الطبيب الأفريقي: تحدي العنصرية في زمن ترامب!

مشهد من فيلم "الطبيب الأفريقيّ"

كاميني زنتوكو، ممثّل كوميديّ فرنسيّ من أصل أفريقيّ، وُلد وعاش سنوات حياته الأولى في غانا، ثمّ غادرها إلى فرنسا مع والده الطبيب سيولو زنتوكو، ووالدته آن، وأخته سيفي.

منتصف عام 2016، خرج إلى النور فيلم فرنسيّ بعنوان 'الطبيب الأفريقيّ'  (عنوانه الأصليّ: Bienvenue à Marly-Gomont)، دراما كوميديّة من إخراج جولين رامبالدي، يروي قصّة حياة الطبيب الذي هرب من دكتاتوريّة غانا إلى أحضان قرية نائية في شمال فرنسا، ليعاني هناك من سكّان لم يروا أفريقيًّا أسود البشرة في حياتهم.

تكريم

بدأ كاميني بكتابة مسلسل هزليّ عن عائلة أفريقيّة الأصل تعيش في الريف الفرنسيّ، على نمط المسلسل الأمريكيّ 'الأمير من بيل'، لكنّ والده، الدكتور زنتوكو، توفّي عام 2009، إثر حادث طرق، ما أعطاه الدافع لتكريم والده بتحويل المسلسل إلى فيلم سيرة ذاتيّة.

بعد وفاة زنتوكو الأب، غادرت زوجته آن وأولادها إلى بروكسل، للسكن قريبًا من أفراد عائلتها، وكان ابنها وابنتها قد درسا التمريض، إلّا أنّ كاميني برع في التمثيل الهزليّ.

لا يمكن اعتبار الفيلم ممتازًا ومتميّزًا بالقصّة والحبكة، أو الأداء واللغة السينمائيّة، لكنّه تميّز، حتمًا، في توقيت طرحه في الأسواق، إذ تزامن مع بروز مشاكل الأقلّيّات والمهاجرين، وعلاقاتهم بالسكان في الدول التي نزحوا إليها، لعلّ أبرزها الولايات المتّحدة التي صار فيها دونالد ترامب رئيسًا، مؤخّرًا، والذي يتبنّى مواقف غاية في السلبيّة تجاه الأقلّيّات، ما يجعل الفيلم ذا رسالة مهمّة، إذ يضع تحت المجهر الأسباب والدوافع الإنسانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي تحول دون تقبّل المجتمعات للمهاجرين والنازحين.

في قرية نائية

يتلقّى الطبيب الغاني سيولو زنتوكو، الذي درس الطبّ في فرنسا، عرضًا للعمل في عيادة إحدى قرى الشمال الفرنسيّ الريفيّة، حيث لا يوجد أطبّاء محلّيّون، ويجتهد عمدة المدينة الصغيرة في إيجاد طبيب لعيادة القرية. يصل زنتوكو وعائلته إلى المكان لتتبدّد كلّ أحلامهم التي نسجوها حول 'المدينة الفرنسيّة'، فيبدؤون رحلتهم بالمشي تحت المطر مسافة طويلة في طريق ترابيّة موحلة، ليصلوا إلى منزل متواضع وسيّارة التهمها صدأ نَهِم.

بينما يجلس زنتوكو في عيادته منتظرًا وصول أيّ مريض، ويحاول الطفلان الاندماج في الحياة المدرسيّة، تبقى آن رهينة المنزل، تقضي معظم وقتها في محادثات هاتفيّة مع عائلتها في غانا وبروكسل. تمضي أيّام طويلة لا يفد فيها أيّ مريض إلى العيادة، يخشى الناس الاقتراب من الطبيب أسود البشرة، فهم لم يصادفوا شخصًا 'مختلفًا' إلى هذا الحدّ طوال حياتهم.

لا ينجح زنتوكو في اجتذاب المرضى، فيضطّرّ للعمل في إحدى مزارع القرية إلى حين موعد ولادة إحدى السيّدات التي لا يجد زوجها بُدًّا من استدعاء الطبيب الأفريقيّ، ما يُحْدِثُ تغييرًا جذريًّا في تعامل المحلّيّين معه، وبدء توافد المرضى إلى عيادته. على الرغم من الانفراج في أزمة الطبيب، إلّا أنّ الانتخابات تتربّص به، فيترشّح للعمادة شخص ذو آراء عنصريّة تجاه الغرباء.

