هاني عبّاس: لم أتحدّث مرّة في السياسة

هاني عبّاس

في واقع يوصف بأنّه "أغرب من الخيال"، تقف الفنون أمام سؤال وجوديّ مرتبط بها وبنا، بوجودنا؛ فقد اكتشف الإنسان الفنّ حين اكتشف ذاته، أو اكتشف ذاته حين اكتشف الفنّ، والسؤال عن جدوى الفنّ سؤال عن جدوى وجودنا، لكنّنا نسأل أحيانًا: كيف يمكن أن تكون السخرية تعبيرًا عن المأساة التي نمرّ بها؟

نستضيف في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة اليوم، رسّام الكاريكاتير والكاتب الفلسطينيّ السوريّ هاني عبّاس، الذي وصل اسمه إلى بيوت وبلدان كثيرة عن طريق رسوماته، التي تتميّز بفردانيّتها، وأنّها قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى شروح أو كلمات، ولها هويّة واضحة، الشخصيّات التي تتجسّد فيها أصبحت أيقونات يمكن للعين ملاحظتها، وتتبّعها، والبحث في مآلاتها. يحيل هاني عبّاس ذلك إلى أنّه يعتمد على الإحساس أكثر من أيّ شيء آخر، ويعدّ الرسم "رسالة أكثر منها مهنة"، وهو لا يرى أنّ مهمّته التعليق على الأحداث التي تجري حوله، بل ما يشعر بارتباطه به، "وإلّا لأصبح الفنّ استهلاكيًّا".

يقول هاني (مواليد مخيّم اليرموك، 1977): "كنت أرسم منذ أن كنت طفلًا، وبدأت بالكاريكاتير بين عامي 1996 و1997. أقمت أوّل معرض عام 1998، هنا كانت بداية التحوّل من الهواية للاحتراف؛ أقمت معارض في مدن سوريّة مختلفة، وفي لبنان كذلك، ثمّ بدأت أنشر رسوماتي في الصحف السوريّة والعربيّة، وفي عام 2009 تعاقدت مع "الجزيرة"، واستمررت معهم حتّى عام 2017، كما كنت عضو تحكيم ’مهرجان الكاريكاتير الدوليّ’ في سوريا، هذه كلّه مع استمرار عملي مدرّسًا".

عام 1998، كان أوّل معرض لك، أيّام حكم حافظ الأسد، واستمررت أيّام بشّار الأسد، كيف كانت طبيعة العلاقة مع النشر في تلك الفترة؟

يقول هاني: رسوماتي كانت سياسيّة فلسفيّة فكريّة، كان مسموح لنا أن نرسم عن القضيّة الفلسطينيّة، والعراق، ولبنان، ضمن التوجّهات السائدة تلك الفترة، لكن ثمّة قضايا لم يكن مسموحًا التطرّق إليها، فكنت أتّجه للترميز، ومع ذلك، سُحِبت لوحات كثيرة من المعارض، كما سُحِبت أعداد من الصحف والمجلّات بسبب الرسوم التي رسمتها، ودائمًا ما كان يحضر في المعارض مندوبون عن جهات رسميّة وأجهزة المخابرات.

هل اختلف الأمر بعد أن استلم بشّار الأسد السلطة؟

لا، أبدًا، حتّى في الصحف الخاصّة، وقد فُصِلت من مجلّة "بلدنا" لأنّني تماديت قليلًا. صورة الانفتاح التي صدّرها بشّار الأسد كانت في الاقتصاد والسياحة، وفي الثقافة بعض الشيء، لكن في الحرّيّات الصحافيّة، وفي العمق، بقيت الخطوط الحمراء كما هي. لم يُطلب منّي رسم شيء، لكنّني كنت أرسم ما كنت مقتنعًا به، بالضرورة مع المقاومة، لكن ليس بصفتها أداة يسيّرها النظام السوريّ، إنّما لإيماني بقضايا هي صلب قضيّتي.

خرج هاني من سورية نهاية عام 2012، وكان يرسم متضامنًا مع الثورة السوريّة وهو هناك، الأمر الذي جعله مطلوبًا في الفترة الأخيرة للنظام السوريّ.

يأخذ بعض الناس عليك أنّك رسمت عن الثورة السوريّة أكثر من القضيّة الفلسطينيّة، بمعنى من المعاني: كنت سوريًّا أكثر من كونك فلسطينيًّا؛ هل للأمر علاقة بهويّتك الشخصيّة أم بالقضيّة بحدّ ذاتها؟

ثمّة فريقان: الأوّل يقول ذلك من منطلق مناصرتهم للنظام السوريّ، وبمنطق مفاده أنّني بعت فلسطين، وكأنّ لديهم مستمسكات ضدّي، مع العلم أنّني رسمت لفلسطين أكثر من سورية، وأقمت معارض كثيرة ذهب ريعها كاملًا لفلسطين، ولا أنشر ذلك على الإنترنت، لكن يمكن لمن يشاء أن يبحث، وأنا أرى أنّه من المعيب أن يفتخر شخص بما فعله من منطلق الواجب، إلّا أنّ عقول هؤلاء تعمل بهذه الطريقة لإيجاد مبرّر لما يعدّونه "إدانة" لي. يريدون منّي أن أرسم كما يريدون، أن أضع صورة الزعماء ذاتهم، وإن كانوا مع ’حماس’ فعليّ أن أسخر من ’فتح’، والعكس كذلك.

