعل تحديات الحروب، مع تركيز خاص على مجالي الصحة النفسية وإعادة التأهيل. ويأتي ذلك في ظل استمرار الضغوط على جهاز الصحة منذ عام 2020، نتيجة أزمة كورونا وتداعياتها.

منظومة الصحة في إسرائيل: إنفاق منخفض ونقص في الطواقم وفجوات جغرافية مستمرة

توضيحية (Getty)

يتناول تقرير "مركز طاؤوب" السنوي لعام 2026 حالة قطاع الصحة في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تخصيص الميزانيات الحكومية، وقدرات الجهاز الصحي من حيث عدد الأسِرّة والأطباء والممرضين والممرضات.

ورغم تباهي إسرائيل بجهازها الطبي وبالتقدم في الخدمات الصحية، يتضح أن هذا الجهاز يعاني من نواقص عديدة، وأنه ما زال متأخرًا مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى، ولا سيما الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، من حيث الميزانيات المخصصة، وأعداد الأطباء ومقدمي الرعاية الطبية نسبة إلى عدد السكان. إذ يوضح التقرير استمرار النقص في الخدمات الصحية، وفي عدد الأسِرّة والأطباء والطواقم الطبية، كما يبيّن استمرار الفجوات في هذه المحاور بين المركز ومناطق الأطراف في إسرائيل.

جهاز الصحة تحت ضغط دائم

وفقًا لتقرير مركز طاؤوب، تواصل منظومة الصحة الإسرائيلية العمل تحت ضغط شديد بفعل تحديات الحروب، مع تركيز خاص على مجالي الصحة النفسية وإعادة التأهيل. ويأتي ذلك في ظل استمرار الضغوط على جهاز الصحة منذ عام 2020، نتيجة أزمة كورونا وتداعياتها.

ووفقًا لمعدّي التقرير، وعلى الرغم من الاحتياجات المتزايدة، لا يزال الإنفاق العام على الصحة في إسرائيل من بين الأدنى في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ومع ذلك، تواصل المنظومة أداءها مع إظهار قدرة استثنائية على الصمود؛ فمنذ أكثر من عامين ونصف، أي منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، جُنّدت جميع مكوّنات المنظومة للتعامل مع آثار الحروب من جهة، ومع المهام الجارية من جهة أخرى. ومع ذلك، هناك مؤشرات إلى تآكل متزايد في القوى العاملة، وهو تآكل بدأ في فترة كورونا وتفاقم خلال فترة الحرب.

وتُظهر المعطيات أنه، على الرغم من الاستثمار الكبير في زيادة عدد العاملين في منظومة الصحة، وتوسيع الحصص المخصصة لطلاب الطب، والاستثمار في مهن أخرى، بما في ذلك مهن جديدة مثل مساعد الطبيب والتمريض المختص، لا يزال هناك نقص في القوى العاملة. ويُلمس هذا النقص بصورة خاصة في مناطق وبلدات الأطراف، ويؤدي، من بين أمور أخرى، إلى ارتفاع معدل أيام الانتظار للحصول على خدمات صحية معينة في هذه المناطق.

الإنفاق على الصحة منخفض في المقارنة الدولية

بلغ الإنفاق على الصحة في عام 2024 نحو 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وتُعد هذه النسبة منخفضة مقارنة بمعظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وكان الإنفاق الجاري للفرد، بمصطلحات تعادل القوة الشرائية، منخفضًا هو الآخر مقارنة بمعظم دول المنظمة، وبلغ في عام 2024 نحو 3,941 دولارًا أميركيًا. وشكّل الإنفاق الخاص 33.7% من الإنفاق الوطني على الصحة، في حين بلغ التمويل الحكومي 41.9%، وموّلت ضريبة الصحة 23%. أما النسبة المتبقية، البالغة 1.4%، فجاءت من تبرعات من الخارج.

زيادة الاهتمام بالصحة النفسية

خلال المداولات حول ميزانية عام 2024، قُدّم اقتراح بزيادة الاستثمار في مجال الصحة النفسية. وشمل الاقتراح توسيع الخدمات، ولا سيما في المنظومة العامة، وتحسين استمرارية العلاج من خلال دمج أفضل للصحة النفسية في المستشفيات العامة وصناديق المرضى، ونقل خدمات إضافية إلى المجتمع المحلي، وتحسين البنى التحتية والتدريبات.

