غزة تتكلم "الفيديو آرت"

تصوير فادي الحسني

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

نجح "الفيديو آرت" (فنّ الفيديو) في فرض مكانته وسط الفنون البصريّة المختلفة، ليصبح واحدًا من أهمّ أشكال التعبير الفنّيّ المعاصرة، معتمدًا المزج بين أنماط فنّيّة عديدة، بصريّة وسمعيّة، مثل التصميم والتصوير والتحريك والموسيقى وغيرها، وتقديمها ضمن قالب إبداعيّ واحد، وهو فنّ لا يزال يخضع للتجريب وفق الرؤى الفنّيّة المختلفة.

تشهد الحركة الفنّيّة الفلسطينيّة اهتمامًا متزايدًا بـ "الفيديو آرت"، يروي الفنّانون من خلاله قصصًا من فلسطين وخارجها، وتحديدًا مواجهة الاستعمار الإسرائيليّ، وحقوق الإنسان، والعنف، وغيرها من قضايا سياسيّة – اجتماعيّة.

المعرض حمل في مضمونه "المواجهة"، رفضًا للاستسلام والتسليم بالواقع؛ ذلك من خلال تقديم صور غير نمطيّة، تدمج بين التقنيّة والفنّ التشكيليّ.

نلقي في هذا التقرير الضوء على تجارب غزّيّة في صناعة "الفيديو آرت"، شهدناها خلال الشهور القليلة الماضية، عبر الحديث مع مجموعة من الفنّانين الغزّيّين؛ لنعرف كيف وظّفوا هذا الفنّ في التعبير عن أنفسهم وعن قضايا الغزّيّين المختلفة، وإيصال رسائلهم إلى مجتمعهم والعالم بلغة فنّيّة.

 

"مواجهة"

من الفنّانين الغزّيّين الّذين خاضوا هذه التجربة، الفنّانة رفيدة سحويل، الّتي أقامت في الآونة الأخيرة معرضًا عنوانه "مواجهة"، وعرضت فيه 12 فيديو لقضايا مختلفة ومنفصلة المضمون.

أوضحت سحويل أنّها وضعت زوّار المعرض في مواجهة مباشرة مع الذات والواقع السياسيّ المعقّد، مع إبراز تشابك الحالة الإنسانيّة للخروج من دائرة الأزمات، مؤكّدة أنّ المعرض حمل في مضمونه "المواجهة"، رفضًا للاستسلام والتسليم بالواقع؛ ذلك من خلال تقديم صور غير نمطيّة، تدمج بين التقنيّة والفنّ التشكيليّ.

 

"فسحة مع الذات"

للفنّان محمّد الحاجّ مشروع عنوانه "فسحة مع الذات"، يتناول فيه تجربة ذاتيّة؛ إذ صوّر حركة أقدامه عندما يسير في شوارع غزّة، بما يُظهر الأصوات المتنوّعة في الشارع، وقد استطاع نقل تفاصيل الحياة اليوميّة من خلال الأصوات والحركة في الخلفيّة.

يقول الحاجّ حول "الفيديو آرت": "يجب أن نقرّ بأنّ بعض أشكال الفنون المعاصرة لا تزال حديثة العهد بالمجتمعات العربيّة، وليس من السهل تقبّلها في البداية من جميع المتلقّين. أمّا فنّ ’الفيديو آرت‘، فليس له ممارسة فنّيّة جادّة تعبّر عنه بقوّة حتّى الآن؛ لا يزال بعض الفنّانين يتعامل مع هذا النوع من الفنون ضمن إطار المحاولة. لا شكّ في أنّه وسيلة بصريّة تساعد على التعبير بعيدًا عن إطار اللوحة التقليديّة، إلّا أنّها تحتاج إلى عصف ذهنيّ كبير، من أجل اختزال الفكرة وتقديمها بأبسط الوسائل. فهي فنّ السهل الممتنع".

