بيت البحر: العدميّة من دون شك

أصدق الأعمال دراميّة، تلك التي يسيطر فيه المعنى على بنية العمل التحتيّة. عندما لا تكتفي مقولة ما بأن تُظهر نفسها من خلال المضمون، بل تسمح لنفسها أن تعبث بالهياكل التقليديّة والمتوقّعة وأن تطغى على التقنيّات؛ لا أن تشتغل التقنيّات وخيارات الإنتاج ومبنى الدراما في خدمة مقولة ما، بل أن تتماهى التقنيّات والإنتاج والمبنى مع المقولة على نحو خالص وتامّ.

عدد قليل من الأعمال الأدبيّة والفنّيّة تفعل ذلك بوعي من صانعها. أمّا الاحتمال الآخر، فأن تفعل الأعمال ذلك على الرغم من الصانع، ولكونه، تحديدًا، غير متنبّه لطبيعة العلاقة بين معرفته الحِرَفيّة ومقولته الإنسانيّة. في هذه الحالة، فإنّ المقولة (وهي ناتجة عن حالة فكريّة أو عاطفيّة أو نفسيّة لدى الصانع) تكون قد سيطرت عليه، ولم يفلح هو بالسيطرة عليها. وتنتقص هذه الحالة من ذكاء العمل، ومن إضافته للمعرفة والثقافة، لكنّها لا تنتقص من مصداقيّته. يمكن، ببساطة، مشاهدته مثلما تشاهد أيّ طوشة في الحارة، على أنّها عمل دراميّ لا يدرك القائمون عليه ما الذي يصنعونه.

فقاعات صابون

الفيلم اللبنانيّ 'بيت البحر' لروي ديب، والذي عُرض ضمن مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام، يحكي قصّة جيل عدميّ، جيل بات يعرف أنّ أحلامه ومقولاته الكبيرة لن تتحقّق فعلًا. شخصيّات سينيكيّة ساخرة وسوداويّة غارقة في ذاتها، تتقافز بين كذبة وأخرى، وترتبط ببعضها على أساس كذبة. كلّما ارتسمت لها حقيقة، انهار العالم من جديد، وكلّما كُشفت كذبة، بدأ العدّ التنازليّ لاكتشاف طبقة أخرى من الكذب. ما هو أهمّ من ذلك، أنّ الشخصيّات، ومنذ كُشفت أوّل كذبة في الفيلم، لا تظهر أيّ علامات صدمة. الحقيقة، عند الجميع، ليست مدعاة للانتفاض أو للغضب أو للخروج من اللعبة. إنّها، في أعنف الأحوال، مدعاة لنكتة جارحة.

بيت البحر / The Beach House - Trailer from Roy Dib on Vimeo.

عندما تخرج هذه الشخصيّات من 'بيت البحر' الذي مكثت فيه، تتعطّل الدراما ويتحوّل الفيلم إلى سلسلة طويلة من السرديّات غير المتشابكة عن مواضيع شتّى. تنتهي حبكة خبيثة ومثيرة عمادها الكذب والاحتيال، وتذهب الشخصيّات في مصارحات نوستالجيّة وذاتيّة تكشف هشاشة مقولاتها وركاكة تجربتها، كما تكشف سذاجة مرعبة مغلّفة بتكبّر واثق مثير. في هذه المرحلة من الفيلم، تكشف الشخصيّات أمرًا مهمًّا: أنّ عدميّتها التي شاهدناها في القسم الأوّل ليست موقفًا من الحياة، ليست قوّة تشكيكيّة جبّارة ارتقت إليها الشخصيّات، بل إنّ هذه العدميّة تعبير صريح عن مكنون هذه الشخصيّات: إنّها، فعلًا، لا شيء أكثر من فقاعات صابون قصصيّة، بعضها لطيف، بعضها مملّ، بعضها مبتذل. لكنّ هذه القصص، مجتمعة، لا تقوى لا على الشكّ ولا على اليقين.

