30/09/2026 - 10:11

دراسة ألمانية: رائحة الجسم تحمل بصمات محتملة لأمراض عصبية

اختار الفريق ثلاث مناطق لجمع العينات، هي الجزء الأمامي من تجويف الأنف وسرة البطن والمنطقة المقعرة من صيوان الأذن، لكونها أقل تعرضًا نسبيًا للصابون والعطور ومنتجات العناية الشخصية...

دراسة ألمانية: رائحة الجسم تحمل بصمات محتملة لأمراض عصبية

توضيحية (Getty)

كشفت دراسة ألمانية صغيرة أن المركبات الكيميائية المتطايرة التي تُجمع من السرة والأنف والأذن قد تحمل أنماطًا تختلف باختلاف الحالة الصحية، في نتيجة أولية قد تفتح الطريق أمام تطوير وسائل غير جراحية للمساعدة في رصد بعض الأمراض.

وشملت الدراسة، التي أجراها باحثون من معهد "فراونهوفر للدوائر المتكاملة" والجامعة التقنية في دريسدن، 24 شخصًا، بينهم ستة مصابين بمرض باركنسون، وستة يعانون ضعفًا إدراكيًا بسيطًا، وستة مصابين بكوفيد-19، إلى جانب ستة أصحاء للمقارنة.

لكن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تتيح حاليًا تشخيص الأمراض من رائحة الجسم، إذ لا يزال العمل في مرحلة إثبات الفكرة، ويحتاج إلى دراسات أوسع تشمل أعدادًا أكبر وأكثر تنوعًا من المشاركين.

ويطلق جسم الإنسان باستمرار مركبات عضوية متطايرة تنتج عن عمليات الأيض، ويمكن العثور عليها في العرق وزيوت الجلد والنَّفَس والبول واللعاب. وتتأثر تركيبة هذه المركبات بعوامل مختلفة، بينها الغذاء والأدوية والحالة الصحية، ما دفع الباحثين إلى دراسة إمكانية الاستفادة من أنماطها الكيميائية في رصد الأمراض.

واختار الفريق ثلاث مناطق لجمع العينات، هي الجزء الأمامي من تجويف الأنف وسرة البطن والمنطقة المقعرة من صيوان الأذن، لكونها أقل تعرضًا نسبيًا للصابون والعطور ومنتجات العناية الشخصية.

كما يمكن للسرة، على وجه الخصوص، أن تحتفظ بالزهم وخلايا الجلد والميكروبات والإفرازات، ما يجعلها مصدرًا سهلًا نسبيًا للحصول على المركبات المتطايرة المرتبطة برائحة الجسم.

ومسح الباحثون كل منطقة مدة تقارب 10 ثوان باستخدام مسحات قطنية معقمة، ثم حُفظت العينات مجمدة قبل إخضاعها للتحليل.

واعتمد الفريق على تقنية المطيافية الضوئية الصوتية المعتمدة على الليزر، التي تستخدم أشعة ليزر في نطاق الأشعة تحت الحمراء لتحليل المركبات المتطايرة المنبعثة من العينات.

وعندما تمتص الجزيئات أطوالًا موجية محددة من الأشعة، تحدث تغيرات حرارية تولد موجات ضغط دقيقة يمكن قياسها، ما يسمح بتكوين بصمة طيفية للمزيج الكيميائي الموجود في كل عينة.

وبعد ذلك، استخدم الباحثون تحليل المكونات الرئيسية، وهو أسلوب إحصائي يتيح مقارنة الأنماط المعقدة ومعرفة مدى تجمع العينات أو انفصالها وفق الحالة الصحية.

وأظهرت النتائج وجود اختلافات على مستوى المجموعات الأربع، إلا أن القدرة على الفصل بينها تفاوتت تبعًا لموضع أخذ العينة.

وفي عينات السرة، ظهر أبرز فصل بين مجموعة الأصحاء والأشخاص الذين يعانون ضعفًا إدراكيًا بسيطًا، في حين تموضعت عينات المصابين بباركنسون وكوفيد-19 في منطقة وسطية مع تداخل جزئي بين المجموعتين.

ولا تعني هذه النتيجة أن الباحثين عثروا على مادة كيميائية محددة تشير إلى مرض بعينه، إذ اعتمدت الدراسة على مقارنة البصمة الطيفية الإجمالية للمركبات المتطايرة، وليس على تحديد مؤشر حيوي منفرد لكل مرض.

وفي تجربة إضافية لاختبار استقرار النتائج، حلل الفريق ثلاث عينات أنفية إضافية من أشخاص مصابين بباركنسون بعد نحو أسبوعين من القياسات الأولى، ووجد أن مواقعها ظلت قريبة من النمط الذي ظهر لدى مجموعة باركنسون الأصلية.

ويقدم ذلك مؤشرًا أوليًا إلى إمكانية استقرار بعض الأنماط بمرور الوقت، لكنه لا يثبت قدرتها على التشخيص، خصوصًا مع صغر عدد المشاركين.

كما توصل الباحثون إلى أن تحليل النطاق الكامل من الأشعة تحت الحمراء قد لا يكون ضروريًا، إذ أظهرت اختباراتهم أن خمس أطوال موجية فقط أمكنها الحفاظ على درجة من الفصل بين المجموعات قريبة من تلك التي تحققت باستخدام نطاق طيفي أوسع.

وقد تسمح هذه النتيجة مستقبلًا بتطوير أجهزة أصغر وأقل تعقيدًا وأقل تكلفة لتحليل البصمات الكيميائية، بدلًا من الاعتماد على تجهيزات مخبرية كبيرة.

ومع ذلك، تواجه الدراسة قيودًا واضحة، أبرزها أن كل مجموعة ضمت ستة أشخاص فقط، وهو عدد لا يكفي لحساب حساسية اختبار تشخيصي أو نوعيته أو قدرته على تحديد المرض بصورة موثوقة لدى أشخاص جدد.

كما رصد الباحثون ارتباطًا بين العمر وبعض الأنماط الطيفية. وبما أن باركنسون والضعف الإدراكي البسيط أكثر شيوعًا مع التقدم في السن، فإن العينة المحدودة لا تسمح بفصل تأثير العمر عن تأثير المرض بصورة حاسمة.

وأشار الباحثون أيضًا إلى أن الدراسة أُجريت في ظروف مخبرية مضبوطة إلى حد كبير، في حين يمكن أن تتأثر رائحة الجسم في الحياة اليومية بالنظافة الشخصية ومستحضرات العناية والعطور والبيئة والاختلافات الفردية.

ولم يختبر الفريق نموذجًا سريريًا قادرًا على استقبال عينة لشخص مجهول ثم تحديد مرضه بدقة، بل درس بصورة استكشافية ما إذا كانت البصمات الطيفية للمجموعات تظهر أنماطًا قابلة للتمييز إحصائيًا.

وتشير النتائج، في مجملها، إلى إمكانية استخدام المركبات المتطايرة المأخوذة بمسحات بسيطة من الجسم بوصفها مصدرًا لمعلومات قد تفيد مستقبلًا في تطوير أدوات فحص أولي غير جراحية.

غير أن الانتقال من هذه النتائج إلى الاستخدام الطبي يتطلب تجارب أكبر، تضم مشاركين متقاربين في العمر وأكثر تنوعًا، وتُجرى في ظروف أقرب إلى الحياة اليومية، إلى جانب اختبار قدرة أي نموذج مستقبلي على التمييز بين الأمراض بدقة لدى أشخاص لم تدخل بياناتهم في عملية تطويره.