كلام الحيطان في عمّان

عدسة حمزة أبو عيّاش | خاصّ

.

حين تسير في الشوارع المُوصلة إلى مدينة عمّان، وعلى جنبات الطريق، ستلاحظ هنا وهناك جُملة متكرّرة باختلافات بسيطة؛ "لتشييك مزارعكم" أو "لتشييك الأراضي"، متبوعة برقم هاتف محمول، لعلّها هي الجرافيتي الأشهر في الأردنّ قاطبة، يليها تحيّات للعشائر وأبنائها، لتصل إلى قطبَي كرة القدم "الفيصلي" و"الوحدات"، غير إعلانات لحرفيّين وخدمات استغلّت المساحات العامّة، لتجد لنفسها مساحة إعلان مجّانيّة. لكن أخيرًا، وفي زوايا خجولة على الجدران، ترى عبارات وجُملًا فلسفيّة أو نهفات عابثة، تركها أصحابها لتحفّز الرائي على التفكير، فإن دلّت على شيء فعلى تضييق الخناق على مساحات التعبير، أو التقييد المجتمعيّ لأصحاب تلك العبارات من قِبَل المجتمع عامّة، ومحاولة الإفلات من قبضة الواقع القليل الإشراق.

 

غربيّة الهوى

إن كنت بصدد التطرّق إلى الأعمال الأكثر احترافيّة، فإنّي أكاد أجرؤ على القول إنّ جزءًا ممّا تحمله الجدران، هو امتداد للصورة النمطيّة للجرافيتي في أوروبّا أو أمريكا. لم يتطوّر طبيعيًّا من ثقافة نمت بشكل عضويّ، بل يكاد يكون مسلوخًا عن الشارع، ويكون التبرير بمحاولة تقديم الفنّ المعاصر ورموزه في بيئة ليست مُهيَّأة لذلك الآن، وجمهور في غالبيّته يحبّ البساطة في التلقّي، نجد هذا أكثر ما يكون في أحياء عمّان الغربيّة، الّتي تحاول "التأمرك" ما استطاعت إليه سبيلًا؛ تجد وجوهًا بعيدة كلّ البعد عمّا تلمحه في الشارع بين المارّة المُنهَكين من أعباء الحياة، وخطوطًا فرضت نفسها لترسم ملامح للجدران مختلفة عن ملامح المدينة، على رغم تعدّديّتها.

 

 

قطبا المدينة الأكثر عراقة؛ جبل اللويبدة وجبل عمّان، ذلكما المكانان الأكثر استقطابًا للشباب، واللّذين يحاولان الحفاظ على هويّة ثقافيّة للمدينة. حين تسير في عصب أحدهما، شارع الرينبو في جبل عمّان، أو شارع كلّيّة الشريعة في جبل اللويبدة، تصدمك الأعمال ذات الهويّة الغربيّة فيهما، إن كنت ممّن على دراية بالأساليب البصريّة؛ فالأماكن الرئيسيّة الّتي تحمل أعمالًا ذات مساحات كبيرة، غالبيّتها مموَّل من مؤسّسات وجِهات أجنبيّة ليس من همومها الشارع المحلّيّ، ولو اتّخذت طريقًا فرعيّة لرأيت هناك أعمال جرافيتي تُحرّك سكون المداخل، فيها ما تتشبّث به المدينة من شخصيّتها الّتي ترزح تحت أجندات تلك المؤسّسات.

قد أتحيّز إلى الأعمال الّتي تتّخذ الكاليجرافيتي هويّة متخصّصة (الكاليجرافيتي فرع متخصّص من الجرافيتي، يطوّع الحرف لتشكيل أنماط تُشكّل رسمة على الجدار، وهو مشتقّ من الكلمتين: كاليجرافي أي فنّ الخطّ، وجرافيتي أي العمل البصريّ على جدار)؛ لما لها من حضور لافت يخرج عن التقليد الغربيّ، ويكرّس الحضور العربيّ، في مدينة تتلمّس طريق هويّتها، تتمسّك بعروبيّتها.