"يمكن إرسال الفيلم إلى أيّ مكان عبر البريد الإلكترونيّ، ما يساعد على إيصال الرواية الفلسطينيّة إلى الرأي العامّ العالميّ عبر الفنّ"

ويرى الحاجّ أنّ ما يميّز هذا النوع من الفنّ، أنّه سهل الوصول إلى أيّ مكان في العالم بحكم التقدّم التكنولوجيّ، وهذا مهمّ في الحالة الغزّيّة، حيث يفرض الاستعمار الإسرائيليّ الحصار على سكّان القطاع منذ 12 عامًا، ما يقيّد الحركة الثقافيّة أيضًا وظروف الإنتاج الإبداعيّ، يقول: "يمكن إرسال الفيلم إلى أيّ مكان عبر البريد الإلكترونيّ، ما يساعد على إيصال الرواية الفلسطينيّة إلى الرأي العامّ العالميّ عبر الفنّ"، موضحًا أنّ فنّاني "الفيديو آرت" الغزّيّين تمكّنوا من نقل رسائل سياسيّة وإنسانيّة مختلفة إلى العالم، ولذلك يجب استثمار هذا النوع من الفنّ، وتطويره فكريًّا وبصريًّا.

 

"المحاولة 16"

أقام عدد من الفنّانين في قطاع غزّة، في شباط (فبراير) الماضي، "مهرجان الفيديو آرت الدوليّ"، تحت شعار "بدنا نضوّي غزّة"، وقد كانت تلك المحاولة الجماعيّة الأولى للخروج من عنق الزجاجة، وإبراز الإبداع الفنّيّ في مجال "الفيديو آرت". أنتج الفنّانون المشاركون في المهرجان 16 فيلمًا مختلفًا، سلّطت في المجمل الضوء على التحدّيات الّتي يواجهها المجتمع الغزّيّ، كالحصار وأزمة انقطاع التيّار الكهربائيّ، والأزمات الإنسانيّة والاقتصاديّة.

من الفنّانات المشاركات في المهرجان، علا الشريف، وهي ترى أنّ "الفيديو آرت" لوحة فنّيّة متحرّكة، تُصنع كي توصل رسالة أسهل وأسرع إلى العالم، مستفيدة من ثورة التواصل الاجتماعيّ الحاصلة عبر الإنترنت. 

يبدو أنّ "الفيديو آرت" يمثّل حلًّا ناجعًا للفنّان الغزّيّ، إذ يمكّنه من مواجهة الحصار المادّيّ المفروض عليه، وإن معنويًّا، وصناعته تحتاج إلى موارد وإمكانات أقلّ مقارنةً بأشكال فنون أخرى

عبر عملها المعنون بـ "المحاولة 16"، استطاعت الشريف تجسيد أزمة التنقّل والسفر الّتي يعانيها سكّان القطّاع، إن كان لتحقيق أمنيات الدراسة والعمل وصناعة الذات، أو حتّى هروبًا من الواقع العنيف الّذي لا يمكن احتماله. وقد مُثّلت فكرة "المحاولة 16" بفيديو لشخصيّة تقف أمام شاطئ البحر، محاوِلةً الطيران وهي تعتلي حقيبة، وينتهي الفيديو بفشل جميع المحاولات.

"كلّ إجراءات السفر من قطاع غزّة صعبة، ونحن نحاول من خلال ’الفيديو آرت‘ أن نحاكي واقع غزّة، من خلال التركيز على التفاصيل العميقة المؤلمة والخفيّة عن العالم"، تقول الشريف شارحةً عن إنتاجها.

يبدو أنّ "الفيديو آرت" يمثّل حلًّا ناجعًا للفنّان الغزّيّ، إذ يمكّنه من مواجهة الحصار المادّيّ المفروض عليه، وإن معنويًّا، وصناعته تحتاج إلى موارد وإمكانات أقلّ مقارنةً بأشكال فنون أخرى، كما أنّه يتيح للفنّان الارتباط بالمشهد الفنّيّ العربيّ والعالميّ، والانتماء إليه بالمعاصرة، وكذلك يتيح له المساهمة في مساحات وفرص فنّيّة عديدة عبر العالم بسبب الإمكانات التكنولوجيّة المتاحة؛ فهل نشهد في القريب نهضةً فنّيّة غزّيّة عبر "الفيديو آرت"؟

 

 

فادي الحسني

 

 

إعلاميّ من قطاع غزّة. يعمل في مجال الاستقصاء الصحافيّ، وقد صدر له "إعلاميّون منهجيّون في كشف الحقائق". حاصل على عدّة جوائز إعلاميّة، من بينها المركز الثاني على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جائزة التحقيق الاستقصائيّ (2013)، وجائزة فلسطين للإبداع الشبابيّ – فئة الكتابة الصحافيّة (2012). يرأس تجمّع قرطبة الثقافيّ في غزّة.

 

 

تعليقات Facebook