"غرافيكيّون": فنّانون يواجهون البشاعة وحدهم

بعض الفنّانين المشاركين

انطلق يوم السبت، 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، معرض 'غرافيكيون' لفنّ الحفر والطباعة في 'جاليري زارا سنتر' بعمّان، وقد ضمّ أعمال عشرين فنّانًا وفنّانة من الأردنّ والوطن العربيّ، تنوّعت أجيالهم وخبراتهم تنوّعًا ملحوظًا. أمّا رعاية المعرض، فكتبت حولها الفنّانة الأردنيّة نعمت الناصر عبر حسابها في فيسبوك: 'هناك من يسألني المعرض تحت رعاية من؟! فأقول إنّ معرضنا تحت رعايتكم ورعاية محبّتكم أنتم، لا نحتاج أن يكون تحت رعاية أيّ من الأسماء والألقاب، هذا جهدنا جميعًا وأنتم رعاته، وستحكمون عليه بمدى إعجابكم بأعمالنا.'

أعمال غير متشابهة

تدخل في إطار فنّ الغرافيك أشكال فنّيّة متنوّعة، من ضمنها الحفر والطباعة، كما يستدعي استخدام موادّ خطيرة مثل المركّبات النفطيّة والأسيد وغيرها، ومن خلال جولة في المعرض، يمكن للرائي أن يلمس تنوّعًا محمودًا ومنشودًا على مستوى التكنيك المستخدم في اللوحات، وعلى مستوى المواضيع التي خاضها الفنّانون، عدا عن تمايز الخطوط والألوان، ما يجعل الأعمال المشاركة مختلفة جدًّا عن بعضها وغير متشابهة. 

جانب من المعرض

أمّا الفنّانون المشاركون في المعرض، والذي يستمرّ حتّى الثاني من كانون الأوّل: نعمت الناصر، وسحر قمحاوي، وآمال جلوقة، وآلاء نادر، ومحمّد ملكاوي، وفاطمة سمارة، ودانة عمرو، وهبة مسعد، وسلمى زكريّا، ولينا صالح، وسارة راجي، ونسرين صبح، ووائل الوريث، وعدلة زياد، وسهيل بقاعين، ودينا عقل، ومحمد سباعنة، وفراس العدوان، وإبراهيم نوفل.

بقعة إبداع

أجرت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة حوارات مع بعض الفنّانين المشاركين، فأوضحت الفنّانة نعمت الناصر أنّ فكرة المعرض من اجتهاد الفنّانين المشاركين، إذ رأوا أنّ بإمكانهم إنجازه دون رعاية، معتمدين على جهودهم الخاصّة، وتابعت: 'لا يحتاج فنّ الرسم إلى أكثر من فنّان ولوحة وفرشاة وألوان، وأن تختار أيّ جزء من بيتك لإنجاز عمل فنّيّ زيتيّ أو آكريليك؛ أمّا إنجاز عمل غرافيكيّ فيحتاج إلى مكبس، وأحبار، وأدوات حادّة، ورول، وموادّ نفطيّة وعازلة، وأحواض أسيد (حامض النيتريك)، ولا يمكن أن تضع كلّ هذه الموادّ في بيتك لإنجاز العمل كما هو حال الرسم، لأنّها تأخذ حيّزًا كبيرًا، بالإضافة إلى الخطورة التي يمكن أن تشكّلها على أهل البيت، ولا بدّ من حفظها بعيدًا عن أماكن السكن، كما يتطلّب الأمر أن تعمل مع مجموعة فنّانين مختصّين في هذا المجال.'

الفنّانة نعمت الناصر

وأضافت الناصر: 'هذا ممّا يميّز المعرض المتخصّص في فنون الغرافيك بمختلف أنواعه وأقسامه، وقد اجتمعت فيه تجارب مختلفة متنوّعة الأجيال، لأساتذة وخبراء، وفنّانين هواة، وطلبة كلّيّات وخرّيجين جدد. لقد اختفت فوارق العمر وحضر الإبداع والثقافة والخبرة الفنّيّة.' كما عبّرت الناصر عن سرورها البالغ بالتعاون الذي أدّى بالأجيال الفنّيّة المشاركة إلى النجاح في إطلاق بقعة إبداع في عتمة هذا الزمن.

