تسريحات الموظفين في الشركات الكبرى تكشف كلفة سباق الذكاء الاصطناعي

بحسب خبراء، لا تبدو التحولات الحالية نهاية للعمل بقدر ما تشير إلى تراجع نمط العمل التقليدي، وصعود نموذج يعتمد على فرق أصغر ومهارات تقنية أعلى وأنظمة رقمية أكثر قدرة على تنفيذ المهام...

تسريحات الموظفين في الشركات الكبرى تكشف كلفة سباق الذكاء الاصطناعي

توضيحية (Getty)

تتسارع موجة التسريحات في قطاع التكنولوجيا مع توسّع الشركات الكبرى في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي، في تحول يعيد رسم سوق العمل داخل وادي السيليكون ويثير أسئلة متزايدة حول مستقبل الوظائف التقليدية في الشركات التقنية.

وبحسب تقارير حديثة، شملت قرارات التسريح خلال أسبوع واحد أكثر من 20 ألف موظف في "ميتا" و"مايكروسوفت"، فيما تجاوز عدد الوظائف المفقودة في قطاع التقنية منذ مطلع العام 50 ألفًا. وتربط هذه التقارير بين التخفيضات الواسعة في العمالة وبين زيادة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتقول شركات إن ما يجري يندرج ضمن إعادة هيكلة بعد موجة التوظيف الكبيرة التي رافقت جائحة كورونا، حين توسّعت الحاجة إلى وظائف مرتبطة بالعمل عن بُعد والتطبيقات الرقمية. غير أن مراقبين يرون أن التخفيضات لم تعد مرتبطة فقط بخفض الرواتب، بل بإعادة توجيه الموارد نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي وأدواته.

وأظهرت دراسة لشركة "موشن ريكروتمنت" الأميركية، المتخصصة في التوظيف التقني، أن اعتماد الشركات الكبرى على الذكاء الاصطناعي يبطئ التوظيف، خصوصًا في الوظائف الابتدائية وأدوار تقنية المعلومات العامة، مقابل ارتفاع الطلب على متخصصي الذكاء الاصطناعي. كما أظهر استطلاع لموقع "ريزوم" شمل ألف مدير توظيف أميركي أن 55% منهم يتوقعون تسريحات في شركاتهم هذا العام، فيما عدّ 44% الذكاء الاصطناعي المحرّك الرئيسي لهذه القرارات.

ولم تقتصر الموجة على الشركات الكبرى، إذ أشارت التقارير إلى تسريحات واسعة في شركات عدة، بينها "أوراكل" التي سرّحت 30 ألف موظف، أي 18% من قوتها العاملة، بالتزامن مع استثمارات كبيرة في بنية الذكاء الاصطناعي. كما خفّضت "بلوك" عدد موظفيها بنحو 4000، واستغنت "وايز تك غلوبال" عن 2000 موظف، أي 30% من قوتها العاملة، فيما سرّحت "أتلاسيان" 1600 موظف، معظمهم في مجالات البحث والتطوير.

وتشير المعطيات إلى أن التسريحات استهدفت فئات محددة، في مقدمتها وظائف البرمجة الروتينية وصغار المهندسين والإدارة الوسطى وبعض وظائف التسويق والإبداع وخدمة العملاء والعمليات. ووفق التقارير، سرّحت "سناب" 1000 موظف، أي 16% من قوتها العاملة، مع تزايد اعتمادها على الذكاء الاصطناعي في إنتاج الشيفرة البرمجية الجديدة.

كما اتجهت "مايكروسوفت" إلى تقديم عروض شراء خدمة طوعية لموظفين في الولايات المتحدة ممن يبلغ مجموع أعمارهم وسنوات خبرتهم 70 عامًا أو أكثر، في خطوة تستهدف تقليص بعض الأدوار الإدارية الأعلى كلفة. وفي قطاع الإعلام والترفيه، بدأت "ديزني" حملة تسريحات شملت 1000 وظيفة في التسويق والتلفزيون واستوديوهات بينها "بيكسار" و"مارفل"، ضمن مسعى إلى بناء قوة عاملة أكثر مرونة واعتمادًا على التقنية.

وفي المقابل، تكشف موجة التسريحات عن مفارقة واضحة في ميزانيات شركات التكنولوجيا؛ فبينما يجري الاستغناء عن آلاف الموظفين في وظائف تقليدية، تحتدم المنافسة على استقطاب مهندسي وباحثي الذكاء الاصطناعي. وتؤدي هذه الفجوة إلى رفع كلفة المواهب المتخصصة في تطوير النماذج الذكية والوكلاء الرقميين.

وترى تقديرات في القطاع أن الإنتاجية الفردية باتت معيارًا أساسيًا في تقييم الشركات، بعدما أصبح بوسع الموظف المدعوم بأدوات ذكاء اصطناعي أداء مهام كانت تتطلب سابقًا فرقًا أكبر.

وبحسب خبراء، لا تبدو التحولات الحالية نهاية للعمل بقدر ما تشير إلى تراجع نمط العمل التقليدي، وصعود نموذج يعتمد على فرق أصغر ومهارات تقنية أعلى وأنظمة رقمية أكثر قدرة على تنفيذ المهام.