لكن دعني أسأل: عندما يُذكر في كلّ هذه الجوائز والمهرجانات الدوليّة ’الرسّام الفلسطينيّ‘، أليس هذا جيّدًا لفلسطين؟ ألا يساهم في تصدير صورة جيّدة عن القضيّة؟ وكأنّ مناصرة القضيّة الفلسطينيّة تكون بارتداء الكوفيّة، والصوت العالي، والشعارات فقط!

أمّا الفريق الثاني، فإنّهم يسألون من دون منطق اتّهاميّ، فأوضح لهم ما فعلت من أجل فلسطين، وأضيف أنّني أعيش في حالة تتطلّب منّي الوقوف مع قضيّة الشعب السوريّ في هذا الفترة، لأنّ الجرح مازال ينزف ويزيد. ومن جهة أخرى، لا يمكنني إنكار الجزء السوريّ من هويّتي، الثورة السوريّة جزء من تشكيل كياني الفكريّ، والثقافيّ، ورؤيتي للعالم.

هل غيّرت الثورة السوريّة من نظرتك لقضيّة فلسطين؟

نحن نعاني من مشكلة في المصطلحات؛ خلقها، وإعادة تدويرها، وتغييرها حتّى تصبح بدهيّات. فلسطين، منذ البدايات حتّى فترة ليست ببعيدة، قضيّة تحرّر من الاستعمار والاحتلال، هذه بدهيّة. بعد فترة، حُوّرت المصطلحات إلى ’الصراع العربيّ الإسرائيليّ’، وبالتالي، حصل التأثير في الوعي العامّ بصفته صراعًا بين دولتين على مناطق نزاع، وهذا نوع من الاعتراف، وفيه تكمن الخطورة. بعدها صُدّر الأمر وكأنّه صراع بين المسلمين واليهود، وأيّ صراع حقوقيّ يصبح دينيًّا، يصل إلى منطقة اللاعودة.

في سورية، وجدنا مصطلحات تدرّجت على النحو التالي: احتجاجات، فمظاهرات، فالثورة السوريّة، فالحرب في سورية، فالحرب الأهليّة في سورية، فالحرب ضدّ الإرهاب في سورية، وهذا الأخير يُستعمل الآن دوليًّا، وكأنّ القضيّة ليست قضيّة حرّيّة، وكرامة، ومعتقلين، وأكثر من عشرة ملايين لاجئ.

إلى أين تريد أن تصل؟

عشت حالة مكثّفة في السنوات السبع الماضية، صرت أفهم أكثر كيف يفكّر هذا العالم، وكيف يمرّر مصطلحات يبني عليها الحلّ. في الحرب الكوريّة كان الحلّ التقسيم، في يوغسلافيا كذلك، في تشيكوسلوفاكيا، في فلسطين، في السودان، كأنّ الأمم المتّحدة ليس لديها حلّ لأيّ مشكلة في العالم إلّا التقسيم. وذلك بعد أن ينتهي تجّار السلاح والمصالح من أخذ ما يشاؤون طبعًا، أليس كذلك؟ في سورية، حتّى التقسيم ممنوع، وأنا ضدّ التقسيم، لكن حتّى على نطاق صغير، مثل مناطق فصل نزاع، كي يأخذ الشعب السوريّ استراحة، لم تحدث، الشعب السوريّ خارج المعادلة، القوى الدوليّة هي التي تقرّر.

ما عشناه خلق لدينا خبرة في الثورة، في الحرب، في اللجوء – الحقيقيّ، بمعنى الخروج والهرب والمعاناة، وكيف تنشأ القضايا السياسيّة وكيف تتغيّر التفاصيل. هذا إن لم نتحدّث عن الخبرة الشخصيّة البشريّة التي تجعل الناس تفكّر بطريقة أخرى، وتقيّم الأمور بشكل آخر، وبالتالي، لديّ اليوم لدي نظرة مختلفة تجاه كثير من القضايا، ومن بينها فلسطين، أي أنّني أنظر إلى القضايا بمفهومها البسيط والواضح، من دون أيّ أيديولوجيّات أو اصطفافات.

