توأمان خارج المرآة: حفر في لوحتي طفل

توأمان خارج المرآة 2 (أصلٌ قبل التأطير) | أكريليك على كرتون مُقوّى، 29.5*24 سم

 

"توأمان خارج المرآة"، لوحتان رُسمتا عام 2017، بأصابع طفل في السابعة من عمره، هو يمن جبران*، ولا أقول "بأصابعه" مجازًا، بل لحمًا وحسًّا وتقنيّة، وكأنّ في الامتداد الصامت لأطراف الأصابع يكمن فعل الخلق؛ أوَلم يعوّدنا مايكل أنجلو على هذا المشهد؟

 

ذات تختبر العالم

أكتب، وأنا هنا أمام تجربة لطفل قدر على أن يدهشني ويحرّك قلمي، هذا من جهة، لكنّني لا أعرف كيف تكون تجربة النقد الفنّيّ، في التعامل مع عمل فنّيّ يُنتجه طفل، من جهة ثانية. ولذا؛ فقد قرّرت أن "أقتل" الفاعل و"ألوذ" بالفعل، ناظرًا إلى المنتَج بوصفه ذاتًا تستثير النقد الفنّيّ فحسب، وتُدهش الحواسّ وتزحزح الإدراك، هكذا بتجرّد. هذا بعد أن أدركت أنّ ذاتًا ها هنا تختبر العالَم على طريقتها الخاصّة بتجرّد، هي كذلك، من أيّ ذاتٍ خارج معايشتها الشخصيّة، المحض شخصيّة والمحض حسّيّة، للمكان وحركته الّتي تشكّل معاني الزمن، ومعاني الذات، ومعاني الشعور.

 

توأمان خارج المرآة 1 | أكريليك على كرتون مُقوّى، 22.5*22.5 سم

 

كلّ عمل فنّيّ هو ذاته فاتحة لعالم على طريقته الخاصّة، ماضيًا إلى ما يتبقّى من صورته الكاملة مستقرًّا فيها. وفي هذا الظهور/ التجلّي، يقف العمل الفنّيّ "حائرًا"، وفي حين يتكشّف العالم فيه ومن خلاله، فهو يختفي كذلك، ويتوارى في زحمة وجوده، بين رغبة التوازن والثبات ورغبة التجاوز والقفز على الذات.

في لعبة الكشف والستر هذه، ثمّة مقولة في لوحات يمن جبران وتجاربه الحسّيّة مع اللون، وفيها كذلك حدوثٌ ما لحقيقةٍ ما في عقلٍ مسترسِل، لا وجود لكلاب حراسة عند أبوابه المُشرعة على الضوء.

 

كتوأمين لا شبه بينهما

بلونين فقط من ألوان الأكريليك، وعلى كرتون مقوّى وبأصابع اليدين، تشكّلت هاتان اللوحتان، تقفان جنبًا إلى جنب كتوأمين لا شبه بينهما، سوى ما يحملانه من قوّة على إيهامنا بالعلاقة الحتميّة بينهما؛ فالواحدة خرجت من وجود آخَرها، لا على طريقة "آدم وحوّاء" الّذي يُشير أحدهما إلى نقص الآخر، بل على طريقة "آدم وحوّاء" اللذين يُشيران معًا إلى نقص الخالق ذاته، وإلى استدراكه لفعل الخلق لاستشعاره أنّ ثمّة نقصًا ما هنا في صُنعه؛ الخالق هنا هو ذلك الّذي يبحث، والّذي يستشعر نقصه فيسأل عمّا يمكن أن يحقّق الكمال، في هذا التزاوج الّذي يصوّر رغبة التكامل داخل مرآة نقصه، ويدلّ عبر مِنحة النقصان على مِحنة الاكتمال.

بالذهبيّ والأسود وحدهما: لونان غائران في الأرض، في جوفها الأعمق وسرّها الجاذب، تتفاعل الخطوط الفوضويّة مع فراغات اللون الآخر؛ لتخلق نظامًا لا يعد بالاستقرار لحظةً واحدة، ففي الخطوط الّتي تشبه ما نراه أحيانًا على كفّ اليد، محفورًا بثقة المجهول العابث اللاعب، نجد نسيج المعاني المتلاطمة كموج الأفكار داخل قلقنا الّذي يرافق سيرورة ما نسمّيه جدلًا "الحياة". واللغة هنا، ببداهتها، لا تعرف الخطّ الواحد؛ فهو وحده مسخ، يحتاج إلى خطوط أخرى ليُكمل العبارة ويخلق "اللون الثالث" داخل اللوحتين، دون أن يأتي به من خارجهما؛ إنّها مرآة الآخر حين ترى فيها الذات ذاتَها بوصفها آخر؛ فلا تعود هي هي، ولا يعود آخَرُها هو هو.

