شركات الذكاء الاصطناعي توسّع نفوذها السياسي في أوروبا وأميركا

تقول المحامية المتخصصة في القانون الرقمي والمقيمة في باريس، ألكسندرا إيتينو، إن القطاع وصل إلى نقطة تحوّل، معتبرة أن الشركات تنفق مبالغ ضخمة لمحاولة الدفع نحو إجراءات تنظيمية تناسب مصالحها...

شركات الذكاء الاصطناعي توسّع نفوذها السياسي في أوروبا وأميركا

توضيحية (Getty)

تكثّف شركات الذكاء الاصطناعي تحركاتها لكسب تأييد مسؤولين في أوروبا والولايات المتحدة، في مسعى للتأثير في حكومات تدرس أطرًا تنظيمية لتكنولوجيا يتزايد حضورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وبالتوازي مع الضغط السياسي، تعمل هذه الشركات، المدعومة بموارد مالية ضخمة، على استمالة الرأي العام وإقناعه بأن الذكاء الاصطناعي يمثل "قوة للخير"، ولا يشكل تهديدًا للوظائف أو للوجود البشري.

وفي هذا السياق، نشرت "أوبن إيه آي"، المطوّرة لـ"تشات جي بي تي"، هذا الشهر وثيقة من 13 صفحة بعنوان "السياسة الصناعية لعصر الذكاء الاصطناعي"، دعت فيها إلى فرض ضرائب إضافية وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، لضمان قدرة المجتمعات على التعامل مع أنظمة فائقة الذكاء.

كما اشترت الشركة برنامجًا حواريًا تقنيًا باسم "تي بي بي إن" (TBPN)، في خطوة تهدف إلى المساهمة في تشكيل السردية العامة حول الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه التحركات جاءت بعد أيام من غضب جماهيري أجبر "أوبن إيه آي" على تعليق خطط لإطلاق روبوت محادثة ذي محتوى جنسي.

وتواجه الشركة، في الوقت نفسه، دعاوى قضائية رفعتها عائلات مراهقين تقول إن "تشات جي بي تي" تسبب بأضرار لشباب وصلت في بعض الحالات إلى الانتحار، ما دفع "أوبن إيه آي" إلى إدخال نظام للتحقق من العمر.

وتقول المحامية المتخصصة في القانون الرقمي والمقيمة في باريس، ألكسندرا إيتينو، إن القطاع وصل إلى نقطة تحوّل، معتبرة أن الشركات تنفق مبالغ ضخمة لمحاولة الدفع نحو إجراءات تنظيمية تناسب مصالحها.

وفي واشنطن، غيّرت صناعة الذكاء الاصطناعي سريعًا طبيعة عمل جماعات الضغط. فبحسب منظمة "بابليك سيتيزن" المدافعة عن حقوق المستهلكين، عملت أكثر من 3500 مجموعة ضغط فدرالية، أي ربع إجمالي جماعات الضغط تقريبًا، خلال العام الماضي على قضايا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بزيادة بلغت 170% خلال ثلاثة أعوام.

ولا تزال شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "ميتا" و"غوغل" و"مايكروسوفت"، في صدارة الإنفاق على الضغط السياسي، فيما عززت شركات ناشئة، بينها "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"، حضورها في واشنطن عبر التعاقد مع شركات ضغط بارزة.

وركزت "أنثروبيك" على الترويج لفكرة الذكاء الاصطناعي الآمن وتشديد القواعد التنظيمية، بينما دفعت "أوبن إيه آي" باتجاه منع الولايات الأميركية من سنّ قوانين منفصلة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وقد أفشل الكونغرس هذا المسعى مرتين، رغم استمرار دعم البيت الأبيض له.

وامتد نفوذ القطاع إلى الحملات الانتخابية، إذ جمعت مبادرة مؤيدة للذكاء الاصطناعي تحمل اسم "قيادة المستقبل" 100 مليون دولار لدعم مرشحين مؤيدين لهذه التكنولوجيا في انتخابات التجديد النصفي عام 2026.

ويُعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بموقفه المعارض بشدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، من أبرز المستفيدين من تبرعات سام ألتمان، الشريك المؤسس لـ"أوبن إيه آي"، ورئيس الشركة غريغ بروكمان.

وفي أوروبا، يواجه المنظمون ضغوطًا مشابهة، بعدما طرحت الشركة الفرنسية الناشئة "ميسترال" خطة من 22 نقطة لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي في القارة. وبحسب دراسة أعدتها منظمتا "المرصد الأوروبي للشركات" و"لوبي كونترول" غير الربحيتين، ارتفع إنفاق قطاع التكنولوجيا على جماعات الضغط بنسبة 55% منذ عام 2021، ليصل إلى 151 مليون يورو، أي نحو 177 مليون دولار، في العام الماضي.

وتقول مارغريدا سيلفا، من مركز أبحاث الشركات متعددة الجنسيات "سومو" في هولندا، إن شركات الذكاء الاصطناعي تستخدم دليلًا شبيهًا بما اتبعته صناعتا النفط والتبغ، لكنها تتميز عنهما بكونها من أغنى الشركات في العالم، وبقدرتها على توجيه أموال هائلة نحو الضغط السياسي.

وترى سيلفا أن الضغط المكثف المدعوم بهذا القدر من تركّز الثروة، حين يعرقل تشريعات تخدم المصلحة العامة، يتحول إلى تهديد ديمقراطي.

من جهته، يقول شارل تيبو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "سيانس بو - ستراسبورغ" شرق فرنسا، إن كثيرًا من المديرين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا الكبرى يسعون إلى بناء علاقات ودية مع السياسيين، للحفاظ على قنوات اتصال مميزة مع الإدارات العامة.

ويشير تيبو إلى أن القادة السياسيين يحرصون غالبًا على الظهور إلى جانب شخصيات بارزة في قطاع الذكاء الاصطناعي، ولو بهدف جذب جزء من إنفاق هذه الشركات الضخم على التطوير إلى ولاياتهم أو مناطقهم.

لكن إيتينو تؤكد أن المشرّعين ليسوا سذّجًا، مشيرة إلى أن الحماسة المحيطة بالذكاء الاصطناعي لم تبدد القلق العام من عواقبه المحتملة.

ورغم الإنفاق الواسع في الولايات المتحدة، تُظهر استطلاعات الرأي بانتظام أن الأميركيين ما زالوا متشككين في فوائد الذكاء الاصطناعي، وقلقين من احتمال أن يؤدي توسعه إلى فقدان ملايين الوظائف.