فيلم اشتباك: الثورة المصريّة في "عربة ترحيلات"

يحكي فيلم "اشتباك" (2016)، للمخرج المصريّ محمّد دياب، عن مجموعة من الأشخاص المؤيّد منهم والمعارض لحكم الإخوان المسلمين، نساء، وأطفال، وبلطجيّة، وصحافيّين، ومَن لا يعنيه الأمر، مَن أحزنه وفاة كلبه مع مَن أحزنه الانقلاب (هل الفيلم يسمّيه "الانقلاب؟" لا أتذكّر)، زجّوا جميعًا في عربة ترحيلات عسكريّة. حدث ذلك معهم بعد 30 يونيو 2013، وقتها كان أشد المتفائلين يعرف بــ "أنّ القادم أسوأ".

المكان المصيدة

أحداث الفيلم جميعها تجري داخل عربة الترحيلات، من شبابيكها نطلّ على الخارج، وعبر بابها فقط تدخل الكاميرا وتخرج، ومكان التصوير واحد، ما يحتاج إلى عبقريّة سيناريو تنقذ الفيلم من الرتابة، وهو ما تمكّن منه "اشتباك" باقتدار.

إنّ أماكن مغلقة بإحكام كهذه، كفيلة أن تخرج من الإنسان أسوأ ما فيه. نحن نعرف أنّ رواية "رجال في الشمس" (1963) لغسّان كنفاني حدث فيها هذا؛ ما الذي جعل الرجال، في الرواية، يفضّلون الموت داخل الخزّان بدلًا من طرقه والخروج؟ إنّه الخوف، الإجابة الأشدّ بداهة، لكن الخوف من ماذا إن كانت الحياة نفسها محلّ تهديد؟

اختلاف الإجابة عن هذا السؤال كان يرسم مسارات ومصائر مختلفة للناس، دائمًا؛ في حالة مصير "رجال في الشمس"، الخضوع بدلًا من المقاومة كان سبب فنائهم، بلغة أخرى، "الموت خوفًا" بدلًا من "الخوف على الحياة"، وتلك الأخيرة التي نسمّيها "الثورة" عادة. والثورة بدورها تدفع الناس إلى تفضيل خوف على آخر، إلى اختيار "الخوف الذي تريد" والذي يحمل وعودًا بحياة مغايرة.

والفيلم الذي نحن بصدده أدخل مكوّنات هذه الثورة الجريحة إلى عربة ترحيلات، بعد انهيار كلّ وعودها الخاصّة، وأخذ يتأمّل "حلاوة الروح" في المصيدة، لذلك أخرج من مشهديّته السؤال الأبسط والأهمّ: هل حدث انقلاب خارج العربة أم لا؟ لا يريد الفيلم التورّط بسؤال كهذا، وكأنّ عدم الإجابة لا تعدّ إجابة شديدة الوضوح، فأنت، باختصار، حين تقرّر تجاهل سؤال بهذا الحجم، فإنّ الكثير من الفاعلين داخل المشهد سيختفون تلقائيًّا، كالجيش في الفيلم مثلًا.

النظام ولعبة التخفّي

لا يكون النظام القهريّ نظامًا، في عصرنا، إلّا في حالة تخفّ، حين يقدّم نفسه بصفته شيئًا آخر، فتحمل هيمنته اسم "أمن الدولة"، ويسمّي أنيابه الأشدّ فتكًا "وزارة الداخليّة". لعبة النظام التخفّي، وهذا ما نجح الفيلم بالتقاطه، إذ إنّ النظام غير حاضر لشدّة حضوره؛ إنّه "عربة الترحيلات" نفسها التي يراها الجميع ولا يرونها، والإغلاق المحكم الذي يحتوي الثورة وضدّها معًا، والفرد وأسرته، والتنظيم السياسيّ، والمصالح الفرديّة، يأخذها كلّها إلى داخل عربته، ويجعلها تتفاعل أمام عينيه بعد أن يطحنها بقسوة. هذا هو النظام تمامًا، إنّه أفق تفكير قبل كلّ شيء، وعنف في السلوك خلال كلّ شيء.