بعد سبعين سنة من الاحتلال، يبدو أنّ انعدام الحلّ السمة المرافقة، وإن كانت أحاديث سابقة عن حلّ الدولتين أو حلّ الدولة الواحدة، أو حلول أخرى، هل لديك تصوّر لحلّ ما؟

أنا أذهب للأمور بشكلها البسيط دائمًا، ثمّة شعب فلسطينيّ كان موجودًا، لا علاقة له بالمأساة التي حصلت في أوروبّا، أي ما حصل في الهولوكوست وقبله من تمييز واضطّهاد ضدّ اليهود، أنا متعاطف معهم للغاية، وحين أشاهد بعض الأفلام عمّا جرى أبكي، لكن لا أقبل أن يكون الحلّ تشريد الشعب الفلسطينيّ، وأن تُمحى هويّته عالميًّا. لا أحد يعترف بنا، مع أنّنا لسنا المذنبين، ولا علاقة لنا في ما جرى في ألمانيا وأوروبّا، لماذا علينا أن نحمل ذنبًا ارتكبه أناس آخرون؟ كما أنّني لا أستطيع أن أفهم كيف تمارس الضحيّة الظلم نفسه الذي مورس عليها بحقّ آخرين! وكيف يطالب الظالم الأوّل من الضحّيّة الجديدة تفهّم الظلم الذي يُمارس عليها من ضحاياه القدامى. نحن لا نطلب غير الحقيقة والعدالة!

كيف ينظر هاني عبّاس إلى فنّ الكاريكاتير الفلسطينيّ؟

في السياق العامّ، ضدّ الاحتلال، لجميعهم خطّ واحد، وفي الشأن الداخليّ، بين ’حماس’ و’فتح’، ثمّة تأثير أيديولوجيّ كبير. أمّا تجاه القضيّة السوريّة، فثمّة توجّس مستمرّ. على الصعيد الفنّيّ: ثمّة تجارب فنّيّة جميلة جدًّا في فلسطين، فكريًّا وتقنيًا، أذكر منها الفنّان محمّد سباعنة، فهو فنّان وناشط بشكل لافت.

حصل هاني على "جائزة الكاريكاتير الدوليّة" التي تقدّمها الأمم المتّحدة، ومنظّمة "رسّامون من أجل السلام"، ومدينة جنيف، عام 2014، وهي أرفع جائزة كاريكاتير في العالم.

وجودك في سويسرا، حصولك على جوائز، ذهابك إلى أنواع فنّيّة جديدة، وطرح جديد، كأن ترسم بشكل حيّ مع الجمهور، كلّ هذا... ماذا قدّم لتجربتك؟

لا أنكر. وصولي إلى أوروبّا أعطاني دفعة كبيرة على الصعيدين الفكريّ والتقنيّ. نظرة المجتمع إليك بصفتك فنّانًا تمنحك هامشًا كبيرًا من السعادة، لكنّها تحمّلك مسؤوليّة أكبر لتكون على هذا المستوى، وعليك أن تطوّر أدواتك. كما مكّنني وجودي هنا من الاطّلاع على تجارب الآخرين، وفتح حوارات فنّيّة عميقة معهم؛ الرسم المباشر والحيّ مكّنني من أن أصبح مدرّس فنون أيضًا، في واحدة من أهمّ المدارس في أوروبّا.

نادرًا ما يستعمل هاني عبّاس الكتابة في الكاريكاتير، فلم ينهج نهج الشهيد ناجي العلي، يقول: كان ناجي العلي يعيش في ما أسميه ’زمن الثورة الجميل’، وكان يصنع منشورات ثوريّة... المرحلة اقتضت ذلك، والمباشرة كانت سمة. بالتالي، الكلام مع الرسم، مع الفكرة والرسالة، صنعوا مزيجًا جميلًا. في هذا الوقت، أرى شخصيًا أنّني حين أريد الكتابة أكتب منشورًا أو كتابًا.

لذلك ستصدر كتابًا الآن؟

نعم، بداية العام القادم سيصدر كتابي على شكل سيرة ذاتيّة فنّيّة بالعربيّة والإنكليزيّة، ثمّ سيصدر بالفرنسيّة، وهو كتاب مؤلّف من ثلاثة أقسام: يوميّاتي داخل سورية، ويوميّات اللجوء في لبنان، ويوميّات سويسرا، وفي كلّ قسم ستكون مجموعة اللوحات التي رسمتها في كلّ فترة.

يختتم هاني عبّاس حديثه برفضه الخلط بين ما هو سياسيّ وما هو غير سياسيّ: كثيرون يقولون إنّني أتحدّث في السياسة، وأنا أعتقد أنّني لم أتحدّث مرة فيها؛ عندما أقول إنّني ضدّ القصف، ضدّ تهجير الناس، ضدّ الاحتلال، ضدّ الاعتقال، ضدّ الحصار وتجويع الناس، هذا موقف إنسانيّ، أخلاقيّ، حقوقيّ، دينيّ... يمكنك وضع أيّ كلمة هنا، إلّا أن تصفه بأنّه موقف سياسيّ. السياسة كذب، وتمرير مواقف ومصالح.

 

رامي العاشق

 

شاعر وكاتب وصحافيّ فلسطينيّ – سوريّ. اعتقل في سجون نظام البعث السوريّ. لجأ إلى الأردنّ بعد الثورة، ثمّ إلى ألمانيا. حاصل على منحة أدبيّة من مؤسّسة "هاينرش بول". أسّس صحيفة "أبواب" عام 2015 وترأّس تحريرها لعامين. قبلها كان محرّرًا لـ "طلعنا عالحرّيّة". صدر له في الشعر: "سيرًا على الأحلام" ولابس تياب السفر"، وفي النثر: "مذ لم أمت".

تعليقات Facebook