حفر على اللونوليوم

أمّا الفنّان محمّد سباعنة القادم من فلسطين، فقد قدّم صنفًا فنّيًّا مختلفًا عن الذي عرفناه به؛ فهو لم يقدّم رسمًا كاريكاتوريًّا، بل لوحات حفر على اللونوليوم، استمدّت موضوعاتها من الهمّ الوطنيّ، ويبدو أنّها تقاطعت مع تاريخ التشكيل الفلسطينيّ، فبدت إحداها ممسوسة مسًّا جميلًا بملصقات الثورة الفلسطينيّة. وقال سباعنة إنّ الفنّانة نعمت الناصر اقترحت هذه الفكرة عليه، طالبة منه أن يجرّب الخوض في فنّ الحفر، وذلك خلال زيارته لمشغلها في عمّان، ليعود من فلسطين حاملًا معه مفاجأته الجديدة. ويرى سباعنة أنّ كلّ تجربة احتكاك مباشر مع الجمهور تكسبه إضافة، موضحًا أنّ ملاحظة إحدى زائرات معرض سابق له صنعت خطوة جديدة في طريقه.

الفنّان محمّد سباعنة

 

روح مجهدة ومجتهدة

أمّا الفنّان إبراهيم نوفل، الذي ما زال يدرس الفنون الجميلة في الجامعة الأردنيّة، فيصف مشاركته بأنّها 'جاءت في وقتها'، كانطلاقة حقيقيّة، من خلال عرض لوحاته إلى جانب فنّانين محترفين، ليصبح عمله جزءًا فاعلًا وأصيلًا من مجمل العمل الفنّيّ في الأردنّ أو في المنطقة. وسرد نوفل لفُسْحَة رحلة اختياره للوحاته، إذ قصد أن تكون متنوّعة في موضوعاتها وأساليبها.

وعن الروح المجهدة المجتهدة التي تبرز في ملامح لوحاته كلّها، يقول نوفل إنّ الفنّ انعكاس للحياة، التي تصير لاحقًا انعكاسًا لهذا الفنّ، وتبقى الصور تتوالد وتتحاور في المرآتين، معبّرة عن الهمّ والهاجس الذي يسكننا كلّ وفق ما يحسّ.

تراجع

أمّا الفنّانة هبة مسعد، فتعبّر عن ابتئاسها من المشهد، إذ ترى أنّ جمهور الفنّ في تراجع في الأردنّ، فلم تشهد أيّام المعرض حضورًا ملحوظًا، عدا اليوم الأوّل الذي شهد حضور المهتمّين، والذين يعملون وينشطون في دوائر على اتّصال بالوسط الفنّيّ. وتقول مسعد، بدعابة، إنّ أناسًا يمرّون بالمعرض المقام في مجمّع تجاريّ ترتاده الطبقة البرجوازيّة، لغرض بعيد كلّ البعد عن قراءة اللوحات أو اقتنائها، كأن يسألك أحدهم: 'من أين المصعد لو سمحت؟!'

الفنّان إبراهيم نوفل

 

لا يكلّون

على الرغم من الجهود التي سخّرها القائمون على المعرض لفسح مساحة جماليّة، إلا أنّ النتائج حتّى الآن تقول إنّ الحركة التشكيليّة تعيش أزمة كبيرة، كقريناتها من الحركات الإبداعيّة الأخرى في الأردنّ بخاصّة والوطن العربيّ بعامّة. ففي ظلّ غياب المؤسّسة الرسميّة لأسباب كثر شرحها، يواصل الجمهور العربيّ صدّه أيضًا، إلّا أنّ المبدعين لا يكلّون أو يخلفون مع الفنّ عهدًا، وهو ما يؤكّده معرض كهذا، حيث تبدو مسؤوليّة المبدع كبيرة في حربه ضدّ البشاعة، كلّ بما أوتي من أسلحة ناعمة، لا تجرح الوردة في خدرها، إنّما تفتح الآفاق للحمام المسالم، وتحرس الزيتون في وحدته.

الفنّانة هبة مسعد

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا، من مواليد الثمانينات، يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ 'بائع النبيّ' عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

 

تعليقات Facebook