برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز ملفات التنافس بين الولايات المتحدة والصين خلال زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى واشنطن، في ظل سباق متسارع بين القوتين على التفوق في التكنولوجيا والقدرات العسكرية والاقتصادية، وصعوبة التوصل إلى تفاهمات واسعة بشأن مخاطر التقنية وضوابط تطويرها.
وتشير تقديرات خبراء غربيين إلى أن الولايات المتحدة تتقدم بنحو ستة أشهر على الصين في أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطورًا، إلا أن هذه الفجوة لا تعكس وحدها موازين المنافسة المعقدة، إذ تتمتع كل دولة بمزايا مختلفة يمكن أن تؤثر في مسار السباق خلال السنوات المقبلة.
وتملك الولايات المتحدة أفضلية واضحة في مجال الرقائق المتقدمة، إذ تصمم شركات أميركية معظم المعالجات المتخصصة المستخدمة في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، وفي مقدمتها "إنفيديا".
كما فرضت إدارات أميركية متعاقبة، خلال العقد الماضي، قيودًا على تصدير الرقائق المتطورة إلى الصين.
وتعد ندرة الرقائق المتقدمة من أبرز العقبات التي تواجه الشركات الصينية، ما دفع بعضها إلى إنفاق مئات ملايين الدولارات لتأمين احتياجاتها، بما في ذلك الحصول على قدرات حوسبة عن بُعد من مراكز بيانات خارج الصين.
وأسهمت هذه الوسائل خلال العام الماضي في تقليص الفجوة بين بعض الأنظمة الصينية ونظيراتها الأميركية المتقدمة.
وفي المقابل، تعمل بكين على بناء صناعة محلية للرقائق، تتصدرها "هواوي"، غير أن الشركة لا تزال، وفق تقديرات واردة في المادة، بعيدة عدة سنوات عن إنتاج معالجات تضاهي أداء أفضل رقائق "إنفيديا" الحالية.
ورغم استخدام شركات ذكاء اصطناعي صينية رقائق "هواوي"، فإن قدراتها ما تزال أقل ملاءمة لتطوير النماذج الأكثر تقدمًا، فيما واجهت شركات مثل "مونشوت" صعوبة في توفير قدرات حوسبة كافية لمواكبة الطلب.
وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، تبدو البيئة الصينية أكثر تقبلًا للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة، تصاعدت المخاوف المتعلقة بتأثير التقنية في الوظائف والتعليم والسلامة، وأظهر استطلاع لمركز "بيو" أن 60% من الأميركيين المشاركين فيه لا يشعرون بالارتياح إزاء إنشاء مركز بيانات جديد في مناطقهم.
في المقابل، أظهر استطلاع أجرته "كي بي إم جي" في 47 دولة أن 69% من المشاركين في الصين يرون أن فوائد الذكاء الاصطناعي تفوق مخاطره، مقارنة بـ35% في الولايات المتحدة.
كما أصبحت التطبيقات المعتمدة على التقنية أكثر حضورًا في الحياة اليومية بالصين، من الروبوتات المستخدمة في الفنادق والمطاعم إلى روبوتات المحادثة الطبية في المستشفيات.
وتظهر فروق إضافية في قدرة اقتصادي البلدين على استيعاب الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
في الولايات المتحدة، لم تظهر حتى الآن في البيانات الاقتصادية آثار واسعة لفقدان الوظائف نتيجة التقنية، رغم مؤشرات على تباطؤ نمو الأجور وتراجع فرص العمل في بعض المهن الأكثر تعرضًا للأتمتة، ولا سيما بالنسبة إلى العمال الشباب.
أما الصين، فتواجه تحديات اقتصادية تشمل ارتفاع بطالة الشباب وضعف إنفاق المستهلكين والضغوط الانكماشية، وسط تحذيرات من اقتصاديين صينيين من أن توجيه استثمارات ضخمة نحو الذكاء الاصطناعي قد يزيد الضغوط على الاقتصاد.
ويمتد الاختلاف بين البلدين إلى طريقة تطوير النماذج نفسها. ففي الولايات المتحدة، تفرض شركات مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" قيودًا مشددة على استخدام تقنياتها، وتعمل على بناء وسائل حماية تستهدف الحد من توظيفها في التضليل أو الهجمات الإلكترونية، بالتوازي مع دعوات إلى رقابة اتحادية أشد على الأنظمة المتقدمة.
وفي الصين، تميل شركات بارزة، بينها "ديب سيك" و"مونشوت" و"زد.إيه آي"، إلى إتاحة نماذجها القوية بنظام المصدر المفتوح، ما يسمح للمطورين باستخدامها وتعديلها والبناء عليها.
ويتيح هذا النهج للشركات الصينية تبادل التطورات بوتيرة أسرع، ويمكن أن يمنحها نفوذًا واسعًا إذا أصبحت نماذجها المفتوحة أساسًا تعتمد عليه شركات ومطورون في أنحاء العالم.
وتحمل النماذج المفتوحة في الوقت نفسه مخاطر أمنية، إذ يمكن استخدامها في هجمات إلكترونية، لكن خبراء أمنيين يشيرون إلى إمكان الاستفادة منها كذلك في تطوير أدوات دفاعية مضادة للهجمات.
وتملك الصين عاملًا آخر قد يصبح حاسمًا، هو الطاقة الكهربائية. فمراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، وتواجه الشركات الأميركية صعوبات متزايدة في الحصول على الطاقة المطلوبة من شبكة الكهرباء الحالية، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر إضافية تشمل الرياح والطاقة النووية وتوربينات الغاز.
ويرى أندرو فيلدمان، الرئيس التنفيذي لشركة "سيريبراس"، أن الاستثمارات الصينية المستمرة منذ سنوات في تحديث شبكة الكهرباء قد تمنح بكين أفضلية كبيرة إذا تمكنت في الوقت نفسه من تجاوز مشكلة الرقائق.
وتتفوق الصين أيضًا، وفق دراسات أوردتها المادة، في إنتاج الكفاءات البشرية المتخصصة.
ومنذ 2024، أشارت بعض المقاييس إلى أن باحثين مولودين ومتعلمين في الصين يشكلون قرابة نصف أبرز الباحثين في الذكاء الاصطناعي عالميًا، مقابل نحو 18% للولايات المتحدة.
ولعب باحثون صينيون دورًا مهمًا لسنوات داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية والجامعات والشركات، إلا أن عددًا متزايدًا منهم بات يبقى في الصين للعمل لدى شركات مثل "مونشوت" و"زد.إيه آي" و"ديب سيك".
وهكذا، لا يقتصر سباق الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين على جودة النماذج وحدها؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بأفضلية كبيرة في الرقائق المتقدمة ومرونة الاستثمار، بينما تراهن الصين على الطاقة والمواهب والمصدر المفتوح وبناء صناعة محلية للمعالجات، ما يجعل التنافس بين البلدين موزعًا على مجموعة مترابطة من الموارد التكنولوجية والاقتصادية والبشرية.