في واحد من المشاهد، يُسأل 'رواد' عن معنى كلمات الأغنية التي غنّتها 'ريّا' بداية الفيلم، 'الهاشا باشا تِك'، ولا يعرف الإجابة طبعًا. في مشهد آخر، يظهر 'رواد' وهو يقرع الدرامز بخلفيّة مونولوج 'يوسف' على نحو واثق ومثير. عودةً إلى الادّعاء بأنّنا أمام سذاجة مرعبة مغلّفة بتكبّر واثق مثير، فلا أستطيع إلاّ أن أقارن بين هذين المشهدين من جهة، والمشهد الذي تغنّي فيه شادية أغنية 'الهاشا باشا تك' في فيلم 'قطر الندى (1951)'، وفي الخلفيّة أنور وجدي يقرع الدرامز بحركات تهريجيّة سخيفة من دون معنى. شخصيّة 'رواد'، على الرغم من ثقتها وإثارتها، لا تختلف، معرفيًّا، بأيّ شيء عن تفاهة أنور وجدي، من حيث إدراكه للهراء (والكذب) الذي يرافقه.

سرديّة عبثيّة

في مرحلة ما (ولن نحكم إن كان ذلك بوعي المخرج أم لا)، يهرب الفيلم من تماسك حبكته وخبثها الممتع والمحكَم؛ يخرج من 'البيت' ويلجأ إلى كشف المكنون القصصيّ التافه للشخصيّات. هذه ليست بالضرورة مشكلة كتابة، فالناس، في الحقيقة، غير مدركين لعمق أزماتهم وتجاربهم، لا سيّما عندما يحكونها للآخرين. لكن المهمّ، أنّ هذه النقطة هي التي تنكشف فيها العدميّة كمظهر تفاهة لا كمظهر معرفة تولّد الشكّ. هذه نقطة مفصليّة في الفيلم.

في هذه النقطة – الخروج من البيت - ينشلنا الفيلم من دراما متدفّقة باتّجاه هدف مجهول ننتظره بشغف، ويرمي بنا في سرديّة عبثيّة من دون معنى، قائمة لأجل نفسها ولا شيء غير ذلك. وهي تذكّر، إلى حدّ بعيد، بواحد من مشاهد الفيلم الأهمّ: 'ليلى'، بسخريتها السوداء القويّة غير المؤمنة بأيّ شيء، تريد طفلًا. تحاول أوّلًا أن تستدرج 'رواد' إلى دراما الحمل (الجنس)، وتضطّرّ، لاحقًا، إلى التنازل عن هذه الدراما، والحصول على طفلها منتوجًا مادّيًّا من دون أيّ معنًى أو قيمة. من هنا، فإنّ السؤال الذي لا يزال عالقًا لديّ هو الآتي: إلى أيّ حدّ يشبه الفيلم نفسه، الطفل الذي ستنجبه 'ليلى'؟

***

بطاقة الفيلم:

بيت البحر (2016)

إخراج: روي ديب.

روائي، 75 دقيقة.

لبنان.

بالعربيّة.

باشتراك: ساندي شومان، وجوليان فرحت، ونسرين خضر، ورودريج سليمان.

بيت البحر، فيلم عن أربع شخصيّات من جيل عربيّ يطوف فوق أنقاض عقائد وقضايا وقيم أسلافهم. يظهر الفيلم لا مبالاتها الفكريّة والعاطفيّة تجاه ما يحدث حولها، في حياتها اليوميّة وفي علاقاتها. في منزل من هندسة المعماريّ العراقيّ الشهير، رفعت الجادرجي، ذي التجربة الستينيّة في مزج العمارة الحديثة بالإسلاميّة، وضمن مكعّب إسمنتيّ معلّق على شاطئ صخريّ تضرب به أمواج البحر المتوسّط، نمضي ليلة مع الشخصيّات الأربع ومع محادثاتها وأفعالها المتتابعة، التي تعكس الغفراغ والفوضى التي تعيشها.

 

ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام.

 

مجد كيّال

 

وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. درس الفلسفة والعلوم السياسيّة في الجامعة العبريّة في القدس، ويكتب لملحق 'السفير العربيّ' الصادر في بيروت. نشر نصوصًا سياسيّة وأدبيّة وبحثيّة في عدد من الإصدارات والصحف، إضافة إلى مدوّنته الشخصيّة التي يكتبها منذ العام 2010. حصلت روايته الأولى 'مأساة السيّد مطر'، على جائزة مؤسّسة عبد المحسن القطّان للكاتب الشابّ عام 2015.

 

تعليقات Facebook