الفن مقاومة؟ رسومات محمد سباعنة السياسية الخطيرة

للفنّان محمّد سباعنة

 

المصدر: The Trail.

ترجمة: فريق روزنة - فُسْحَة.

 

يحلم محمّد سباعنة اليوم، بعد أن قضى سابقًا خمسة أشهر في سجن إسرائيليّ، يحلم بالسلام لبلده. إنّ رسومات سباعنة الكرتونيّة، المحمّلة سياسيًّا بشكل خطير في بعض الأحيان، تُظهر لنا الواقع القاسي للحياة اليوميّة للفلسطينيّين، تحت السيطرة الإسرائيليّة.

يعيش محمّد سباعنة في رام الله، ويعمل رسّام كاريكاتير سياسيّ لصحيفة "الحياة الجديدة"، الناطقة باسم السلطة الفلسطينيّة، وقد عُرِضت أعماله في معارض فرديّة وجماعيّة في فلسطين وحول العالم. فاز سباعنة بعدد من الجوائز، وشارك في ورشات تدريبيّة للأطفال الّذين تعرّضوا إلى العنف، ثمّ إنّ كتابه الأوّل "أبيض وأسود"، يصوّر تجارب الفلسطينيّين تحت سلطة الاحتلال.

 

غلاف كتاب سباعنة

 

قدّم سباعنة وجهة النظر الفلسطينيّة، للصراع الطويل الأمد بين إسرائيل وفلسطين، في مداخلة له في "مكتبة كينغز" في تاكوما - واشنطن، وقد كانت بعنوان "التقط هذه الصورة، الحياة والفنّ في فلسطين"، استضافتها مجموعة "صوت السلام اليهوديّ"، الّتي تدعم التعاون والصداقة الفلسطينيّة - اليهوديّة.

تُظهر رسومات سباعنة الواقع الغاضب للفلسطينيّين؛ إذ إنّ الرسومات القاسية في كتاب "أبيض وأسود"، تروي تفاصيل الحياة اليوميّة في فلسطين؛ بعضها يُظهر عائلات فلسطينيّة بعيون حزينة، تحاول عبور الحواجز المحاطة بأسلاك شائكة وجنود إسرائيليّين مدجّجين بالسلاح، في ما تلتقط أخرى معتقلين فلسطينيّين محتجزين في حجرات ضيّقة ومظلمة، وحسب سباعنة، ليست هذه الصور سياسيّة فقط، بل هي الواقع.

سباعنة، الّذي درس التصميم الداخليّ في الأصل، أصبح ملهمًا لرسم كاريكاتيرات سياسيّة، بعدما خاض تجربة "الانتفاضة الثانية" العنيفة، الّتي كانت انتفاضة فلسطينيّة ضدّ إسرائيل مطلع الألفيّة.

يقول سباعنة: "علمت من الأخبار بمقتل زميلي زكريّا، على يد جنديّ إسرائيليّ؛ لهذا السبب قرّرت البدء برسم الكرتون، والمقاومة عن طريق فنّي".

لكنّ المقاومة لا تكون بلا ثمن يُدفع في مقابلها؛ لذلك سجن الإسرائيليّون سباعنة خمسة أشهر عام 2013، وأمضى أسبوعين منها في زنزانة انفراديّة. يصف سباعنة تجربة العيش وحيدًا في زنزانة ضيّقة وبلا نوافذ، بأنّها تجربة تكاد تقترب من تجربة التعذيب، ولم يساعده في الحفاظ على سلامته العقليّة إلّا فنّه.

 

محمّد سباعنة

 

يستطرد سباعنة: "قرّرت أنّني لست هنا بصفتي فلسطينيًّا، أنا هنا بصفتي صحافيًّا، وسأبدأ التفكير بصفتي هذه داخل السجن، أنا هنا لأنقل إلى الناس حول العالم، ما يقع داخل هذا السجن".

رسم سباعنة عددًا من "الإسكتشات" - المسوّدات - في أثناء فترة الاعتقال، دون أن يترك عليها أيّ إشارة سياسيّة، إلى حين خروجه؛ خشيةً من متابعة لاحقة. كان هدف سباعنة الأساسيّ في هذه الرسومات أنسنة الفلسطينيّين.

يقول: "قرّرت أنّ عليّ البدء بالتحدّث عن المعتقل الفلسطينيّ، عن الشعب الفلسطينيّ، من زاوية نظر إنسانيّة، لا كما اعتدنا التحدّث عنهم؛ باعتبارهم أبطالًا ورجالًا خارقين، إنّنا نحتاج كبشر، إلى أن يقف معنا الناس حول العالم، باعتبارنا بشرًا."

يرغب سباعنة في أنسنة الفلسطينيّين، على المستويين العالميّ والمحلّيّ؛ إذ إنّ بعض هذه الرسومات يصوّر جدار الضفّة الغربيّة، الّذي يفصل الفلسطينيّين عن الإسرائيليّين، باعتباره قوّة فصل عظيمة؛ إنّه جدار ضخم من الصلب، بنته إسرائيل بعد الانتفاضة الثانية، ويعتبر آليّة دفاع لإسرائيل، وجدار فصل عنصريّ لفلسطين.

يقول سباعنة: "لا يتعلّق هذا الحائط بوضع الحدود، وبالأسباب الأمنيّة فقط؛ إنّه يحوّط كلّ شيء: علاقاتنا، وتعليمنا، ودياناتنا"، ويضيف: "لا أعتقد أنّ الجيل القادم، في إسرائيل أو في فلسطين، سيتعرّفون على بعضهم بعضًا. لن نتعرّف على الإسرائيليّ إلّا جنديًّا، لن نتعرّف عليهم باعتبارهم بشرًا، ولن يتعرّفوا علينا كذلك".

 

 

يصرّ سباعنة، الّذي سبق أن اتُّهم بمعاداة الساميّة، والتحريض على العنف، على أنّ أمنيته الوحيدة أن يعيش شعبه في سلام.

يقول: "إنّ حلمي كدولة فلسطينيّة، وكمواطن فلسطينيّ، أن أعيش في سلام على أرضي؛ لا أهتمّ إن كان حلّ الدولة الواحدة أو حلّ الدولتين، أو حلّ اللّادولة، لا أحد يهتمّ. يريد كلّ الشعب الفلسطينيّ الآن أن يعيشوا في سلام على أرضهم... أنا أطلب – كإنسان - أن أعيش في سلام في موطني، وهذا كلّ ما في الأمر".

تتعامل أعمال سباعنة مع وضع متقلّب جدًّا، ومثار خلاف عالميًّا؛ فرسوماته واعتقاله يثبتان أنّ الفنّ يمكن أن يكون وسيلة من وسائل المقاومة، وبعيدًا عن طبيعتها الخلافيّة؛ فإنّ رسومات سباعنة تؤنسن وتشرعن نضالات الشعب الفلسطينيّ.

 

 

* روزَنَة: إطلالة على الثقافة الفلسطينيّة في المنابر العالميّة، من خلال ترجمة موادّ من الإنجليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة وإتاحتها لقرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بإشراف المترجمين، أسامة غاوجي ومعاد بادري.

موادّ روزَنَة لا تعبّر بالضرورة عن مبادئ وتوجّهات فُسْحَة، الّتي ترصدها وتنقلها للوقوف على كيفيّة حضور الثقافة الفلسطينيّة وتناولها عالميًّا. 

* بعض الموادّ البصريّة الواردة في هذه المقالة من اختيارات هيئة التحرير، لا المصدر الأصل.

 

 

تعليقات Facebook