بلا مساومة: حوار مع طاقم مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام

طاقم مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام

[خاصّ فُسْحَة وقدّيتا]

لا يمكن عدم الانفعال والتأثّر من انطلاقة الدورة الثانية لمهرجان حيفا المستقلّ للأفلام، الإثنين، 20 آذار (مارس) 2017، بعد نجاحه اللافت في دورته الأولى العام الماضي.

المهرجان الذي تأسّس على يد مجموعة من الفلسطينيّين العاملين في القطاع السينمائيّ، والناشطين في الحقل الثقافيّ، يحتضن هذا العام حوالي 45 فيلمًا من فلسطين والوطن العربيّ والعالم، على مدار ستّة أيّام، بالإضافة إلى ورشات عمل وندوات ومحاضرات مع خبراء في القطاع السينمائيّ، وأمسيات فنّيّة وثقافيّة، بالتعاون مع فضاءات ثقافيّة فلسطينيّة في حيفا؛ مسرح الميدان، ومسرح خشبة، وكباريت، والياخور.

يأتي المهرجان هذا العام في سياق حراك ثقافيّ فلسطينيّ مميّز في المدينة، الذي يسعى نحو استقلاليّته بمثابرة، وهو ما شدّد عليه المهرجان في اسمه ونهجه وموادّه التعريفيّة: 'بلا تمويل مؤسّساتيّ أو حكوميّ، وبلا بيروقراطيّة أو رقابة أو إملاءات من أحد'، وكذلك بمضمونه الثقافيّ الذي يضاف إلى جانب العديد من المبادرات الثقافيّة والفنّيّة في حيفا، والتي تعيد رسم ملامح المدينة وهويّتها المرتبطة بتاريخها وثقافتها الإنسانيّين والعربيّين والفلسطينيّين، وحاضرها المرتبط بمحيطها العربيّ الطبيعيّ، وكذلك العالميّ، من خلال الصورة والصوت، رغم أنف كلّ الحدود الجيوسياسيّة.

عشيّة انطلاقة المهرجان، أجرت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة حوارًا مع طاقمه ضمن محاور منوّعة متعلّقة به: أهمّيّته، واختيار الأفلام، والتحدّيات التي تواجهه، وورش العمل والندوات والمحاضرات، والفضاءات الثقافيّة، والاحتضان الجماهيريّ.

لينا منصور

برنامج أكبر وأغنى

في حديث مع لينا منصور حول أهمّيّة المهرجان، قالت إنّها تكمن في خلقه مشهدًا ثقافيًّا حيًّا في حيفا، يعزّز ممن كونها مركزًا ثقافيًّا، كما كانت دومًا، وذلك عبر وصولنا إلى جمهور غير المعتاد، من مختلف مناطق أراضي 48، يندمج مع السينما والأفلام.

 وفي إجابة عن السؤال حول الاختلاف والتجديد بين دورة المهرجان الأولى والثانية، قالت منصور: 'الفرق أنّ البرنامج توسّع؛ بدأنا مع 18 فيلمًا العام الماضي واليوم نحن مع 45 فيلمًا، بالإضافة إلى ورشات العمل والندوات ومحاضرات لخبراء في القطاع السينمائيّ. كما ثمّة تنوّع في الأفلام من الوطن العربيّ، إذ كسرت الدورة الأولى الحاجز بيننا والوطن العربيّ، وأعادت دمجه في المشهد الثقافيّ بحيفا من دون مجهود كبير، ومع الوقت، يجب أن يصبح هذا الأمر طبيعيًّا'.