 

كلّ بدء استئناف

لا شيء يتوسّط بين أصابع "الطفل" وألوانه المستلقية بحرّيّة العُري، على فراش اللوحة المستسلمة لمصيرها؛ لا شيء في فيزياء العلاقة وكيميائها، ولا شيء في ما يصمت عنه العقل خلف مسرح الفعل الظاهر للعيان.

لا تتقاطع "الخطوط" ولا تستقيم، وهي لا تفترق أو تتلوّى. إنّها هنا فحسب؛ عوالم تعيش جنبًا إلى جنب، دون ابتذال أو توسّل ودون صُراخٍ أو عويل، حافرةً حُزنها الصافي بصمت أنيقٍ وأنفَةٍ كاتمة.

 

توأمان خارج المرآة 2 | أكريليك على كرتون مُقوّى، 24.5*20 سم

 

لا شيء في هذا الصفاء الحزين لدى يمن جبران الطفل، سوى فرحة التلطُّخ وجذوة المعايشة الحسّيّة لسخونة الضوء الطافح، عبر برودة الألوان الغائرة.

إذا كان الفنّ نزاعًا بين حدود العقل وحدود الواقع، ففي حركة هذا النزاع ثمّة صمت وسكون، يمنحان للعمل الفنّيّ فرصة الركون إلى ذاته وادعًا مطمئنًّا. وإن كان لحقيقة ما أن تحدث داخل العمل الفنّيّ، فإنّها لا تتشكّل إلّا داخل العمل الفنّيّ ذاته وبه؛ إذ يكون العمل الفنّيّ هو المكان والزمان الممكنين لحدوث حقيقة بعينها وتجلّيها؛ معنى ذلك أنْ لا حقيقة مكتملة سابقة يمكن أن تشكّل حقيقة العمل الفنّيّ، في مراحله المتقدّمة، أو لحظة يقرّر "الخالق" أن يتوقّف عن الفعل، بل كلّ حقيقة بدئيّة استئناف ما للحظة بدءٍ تسبقها؛ إذ يمكننا الاقتراب من لحظة صفرٍ ما، دون بلوغها أبدًا. أهذا ما يجعل قرار التوقّف هو أيضًا لحظة "انتهاء" لا نهاية قطعيّة لها؟ أهذا ما يجعل العمل الفنّيّ قولًا مفتوحًا على الأبد حيًّا، داخل تحوّلاته وجدليّاته وحركة وجوده، الّتي تشكّل جوهر زمنه الخاصّ، مع كلّ لمسة ورجفة وحركة فوق صفحة الفعل.

 

لمن الحقّ في حماية الأصل؟

الخطوط السوداء الملوّثة بآخَرها الذهبيّ، أو تلك الخطوط الذهبيّة الملطّخة بالسواد؛ هل نسمّيها "خطوطًا" فعلًا؟ أوَليست في حركيّتها تتشكّل بوصفها حالةً زمنيّة نفسيّة فحسب، تحمل اتّجاهها في جوهرها، تمامًا كما هو الزمن ذاته؟ لست واثقًا على كلّ حال، لكنّني أفترض، خاشيًا بحرص من أن أحبس هذه المساحات العابرة في اللوحتين داخل اسمٍ بعينه، ومعنًى يحدّد الأفق.

 

توأمان خارج المرآة 2 |  أكريليك على كرتون مُقوّى، 24.5*20 سم

 

لا قداسة لحقيقة العمل الفنّيّ؛ فبعد أن "أنهى" يمن جبران لوحته الثانية[1]، وجدها أكبر مساحةً من إطار ثمين اختاره بنفسه، ليؤطّر لوحته فيه، غير آبهٍ بالمقاييس... ببساطةٍ ودون وجع أو شكوى، ها هو يُمسك السكّين ويقصّ جزءًا منها ليتّسع الإطار لها.

لمن الحقّ في حماية الأصل من تدخّلات الخالق؟ وحده الخالق قادر على أن يقتل أو يبتر خلقَه؛ فإمّا أن تتوقّف عن البحث في الأصول، أيّها الناظر، وإمّا أن تعضّ على شفتك السفلى بصمت. وحين يكون الخالق طفلًا، فربّما يتفوّق فعل التكيّف على سلوك الجمال.

في لوحات يمن جبران ما يؤكّد، أنّ القيمة الحركيّة لوجوده الحسّيّ، حيث "لا زمن" خارج الحركة الّتي تشكّل جُلّ كونه وكينونته.

 

 

د. وسام جبران

 

مؤلّف موسيقيّ وشاعر. درس التأليف الموسيقيّ في عدد من العواصم العالميّة، مثل موسكو وبرلين، كما درس علم الدماغ في برلين وفلسطين. له المئات من المؤلّفات الموسيقيّة، وهو حاصل على 40 جائزة عالميّة ومنحة إبداعيّة في الموسيقى والبحث العلميّ والشعر. صدر له عدد من المؤلّفات البحثيّة والأدبيّة والأسطوانات الموسيقيّة. أسّس عام 2013 "أكاديميّة جبران للموسيقى والفنون" في الناصرة.

 

 

تعليقات Facebook