سينما جنين؛ من صرح ثقافي إلى مبنى تجاري؟!

سينما جنين خلال افتتاحها عام 2010 | عدسة بيير جون

تراجع ربحيّ ملحوظ شهدته سينما جنين في السنوات الثلاث الأخيرة، ما أدّى إلى عرضها للبيع من قبل ملّاكها من القطاع الخاصّ، لتغلق أبوابها في وجه الثقافة والفنّ وتشرعه للاستثمار والمستثمرين.

شهدت سينما جنين أجواءً متوتّرة منذ يوم الجمعة، 26 آب (أغسطس)، بعد اتّخاذ مُلّاكها، بالإجماع، قرارًا ببيعها، إذ يرون أنّها مشروع تجاريّ غير مجدٍ ماليًّا. عبّر الدكتور مطيع الأسير، والذي تملك عائلته حصّة الأسد من أسهم السينما، عن رغبة مُلّاكها بالاستفادة أكثر من حصصهم، كون السينما تقع في مركز المدينة، وهو منطقة تجاريّة استراتيجيّة. ومنذ إفصاح المساهمين عن نيّتهم بيعها، بدت ذاكرة سينما جنين وحاضرها مهدّدين بالزوال.

ما عاشته السينما

افتُتِحَت سينما جنين عام 1958، ثمّ أُغْلِقَتْ في الانتفاضة الأولى، إلى أن جاء السينمائيّ الألمانيّ ماركوس فيتر، ليوثّق سينمائيًّا قصّة استشهاد الطفل الفلسطينيّ أحمد الخطيب من جنين، وقد أصرّ على أن يُعرض الفيلم في السينما، فبادر إلى ترميمها بإيعاز من وزارة الخارجيّة الألمانيّة ومجموعة من المتبرّعين الألمان والمحلّيّين، فأُعيد افتتاحها عام 2010، وعُرِضَ فيها فيلم "قلب جنين" من إخراج فيتر، وهو أوّل فيلم يُعْرَض فيها منذ الانتفاضة الأولى، ويتناول حكاية والد الطفل الخطيب وما عاناه من استشهاد ابنه.

السينما قبل الترميم

لم يمض على إعادة افتتاح السينما عامان حتّى أُقْحِمَت في مسار التطبيع، فتمويل الألمان لها كان تحت شعار "السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين"، ما جعل أجنداتها تتضمّن عروضًا لأفلام يشارك فيها مخرجون إسرائيليّون، وهو ما أحدث استياءً شعبيًّا نتج عنه انتقال إدارة السينما من الألمان إلى إداريّين محلّيّين، آخرهم ميساء الأسير.

حافظت السينما بإدارتها الحاليّة على الروح الوطنيّة، إذ استضافت عدّة مهرجانات دوليّة وفنّانين من مختلف أنحاء العالم، لكن مع تسليط الضوء على الحالة الفلسطينيّة الراهنة وقضايا المجتمع الفلسطينيّ الذي ينتمي إليه جمهورها، والذي بات يترقّب مصير أبرز المعالم الثقافيّة في جنين!

الذاكرة والمستقبل

"أذكر جيّدًا اللحظات التي كنّا ننتظر فيها ليلى مراد في فيلم ’الماضي المجهول‘ على أبواب سينما جنين، منذ الخمسينات، ونهتف على ألحان الشيخ إمام... ما زال أحفادي يرتادون السينما حتّى اليوم، وأظنّ أنّ بيعها يعني التخلّي عن ذاكرتنا تلك، وليس فقط عن المكان."

هذا ما علّق به الحاجّ الثمانينيّ، أبو إبراهيم، فور سماعه خبر بيعها، وقد شاطرته المؤسّسات الثقافيّة المحلّيّة استياءه من تحويل السينما من صرح ثقافيّ إلى مبنًى تجاريّ.

إحياء الذكرى الـ 65 للنكبة

جاء ذلك الاستياء بعد الشرارة الأولى التي أطلقها مدير فرقة الكمنجاتي الموسيقيّة، إياد استيتي، معلنًا عن نيّة مُلّاك السينما بيعها، وذلك في منشور على فيسبوك، جاء فيه: "على مدار الـ 7 سنوات الماضية، شكّلت سينما جنين الحاضن الرئيسيّ للعديد من المبدعين والنشاطات الثقافيّة التي حقّقت نقله نوعيّة على مستوى محافظة جنين بأكملها .أتمنّى من مالكي مبنى سينما جنين أن يسمعوا رسالتي ودعوتي هذه للإبقاء على السينما والعمل على تطويرها والرجوع عن قرارهم بإغلاقها في وجهنا، لأنّنا في أمسّ الحاجة لها، كما أنّها الملجأ الوحيد للعشرات من المبدعين في مدينتنا جنين، وإغلاقها سيدمّر طموحاتهم وأحلامهم بمستقبل مشرق."