نحلم بالدورة العشرين

روجيه خليف

يرى روجيه خليف أنّ أهمّيّة المهرجان تكمن في وجوده، 'صار عنّا مهرجان أفلام!' ويضيف: 'من المهمّ، أيضًا، إتاحة المجال أمام الجمهور الفلسطينيّ في أراضي 48 لمشاهدة أفلام من الوطن العربيّ، ليس فقط الأفلام المتوفّرة على القنوات التلفزيونيّة؛ من المهمّ أن نتواصل مع الأفلام القادمة من محيطنا العربيّ، كما من الضروريّ أن يعرف الوطن العربيّ عنّا وعن وجودنا المستقلّ. كما يهمّنا أن يكون المهرجان محفّزًا لإنتاج المخرجين الفلسطينيّين في أراضي 48، ومحفّزًا، كذلك، للإنتاج المستقلّ، وأن يكون منصّة فلسطينيّة لعرض الأفلام ولتبادل الأفكار والآراء بين العاملين في القطاع السّينمائيّ. المهرجان ساحة يلتقي فيها الجميع، ومن ضمنهم مَنْ يعمل في السينما. كما أنّ له أهمّيّة لمنظّميه، فنحن مجموعة من الأصدقاء، الشابات والشباب المقيمين في حيفا، ويهمّنا أن نعمل سويّة وننتج الفضاء الذي نرى ضرورة وجوده والعمل على بنائه'.

في إجابة عن السؤال: لماذا هذا الإصرار على استمراريّة المهرجان وتنظيم دورة ثانيّة؟ أجاب خليف: 'إحنا موجودين وداعسين، مش رح نوقّف. سوف نواصل العمل، طوال السنة، على تنظيم ندوات ومحاضرات متعلّقة بالسينما، ونريد أن يعتاد الناس على أنّ المهرجان دوريّ، وأن يرسل المخرجون أفلامهم للمشاركة في الدورات المقبلة. حتّى خلال التجهيزات للدورة الثانية. وصلتنا طلبات عديدة من مخرجين لعرض أفلامهم، لكنّنا اضطّررنا إلى تأجيل ذلك لأنّ البرنامج أُغلق. نحلم بدورة المهرجان العشرين، لا الثالثة أو الرابعة فقط. نريد أن يعرف المخرجون الفلسطينيّون في أراضي 48، أيضًا، أنّهم ليسوا بحاجة إلى منصّات إسرائيليّة لعرض أفلامهم؛ نريد أن نقدّم منصّة أفضل وأقوى من المهرجانات الإسرائيليّة، وأن نكون مكتفين ذاتيًّا، ببيئتنا ومحيطنا الذي يشبهنا. نحلم أن يكبر الطاقم وأن نقوّي فكرتنا ومهرجاننا عامًا بعد عام'.

منصّة للإنتاجات المحلّيّة والمستقلّة

لينا سويلم

حول سيرورة اختيار الأفلام، أوضحت لينا سويلم أنّ المهرجان تلقّى أفلامًا عديدة من محيطه؛ أصدقاء يعملون في السينما في فلسطين وخارجها، كما قدّم كلّ فرد في الطاقم اقتراحاته، لا سيّما أنّ جميعهم مرتبط بالحقل السينمائيّ ويعرف العديد من المخرجين، وعلى اطّلاع على المشهد السينمائيّ. وتضيف سويلم: 'تابعنا برامج مهرجانات سينمائيّة مهمّة، مثل ’مهرجان تورنتو السينمائيّ الدوليّ’، و’مهرجان برلين السينمائيّ الدوليّ – بيرلينالي’، و’مهرجان كان السينمائيّ’، و’مهرجان دبيّ السينمائيّ الدوليّ’، و’مهرجان بندقيّة السينمائيّ’، و’المهرجان اللاتينيّ العربيّ في بوينس آيرس’، وغيرها. كان أحد أهداف اختيار الأفلام إظهار الإنتاجات الحديثة في السينما الفلسطينيّة، لا سيّما التي عُرضت في الخارج ولم تُعرض حتّى الآن محلّيًّا، بالإضافة إلى الأفلام الكلاسيكيّة التي لم تُتح لها الفرصة قبل الآن لأن تُعرض في حيفا أمام الجمهور، وكذلك المشاريع التجريبيّة وأفلام الطلّاب التي تحتاج إلى منصّة مستقلّة محدّدة من أجل أن تعيش. من المهمّ منح منصّة للإنتاجات المحلّيّة والمستقلّة، وإحضار أفلام فلسطينيّة نجحت في الخارج إلى مدنها وجمهورها المحلّيّ. تحضر السينما الفلسطينيّة بقوّة في المنصات الدوليّة، ويجب أن تكون حاضرة، أيضًا، في المنصّات المحلّيّة، في حيفا بخاصّة، كي لا تكون المدينة معزولة عن المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ'.