وبعد سنوات عانى فيها مجال الصحة النفسية من الإهمال، بات يحظى مؤخرًا باهتمام أكبر، بما في ذلك إصلاح مدعوم بميزانيات. ومع ذلك، فإن الإنفاق الوطني على الصحة النفسية، ولا سيما مكوّنه العام، ما زال متأخرًا في المقارنة الدولية.

نقص في الأطباء والطبيبات، ونقص أشد في الممرضين والممرضات

يوضح التقرير وجود نقص كبير في عدد الأطباء في جهاز الصحة في إسرائيل، ويشير إلى أن هذا النقص سيستمر في المدى القصير على الأقل، إلى أن يُنهي عدد أكبر من طلاب الطب دراستهم. فقد بلغ عدد خريجي كليات الطب في إسرائيل عام 2023 نحو 7.2 لكل 100,000 نسمة، وهو أقل بكثير من المعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، الذي بلغ 14.5.

كما أن عدد الأطباء العاملين في إسرائيل أدنى من المعدل في دول المنظمة، إذ يبلغ 3.5 أطباء لكل 1,000 نسمة، مقابل 3.9 في المتوسط في دول المنظمة. أما الفجوة في عدد الممرضين والممرضات العاملين لكل 1,000 نسمة فهي أكبر بكثير، إذ تبلغ 5.57 في إسرائيل، مقابل 9.5 في المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وعلى الرغم من هذه الفجوة، فإن عدد الممرضين والممرضات في إسرائيل لكل 1,000 نسمة يشهد اتجاهًا تصاعديًا، وكذلك عدد التراخيص الجديدة لمزاولة مهن التمريض. ففي عام 2023 مُنحت 4,102 رخصة، مقابل 929 رخصة في عام 2010. ويُعد ارتفاع عدد خريجي برامج التمريض أحد العوامل المركزية وراء هذه الزيادة. ومع ذلك، ورغم هذا الارتفاع، لا يزال هذا المعطى أيضًا أدنى من المعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ يبلغ 32.1 لكل 100,000 نسمة في إسرائيل، مقابل 45.8 في دول المنظمة.

زيادة في عدد الحاصلين على تراخيص مزاولة الطب

قلّصت إصلاحات "يتسيف"، الهادفة إلى تنظيم الاعتراف بتعليم الطب في جامعات خارج البلاد وتشديد معاييره، بصورة كبيرة قائمة كليات الطب في الخارج التي يُعترف بالدراسة فيها في إسرائيل. وقد دخل الإصلاح حيّز التنفيذ في عام 2019، وبموجبه فإن كل من بدأ الدراسة بعد هذا العام في مؤسسات أكاديمية جرى استبعادها لن يتمكن من الحصول على ترخيص لمزاولة الطب في إسرائيل.

في السنوات 2020–2024، ازداد بصورة متواصلة عدد التراخيص الجديدة لمزاولة الطب. ففي عام 2024، بلغ هذا العدد 2,637 ترخيصًا، مقارنة بـ2,464 ترخيصًا في عام 2023، و1,895 ترخيصًا في عام 2022. وخلال هذه الفترة، ظل عدد التراخيص الجديدة التي مُنحت لخريجي كليات الطب في إسرائيل كبيرًا، إلا أن نسبة متزايدة من هذه التراخيص مُنحت لأطباء تلقوا تعليمهم خارج البلاد، وخصوصًا في أوروبا الشرقية. ويعكس هذا المعطى الاعتماد المتزايد على أطباء تلقوا تدريبهم في الخارج من أجل تلبية احتياجات إسرائيل من القوى العاملة.

ويوضح التقرير وجود فوارق كبيرة بين مناطق مختلفة في إسرائيل في نسبة الأطباء الذين تلقوا تعليمهم الطبي في الخارج، ولا سيما أولئك الذين درسوا في كليات طب غير معترف بها اليوم، في أعقاب معايير إصلاحات "يتسيف". ففي جنوب البلاد، تصل نسبة الأطباء الذين تلقوا تعليمهم الطبي في الخارج إلى نحو 80%.

ارتفاع في عدد الأطباء الذين درسوا الطب في إسرائيل

يواصل عدد التراخيص الجديدة لمزاولة الطب الارتفاع، بما في ذلك التراخيص التي مُنحت لخريجي الطب الذين درسوا في إسرائيل. ففي عام 2023، بلغ عدد هؤلاء 750، مقابل 672 في عام 2022. وفي السنوات الأخيرة، ازداد تدريجيًا عدد الطلاب الذين بدأوا دراسة الطب في الجامعات الإسرائيلية، من 731 طالبًا جديدًا في عام 2018 إلى نحو 1,400 طالب في عام 2025. وتسعى وزارة الصحة إلى الوصول إلى 1,700 طالب جديد في عام 2030.