ويؤكّد استيتي في حديث مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة على حقّ مُلّاك السينما التصرّف في ملكهم الخاصّ، "لكنّنا نحاول إتاحة المجال أمام جهات معنيّة بالإرث الثقافيّ والفنّيّ لاحتضان السينما وشرائها."

وعبّرت مدرّبة فرقة نقش في جنين، دينة الأسير، عن استيائها من هذا القرار، واصفة سينما جنين "بالأمّ" التي احتضنت الفنّ، وشدّدت على ضرورة إنقاذها، لتبقى الأجيال القادمة تتنفّس الفنّ والثقافة.

فرصة حقيقيّة

ومن منطلق الحفاظ على سينما جنين ودورها الثقافيّ، توجّهت مؤسّسات ثقافيّة عديدة إلى مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة الرسميّة، وتحديدًا وزارة الثقافة، مطالبة بشراء حصص المساهمين في السينما وتحويلها من ملكيّة خاصّة إلى ملكيّة حكوميّة، وقد أرسل الكاتب الفلسطينيّ، الدكتور عدنان الصباح، رسالة إلى وزارة الثقافة، يطالبها بالتدخّل في هذا الشأن إنقاذًا لسينما جنين.

من حفل افتتاح سينما جنين

وفي تصريح لوزير الثقافة الفلسطينيّ، الدكتور إيهاب بسيسو، حول هذه القضيّة لفُسْحَة، قال: "نتابع قضيّة سينما جنين بكامل الحرص والجدّيّة، وقد طلبنا معلومات إضافيّة إثر رسالة الدكتور عدنان الصبّاح التي وصلتنا بهذا الخصوص. المهمّ لدينا ضمان تشغيل السينما مؤسّسةً ثقافيّةً يمكنها العمل على تعزيز الفعل الثقافيّ في المحافظة، وهذا يتطلّب تعاون الجميع مع وزارة الثقافة؛ القطاع الخاصّ ومؤسّسات المجتمع المدنيّ والمؤسّسات الرسميّة. لدينا فرصة حقيقيّة لإنقاذ سينما جنين بتضافر الجهود كافّة ضمن خطّة وطنيّة مدروسة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ لسينما جنين دور استراتيجيّ يمكن أن تؤدّيه مع أهلنا في أراضي 48، من خلال تنظيم فعاليّات تُعَزّز من الهويّة الوطنيّة. المسؤوليّة لا بدّ وأن تكون مشتركة لحلّ هذه القضيّة الثقافيّة الوطنيّة."

احتمالات

يقترح عدد من المواطنين تحويل السينما من ملكيّة خاصّة إلى ملكيّة عامّة عن طريق بيعها لبلديّة جنين، والتي أبدت استعدادها لدراسة استملاك المشروع، بعد تقديم المُلّاك طلبًا رسميًّا من البلديّة لشراء أسهمهم في السينما. كما قال لفُسْحَة مسؤول العلاقات في بلديّة جنين، محمّد الزعبي.

وأضاف الزعبي: "البلديّة في صدد إنشاء مبنًى ثقافيّ كبير، يستوعب أكثر من 200 شخص، ولذلك فهي مرهقة مادّيًّا."

مقصف السينما

ونظرًا لاقتراب انتخابات البلديّة، طالبت المؤسّسات الثقافيّة أن تُمنح قضيّة سينما جنين الأولويّة في أجندات برامج المرشّحين الانتخابيّة.

ومن المهمّ ذكره، أنّ روّاد الثقافة في منطقة جنين يجرون اتّصالات حثيثة مع رجال أعمال محلّيّين لتبنّي السينما في حال لم تتمكّن الجهات الرسميّة من شرائها، حسب ما قال إياد استيتي، شاكرًا مساهمة مُلّاك المشروع في حثّ الجهات الرسميّة على شرائه، لا سيّما الدكتور مطيع الأسير ومراسلاته مع وزير الثقافة، لتفضيله بيع السينما إلى جهة ثقافيّة، حتّى لو بيعت بسعر أقلّ ممّا يُعْرَضُ عليه من جهة تجاريّة.

تعليقات Facebook