وتتابع: 'أمّا الهدف الآخر، فكان إحضار أفلام غير فلسطينيّة إلى حيفا، لا سيّما من الوطن العربيّ، من أجل إعادة ربط حيفا مع محيطها العربيّ، ومنح الجمهور فرصة مشاهدة إنتاجات سينمائيّة رائعة في مدينتهم، بلا حاجة للسفر إلى برلين أو مهرجانات كبيرة. هدفنا خلال الاختيار، أيضًا، إلى توفير أشكال متنوّعة من الحوارات الثقافيّة في إطار السينما. مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام أصبح منصّة لكلّ سينمائيّ، تمكّنه من مشاركة قصّته مع الجمهور وعاملين آخرين في القطاع السينمائيّ. أحبّ فكرة حضور كلّ هؤلاء السينمائيّين من أماكن مختلفة عبر أفلامهم، يشاركون الجمهور المحلّيّ قصصهم. نسعى إلى فتح آفاقنا على ثقافات أخرى حول العالم، ومواجهة قصص أخرى، والتي ستتيح لنا، دومًا، فهمًا أفضل لقصّتنا نحن'.

التحرّر من أجندات المانحين

جونا سليمان

في حديث مع جونا سليمان حول أهمّيّة المهرجان، قالت: 'تحمل المهرجانات في السياق الفلسطينيّ، ومهرجانات الأفلام بخاصّة، معانٍ أكثر من كونها مجرّد برنامج احتفاليّ؛ إنّها تطرح أسئلة متعلّقة بالإنتاج، والاستقلاليّة، والسياسة، والخصوصيّة الثقافيّة، والارتباط والتواصل مع الوطن العربيّ'، وتابعت: 'من وجهة نظري، يعدّ مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام خطوة شجاعة نحو تخطّي الحدود وخلق التواصل، والتي تخضع السياسة لضرورات فنّيّة وثقافيّة. خطوة تموضع حيفا عاصمة ثقافيّة على الخارطة، وتمنح لكلّ الناس في حدود أراضي 48 مناليّة للأفلام والنشاطات التي لا يمكنهم، على الأرجح، الوصول إليها، في حال لم يكن هذا المشروع مستقلًّا، بالإضافة إلى كشفهم على معانٍ متعلّقة بعرض القصّة بصريًّا، بالصورة والنقد البصريّين. كما نرى في المهرجان فرصة لتخفيف الثقل المفروض على كاهل الفلسطينيّين بعامّة، إذ يدعو أفلامًا وخبراء من الضفّة الغربيّة وغزّة ليكونوا في فضاء واحد، إلى جانب أفلام عديدة من الوطن العربيّ والعالم'.

وتابعت: 'أرى، من خلال تجربتي في القطاع السينمائيّ على مدار 15 عامًا، أنّ هذا المهرجان يمنح منصّة لأشخاص مثلي، لمشاركة معرفتهم وخيالهم، والاستثمار والمساهمة في الفضاء العامّ، وذلك يضمن علاقة متبادلة بين السينمائيّين والجمهور، ولهذا أهمّيّة كبيرة، إذ إلى جانب إنتاج وتوزيع أفلامنا في العالم، فنحن نعزّز جذور العطاء لجمهورنا المحلّيّ بالأهمّيّة التي يستحقّ، وهي خطوة حاسمة نحو التغلّب على أزمة العروض السينمائيّة التي تواجه الاعتماد على المؤسّسات الدوليّة التي تفرض أجندات استشراقيّة وسياسات تتدخّل في ما نمثّل وكيف نقدّم صورتنا الشخصيّة'.

بلا مساومة

لمى سليمان

ترى لمى سليمان أنّ أهمّيّة المهرجان تكمن بتركيزه على الصناعة المحلّيّة، واختيار المهرجان للخطّ السياسيّ والأيديولوجيّ المرتبط به وبالإنتاج المحلّيّ والعالميّ، والعلاقة بينهما، وتضيف: 'المهرجان محاولة ومبادرة حقّقت ذاتها بمجرّد أنّها أصبحت موجودة، ومنحت مساحة للإنتاج السينمائيّ المحلّيّ، وهي ليست مؤسّسة ولا منظّمة، كما أنّها ليست مموّلة، وهذا الأمر، بحدّ ذاته، يمثّل مقولة قويّة، مفادها أنّ المبادرة قائمة وحيّة بلا مساومة. وهي تثبت أنّنا قادرون على الإنتاج طالما توفّرت القدرات وتضافرت الجهود، على الرغم من كلّ الضغوطات والظروف التي نعيشها في ظلّ احتلال ثقافيّ. المهرجان يثبت، أيضًا، أنّنا قادرون على الصناعة، وهو يجسّد هذا الأمر فعليًّا'.