 

رقع فوق النسيج الأصل

لننظر إلى النسيج العمّانيّ ثقافيًّا، وكيف تشكّلت مكوّناته، يمكن أن أجرؤ على القول إنّها مدينة ذات طابع عالميّ، بصبغة شرقيّة مليئة بأشهر الماركات العالميّة، تعزّز وهْم الحرّيّة الّتي تُسوّق لها الرأسماليّة، تحاول أن تكون "محافظة" حياءً لا قناعة، بحُكم واقعها الجيوسياسيّ، تجد فيها من كلّ مكان في الأرض قاطنين، يعملون في شركات ومؤسّسات دوليّة، بحُكم وجودها في منتصف العالم القديم، ومناخها الهادئ سياسيًّا مقارنة بمحيطها الصاخب، هذا عدا الزائرين ممّن يرغبون في تجربة شرقيّة أقلّ حدّة، وفي هامش أعلى من الحرّيّة للأجنبيّ، أو ممّن يحلمون بمشاهدة إحدى عجائب الدنيا السبع البتراء، أو غير مشاهد السياحة في الأردنّ، أو لاجئي حروب – وكوارث - المنطقة، أو عابري الحدود، وهؤلاء غالبيّتهم من الضفّة الغربيّة لنهر الأردنّ، كلٌّ منهم يأتي برقعة، ويضيفها إلى ذاك الثوب الّذي بات نسيجه الأساسيّ مختفيًا تحت هذه الطبقات.

 

 

سياسة... بخطّ يدٍ سريع

قليلة هي الشعارات السياسيّة المتروكة على الجدران في الشارع الأردنيّ، بخطّ يد سريع إجمالًا، معظمها ما هو مرتبط عضويًّا بالصراع العربيّ الإسرائيليّ؛ فتلمح هنا وهناك بعض الشعارات المناوئة للاحتلال الإسرائيليّ، أو رفضًا للتطبيع معه، يُطلقها نشطاء، مثل "غاز العدوّ احتلال"، أو ببساطة "التطبيع خيانة"، وتحمل في طيّاتها خطاب الشارع المتمرّد الرافض للخنوع؛ فيُذيب الحدود المرسومة بين ضفّتَي النهر، مُعيدًا لُحمة أبناء المنطقة لمواجهة النقيض الأساسيّ.

وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ للمخيّمات الفلسطينيّة في عمّان خصوصيّتها مقارنةً بالمدينة، لذا فلن أتطرّق إلى الرسائل الّتي تحملها جدرانه؛ فأنا لست بصدد دراسة تحليليّة للمشهد البصريّ الفلسطينيّ في الشتات والمنفى، على الرغم من التشابه حدّ التطابق في كلّ تجمّعات اللجوء الفلسطينيّ؛ ترى حنظلة والمفتاح وقبّة الصخرة هي الرموز الأساسيّة الّتي حملها الفلسطينيّ أنّى ذهب؛ فالمخيّم ذاكرة حيّة ستزول بزوال الاحتلال.

 

ترحيب بالجمال

باستطلاع سريع، تجد ترحيبًا من عموم المجتمع بالألوان المتروكة على الجدران هنا وهناك، بغضّ النظر عن موضوع الرسم؛ فالغالبيّة من السابلة يهمّهم "جمال الرسمة" وتنوّع ألوانها، أكثر ممّا تعنيه أو ما تحويه من رسالة، وممّن يرى أنّ الجرافيتي قد يشكّل عاملًا لتغيير الشارع، برفع الوعي وتوسيع الذائقة فنّيًّا بدءًا بالأطفال؛ فهي - بعامّة - تعطي المحيط العامّ روحًا، بدل وجود مساحات وجدران صمّاء تعطي الشعور بالملل.

 

 

وما يجعلها مثيرة أكثر، أنّها ليست ثابتة بمفهوم الزمن، وإن كانت سرعة تغيّرها بطيئة، إلّا أنّ ذلك ما يجعلها ذات قيمة؛ فقد لا تجد "رسمتك الّتي أحببت" في مكانها، وإنّما جاءت أخرى لتحلّ محلّها.

قد أجرؤ وأقترح على ممارسي الجرافيتي فنًّا، أن يُغذّوا مخيّلتهم البصريّة، بما تحوي البيئة المحلّيّة من مفردات تميّز هذه الرقعة من الأرض، ولننتقل من الحرفيّة - وقد أتقنوها - إلى المعاني ذات الدلالة الهويّاتيّة؛ من تطريز فلّاحيّ، أو روح البداوة، أو معالم وملامح أصيلة أخرى شكّلت هويّة "الأردنّ" قبل الغزو العولميّ.

 

 

حمزة أبو عيّاش

 

 

فنّان متعدّد الوسائط. درس الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنيّة - نابلس. شارك في العديد من المشاريع والمعارض الجماعيّة، بالإضافة إلى مشاركته في أعمال مسرحيّة، تمثيلًا وإنتاجًا. يهتمّ بفنّ الجرافيتي، وتحديدًا الحروفيّات.

 

 

تعليقات Facebook