في البيوت الريفية الكينية ينفق الأهالي ثلث دخلهم -على الأقل- على الكيروسين للإضاءة، وعلى الديزل لطحن الحبوب، وهذا ليس حالهم وحدهم؛ فهناك ما يقرب من 2 بليون شخص حول العالم -ثلث سكان الأرض- ليس لديهم شبكة توصيل كهرباء، وبالتالي يعتمدون على الوقود الحفري لتلبية احتياجاتهم من الطاقة.
وفي أغلب الأحيان يعد الوقود الحفري غالي الثمن بالنسبة لهؤلاء؛ فهذه المشكلة تتركز بصورة أعمق في البلاد النامية؛ لذلك أقامت مجموعة تنمية التكنولوجيا الوسيطة Itdg -Intermediate Technology Development Group- برامج للطاقة في هذه البلاد تهدف لإمداد الفقراء بامتيازات تكنولوجيا الطاقة بطريقة مبسطة، فعالة وغير مكلفة.
فهي تحرص على أن تكون التكنولوجيا ملائمة ليس فقط للبيئة -حيث تستخدم مصادر الطاقة المتجددة- لكن الأهم أن تكون ملائمة للمجتمع نفسه؛ حيث يمكنه أن يشارك في تشييد وصيانة المشروع بنفسه. وكان نتاج تلك البرامج "المنظومة المائية الدقيقة" Microhydro System، التي تمت تجربتها بنجاح في عدة دول؛ منها: كينيا، نيبال، بيرو، وسيريلانكا.
هذا النظام المولد للطاقة لا يحتاج إلى سدود أو مشاكل تخزين؛ فالفكرة ببساطة تعتمد على وجود نهر أو أي مجرى مائي قريب. وتبدأ العملية بتحويل كمية من مائه -بواسطة سد صغير- إلى حوض مائي أو بركة، يتم فيها تنقية المياه من أي رواسب عالقة قد تؤذي التربينة. بعد ذلك تتجه المياه إلى خزان أمامي من خلال قناة، ثم توجه المياه بانحدار من خلال أنبوب إلى تربينة (محرك يدار بقوة الماء) طورت خصيصًا لهذا المشروع لتوليد الكهرباء بقوة المياه المندفعة.
تلك المنظومة مجهزة للعمل على الأقل 20 عامًا إذا توافرت الصيانة اللازمة. ويدفع المستفيد مبلغًا ضئيلا من المال في مقابل الاستفادة من الكهرباء المولدة، هذه الأموال تستخدم في صيانة المعدات، وتوفر ضمانًا لاستبدالها بعد إنهاء خدمتها. وبالطبع فإن المشروع يعمل على تدريب المحليين لصيانة أنظمتهم بأنفسهم، وبذلك تمول المشاريع نفسها، وتعتمد على قدرات أفرادها فلا تحتاج إلى معونة خارجية ثانية في يوم من الأيام.
كل كيلووات من الطاقة المولدة تكلف ما يقرب من 800 دولار أمريكي، وتكفي حوالي 6 كيلووات لإمداد الكهرباء بشكل دوري لمجتمع قوامه 500 شخص؛ أي تكلفة تقدر بـ5 آلاف دولار، وهى أرقام لا يمكن مقارنتها بتكاليف السدود العملاقة التي تعتبر أغلى المشروعات في العالم. وبجانب توفير الطاقة اللازمة للإضاءة المنزلية فإن المنظومة المائية الدقيقة تدخل في أنشطة أخرى للمجتمع؛ مثل طحن الحبوب، وشحن البطاريات، وغيرها من الأنشطة حسب احتياجات كل مجتمع.
وبذلك فهي تؤدي بصورة غير مباشرة إلى زيادة الدخل القومي للفرد، ومكافحة مشاكل الفقر المدقع الذي يعيش فيه كثير من أبناء القرى النائية المعدمة، والتي يخدمها المشروع بالدرجة الأولى. قد يفهم البعض أن هذا المشروع يطبق حينما لا تستطيع السدود العملاقة الوصول إلى المجتمعات، لكن التجربة الواقعية أثبتت أن "الأنظمة المائية الدقيقة" أكثر فعالية وأمنًا من السدود العملاقة.
بالمقارنة العلمية فإن مشروعنا المبسط ليس له أي أضرار تذكر بالبيئة، بعكس محطات الطاقة المائية التقليدية التي يضطر القائمون عليها إلى قطع الأشجار والطرق، والتأثير على الأراضي الزراعية لإقامة هذه المشاريع. كما أن المساحات الشاسعة من المياه وراء السدود تبعث كميات كبيرة من ظاهرة غازات البيوت الخضراء، وتؤثر سلبيًّا على المناخ.
المحطات التقليدية لا تصل إلى الأماكن النائية، بينما تصل الأنظمة الدقيقة إليها دون تكاليف نقل أو فقدان للطاقة؛ لأنها دائمًا تُشيَّد قريبًا من مستخدميها، بل وتعتمد السدود العملاقة على أنابيب طويلة ثابتة غير متجددة وأحيانًا ضارة صحيًّا بسبب الترسيبات مع مرور الوقت، هذا بخلاف عدم التزام الممولين -في الغالب- بالمقاييس الصحية الدقيقة.
وفي كينيا حيث يعيش 96% من الكينيين بدون شبكة كهرباء نلمس التجربة من أرض الواقع؛ حيث أقيم مشروع منظومة المياه الدقيقة هناك في واحدة من أفقر القرى الكينية.. قرية "مبوروا" (200كم شمال نيروبي)، وهي مثال واضح للحياة الصعبة التي يعيشها كثير من الفقراء حول العالم. لكن بمشروع "تانجو كابري" للطاقة استطاع القرويون بإرادتهم أن يغيروا من واقعهم في قرية فقيرة لديها فرص قليلة للتغيير.
في البداية حددت معالم المشروع؛ حيث تم اختيار النهر الذي سيخدم المشروع، وذلك بعد دراسة تاريخ الأنهار القريبة من القرية لـ40 سنة مضت -من حيث التعرض لموجات الجفاف والاستقرار- ثم تم شرح المشروع للقرويين شرحًا تفصيليًّا.
حدد الفلاحون يوم الخميس من كل أسبوع -ولمدة شهور- لبناء السد والقناة؛ حيث إن القناة وحدها تحتاج إلى أسابيع لحفرها. كما اتجهت مجموعات أخرى إلى تنظيف المياه من القاذورات، وأخرى لبناء خزان لتخزين المياه.
وتم تنفيذ المشروع بنجاح، وتعلم القرويون تولي المشروع بأنفسهم كاملا. وقد بدأ بتوليد ما يقرب من 18 كيلووات من الطاقة الكهربائية التي تكفي لإضاءة 90 منزلا، وستصل إلى 200 منزل في نهاية الخطة. وبدأ القرويون بإقامة بعض المشاريع الصغيرة معتمدين على الكهرباء التي أصبحت في متناول أيديهم.
31/10/2010 - 11:02
أنهار تفيض بالكهرباء.. للفقراء فقط