شقّ الطريق

يشقّ الطفلان طريقهما في حياة القرية، فيتعرّف كاميني على طفلة منبوذة بسبب مرضها الجلديّ، فيحضرها إلى البيت ليعالجها والده، ولتكون أوّل رابط عاطفيّ له مع القرية، أمّا سيفي التي تبرع في كرة القدم، فتشقّ طريقها بقوّة أكبر عندما تمارس اللعبة التي تعشقها، نوعًا من التحدّي، إلّا أنّ ثمّة من 'يصطاد' هذه الموهبة الرياضيّة وينقلها للّعب في صفوف الفريق المحلّيّ التمثيليّ، حيث تحرز الإنجازات وتضع القرية على خارطة الرياضة حاملة لقب 'اللؤلؤة السوداء'، على غرار اللاعب العريق، بيليه.

لطالما تميّز المنتخب الفرنسيّ بحضور كمّ كبير من اللاعبين من أبناء المهاجرين، الذين يقدّمون لمنتخبهم كلّ ما يحتاج ليرتفع رصيده عالميًّا. كذا تنجح سيفي في إنقاذ عائلتها عندما تدّعي ووالدها الرحيل عن القرية بسبب احتمالات فوز المرشّح اليمينيّ، ما يدفع السكّان للتصويت لعمدتهم القديم، ليحولوا دون خسارة لاعبة بارعة في فريقهم.

بساطة

يكمن جمال هذا الفيلم في بساطة قصّته وأسلوب تقديمها، وهو لا يخلو من بعض المشاهد الرمزيّة التي تدفع المشاهد للتفكير في الآخر المختلف وصفاته، لنتحوّل جميعًا إلى مختلفين وغرباء. لعلّ من أجمل مشاهده وأكثرها رمزيّة، اللحظة التي يقدّم فيها كاميني الطفل صديقته الوحيدة إلى والده، ويكون وجهه 'مزيّنًا' ببعض الدوائر الحمراء الورقيّة، ليشبه وجه صديقته ذا المرض الجلديّ. لا يتوقّف المخرج طويلًا عند هذا المشهد، ولا يبتذل سؤالًا من البالغين للطفل ليشرح لنا جدوى ما فعل، بل يتركنا نستوعب تفاصيل المشهد وحدنا.

ينقلنا الفيلم نقلة حادّة من تسلسل القصّة إلى صوت زنتوكو الابن، يلخّص مشاعره يوم جنازة والده التي حضرها سكّان القرية أجمعين، مشيرًا إلى أنّ إصرار والده على النجاح والاندماج في المجتمع الجديد أثمر ما يريد، ورفعته محبّة الناس إلى مكانة أهّلته للحصول على الجنسيّة الفرنسيّة في حياته، وجنازة مهيبة يوم مماته.

في زمن الكراهية

في وقت تتفاقم فيه عدوى الكراهية والعنصريّة حول العالم، ويتسلّق سلّم السياسة من يبرعون في اللعب على الأوتار العرقيّة والطائفيّة، مستغلّين صراع البشر للحصول على حياة أفضل وأكثر ثروة، يعملون على إثارة مشاعر الناس وإيهام الشعوب بسموّ أعراق على أخرى، واختلاق مجموعات النُّخَب، تخرج إلى النور أعمال فنّيّة شتّى تسعى إلى التشديد على أنّ الخير أو الشرّ ليسا حكرًا على شعب أو عرق أو دين، بينما تشهد السنوات الأخيرة، بالمقابل، إنتاجات سينمائيّة عديدة، تزيد من حدّة رهاب أعراق أو أديان في أوساط الدول الغربيّة.

من الصعب التكهّن إذا كان زنتوكو الابن يرغب في إحياء النقاش حول مكانة الأفارقة في فرنسا، لكنّه، بلا شكّ، يوجّه رسالة إلى المهاجرين والنازحين لأخذ دور في الدول التي لجؤوا إليها، ويقدّم والده العنيد مثالًا. لكنّه لا ينفي، بل ويشدّد، على أنّ الأطفال هم النواة لخلق علاقات إنسانيّة صحّيّة مبنيّة على ثقافة 'الفريق'، تتجسّد في الفيلم على هيئة فنّ ورياضة، كونهما الأرقى بين المجالات التنافسيّة لدى شعوب العالم.

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، طالبة ماجستير في ثقافة السينما.

تعليقات Facebook