وفي إجابة عن السؤال حول تحدّيات المهرجان، قالت سليمان: 'يكمن التحدّي المركزيّ، وفي سياق اختيار الخطّ السياسيّ الخاصّ بنا وموقعنا تجاه الوطن العربيّ وحيّزنا الفلسطينيّ، في مسألة مقاطعة التمويل الثقافيّ الإسرائيليّ، وهل يجب، بالمقابل، أن نقاطع دولًا أخرى ذات أنظمة قمعيّة؟ تحديد الخطّ السياسيّ أمر غاية في الأهمّيّة، بما في ذلك إعادة رسم موقعنا وعلاقتنا مع الوطن العربيّ والعالم'.

بوصلة

عايد فضل

تكمن أهمّيّة المهرجان لدى عايد فضل في عدّة مستويات، أوّلها المحلّيّ، إذ يعمل منظّموه على بناء أسبوع مليء بالثقافة يغيّر شكل المدينة، ويهدف إلى إغناء مشهدها الثقافيّ، ويضيف: 'تهمّنا إعادة الزخم للمشهد الثقافيّ في حيفا، والذي ضعف لفترة طويلة، وثمّة محاولات حثيثة خلال السنوات العشر الأخيرة لاستعادته. من المهمّ لنا أن نعمل على نحو مستقلّ، شابّات وشبابًا فلسطينيّين في مدينة حيفا، بالإضافة إلى تواصلنا مع محيطنا العربيّ، والذي يمثّل المهرجان جسرًا يُبنى بيننا وبينه على أساس من الثقة التي لم تكن موجودة كثيرًا، وتحصل الآن. نؤكد للعالم العربيّ من جديد من نكون، وأن تواصلنا معه هو الذي نبحث عنه وهو الطّبيعيّ والحقيقيّ الذي حُرمنا منه لسنوات طويلة'.

في إجابة عن السّؤال حول أهمّيّة تعاون المهرجان مع فضاءات ثقافيّة فلسطينيّة عديدة في حيفا، يقول فضل: 'يمثّل هذا التعاون أحد أهمّ المحاور التي نعمل عليها في المهرجان، التعاون مع فضاءات مستقلّة، ما يثبت أنّنا قادرون على العمل والإنتاج وصنع حقيقة جديدة غير متعلّقة بأيّ مؤسّسة كانت. أهمّيّة المساحات لديّ تكمن في أنّه لا يمكن بناء نشاط سياسيّ وثقافيّ واجتماعيّ بلا فضاء حاضن، يمشيان سويّة، وهذا مهمّ للمهرجان جدًّا. للمهرجان أجندة وخلفيّة، بالإضافة إلى إحياء المشهد السينمائيّ وصناعة الأفلام، فهو يحاول منحنا بوصلة تتّفق عليها المساحات الثقافيّة المتنوّعة، على الرغم من اختلاف مضمونها وما تقدّمه للجمهور. لكنّنا بالفكر والمبدأ نتواصل مع بعضنا، مؤمنين بضرورة إحياء حيفا الثقافيّة من جديد. هذا ما نفخر به'.

 

رشا حلوة

 

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة من مواليد عكّا. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ، وكذلك الثقافة بمفهومها الأوسع؛ قصص الناس، وطقوس حياتهم، والسفر، وغيرها. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة، وكان مشروعها خلال إقامتها التي استغرقت خمسة شهور، الكتابة عن حضور الثقافة العربيّة في ألمانيا تحديدًا، وأوروبّا بعامّة، من خلال تغطية نشاطات ثقافيّة وفنّيّة، ومن خلال قصص الناس. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007.

تعليقات Facebook