وينبع هذا الارتفاع من عدة خطوات طُبقت في إسرائيل في السنوات الأخيرة، من بينها زيادة عدد الطلاب في كليات الطب في البلاد، وتحويل برامج تدريب كانت مخصصة لطلاب من الخارج إلى برامج مخصصة للطلاب الإسرائيليين. وعلى الرغم من الارتفاع في عدد الطلاب الذين بدأوا دراسة الطب في إسرائيل، فإن الأمر سيستغرق عدة سنوات قبل أن يظهر أثره في عدد التراخيص الجديدة لمزاولة الطب.

فجوات في التوزيع الجغرافي لأسِرّة الاستشفاء العام

على الرغم من الارتفاع في العدد المطلق للأسِرّة في المستشفيات العامة، فإن عدد الأسِرّة لكل 1,000 نسمة يواصل الانخفاض، من 1.85 في عام 2015 إلى 1.76 في عام 2023. وقد بلغ متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تلك السنة 3.18 أسرّة لكل 1,000 نسمة. كما أن عدد أسِرّة الاستشفاء النفسي منخفض هو الآخر، ويشهد اتجاهًا تنازليًا؛ إذ بلغ 0.37 سريرًا لكل 1,000 نسمة في عام 2023، مقابل 0.7 سرير لكل 1,000 نسمة في المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ويُظهر فحص التوزيع الجغرافي للأسِرّة في المستشفيات العامة أن عدد الأسِرّة للفرد في مناطق وبلدات الأطراف أقل نسبيًا مقارنة بسائر المناطق. ومع ذلك، بقيت نسبة الأسِرّة في منطقة المركز مستقرة نسبيًا على مرّ السنوات، بينما سُجّل تآكل في مناطق الأطراف. ويظهر عدم مساواة مشابه بين المناطق في توزيع أسِرّة الاستشفاء النفسي.

وتشمل خطة التطوير متعددة السنوات لوزارة الصحة، التي أُطلقت في نهاية عام 2023، إضافة نحو 1,790 سريرًا للاستشفاء العام على المستوى القطري حتى عام 2028، أي زيادة بنحو 11% مقارنة بنقطة الأساس. ومن شأن هذه الإضافة أن ترفع عدد الأسِرّة العامة في إسرائيل إلى نحو 17,500 سرير، وأن ترفع النسبة القطرية إلى نحو 1.77 سرير لكل 1,000 نسمة. ومع ذلك، فإن وتيرة تنفيذ الخطة ما زالت بطيئة جدًا.

فجوات جغرافية في القوى العاملة الطبية

تتأثر إتاحة خدمات الصحة وجودتها إلى حد كبير بالتوزيع الجغرافي للقوى العاملة الطبية. وتتيح المقارنة بين عدد العاملين في المهن الصحية في المناطق المختلفة تحديد الفجوات في القوى العاملة التي تؤثر في تقديم الخدمات الصحية. وفي السنوات 2021–2023، كان عدد الأطباء العاملين لكل 1,000 نسمة في ألوية حيفا وتل أبيب والمركز أعلى من المعدل القطري، في حين كان أدنى من هذا المعدل في ألوية الجنوب والشمال والقدس.

وفي مجال التمريض، تبدو الصورة مشابهة؛ فقد كان عدد الممرضين والممرضات العاملين لكل 1,000 نسمة في هذه السنوات أعلى من المعدل القطري في لوائي تل أبيب وحيفا، إذ بلغ 7.7 و6.9 على التوالي، مقارنة بمعدل قطري بلغ 5.4. أما في ألوية الجنوب والقدس والمركز والشمال، فكان العدد أدنى من المعدل القطري، إذ بلغ 4.5 و4.8 و4.9 و5.2 على التوالي.

وينعكس التوزيع الجغرافي غير المتكافئ للقوى العاملة الطبية أيضًا في فترات الانتظار للحصول على خدمات الطب الاستشاري في المجتمع المحلي؛ إذ يسجل لواء الجنوب أطول فترات انتظار، في حين يسجل لواء الشمال أقصرها.