 

العسكريّ وقد تسلّل

يدخل إلى هذه العربة العسكريّ "البسيط"، بعد أن تمرّد على الأوامر، وما نتعلّمه من "العبوديّة المختارة" للابويسيه، أنّ العبوديّة لا تُحْكِم نفسها إلّا عبر استغلال هذا النوع من "البساطة"، وعبرها تكون مقاومتها أيضًا، لأنّ ما يزحزح موقع العسكريّ من موقع الخصم، ومن كونه أداة بيد الدولة إلى "حضن" المجتمع، مجتمعه الذي يخصّه. لقد كانت، قبل كلّ شيء، القدرة الأوّليّة لا بن الريف على التخيّل الأخلاقيّ البسيط أنّ "هذه الفتاة من الممكن أن تكون أختك"، أي بارتداده عن الدولة ومدينتها من موقع تلك "البساطة" الفطريّة نفسه، بذلك لا يعود موقف العسكريّ "مكياجًا" للنظام وإخفاء له، بل خروج عنه، حتّى ولو على شكل ردّة نحو الخلف.

 الإمكانيّة الوحيدة المتاحة للعسكريّ حتّى يحقّق هذا الانزياح لا تمرّ عبر قيم الدولة: "المواطنة"، و"المدنيّة"، و"منظومة الحقوق الحديثة"... إلخ، إذ كلّ أنواع التعاطف الحديثة أصبحت في يد النظام القمعيّ، وقد حرّم استخدامها العامّ. إنّما يتحقّق انزياحه عبر قيم "ما قبل الدولة"؛ يحدث التعاطف على نسق: "مثل أختك، مثل أبوك، مثل أمّك... إلخ"، وما من شيء أشدّ من ذلك إعلانًا للفشل، بعد عودة المجتمع الحديث ليكون أهالٍ، كون هذا خيارًا أخيرًا في وجه الظلم.

فشل النظام في أن يكون مصدرًا للانتماء، بعد أن أغلق كلّ إمكانيّات التعاطف الحديث، فهرب الناس خارجه، نحو ما يعرفونه سابقًا، ليجدوا أنفسهم مجدّدًا داخل العربة، حيث يصبح مصير العسكريّ المتمرّد من مصير باقي المجموعة.

النظام حاضر بقوّة بعد أن منع كلّ أنواع الصيرورات خارجه، وأدخلها إلى عربة الطاعة بالقوّة. ولو وقع الفيلم في التبسيط الشهير الذي يُظهر القائد الفاسد (وزير، ورئيس شرطة، وقاضي... إلخ)، لغدا مثل الأفلام الأميركيّة التي تفضّل فهمًا مختزلًا للنظام، ذلك المتمثّل في أنواع مخصوصة من قصص الفساد والرشاوي.

عرض الفيلم النظام كما هو، بشموليّته، لكنّ الحظّ لم يحالفه حين تعلّق الأمر بالمجتمع. كيف يمكن قول هذا مع أنّه كان حريصًا جدًّا على تمثيل فئاته كلّها (حتّى أنّه وضع في الصحافيّ المصريّ الأميركيّ، آدم ’الفنّان هاني عادل’ كلّ الكليشهات المعروفة عن صحافيّ مصريّ وأميركيّ)؟ ربّما، وبسبب هذا الحرص تحديدًا، ومن خلاله، أضاع الفيلم الفرصة الممكنة لفهم المجتمع، وسنحاول بيان ذلك.

في لحظات الضجر من الثورة

نتعرّف على شخصيّات الفيلم منذ بدايته على شكل مجموعات؛ يصطفّ الأفراد حُزَمًا ولا نعرف عنهم أكثر من ذلك، يبدأ الشجار الأوّل بين "مؤيّدين للإخوان" و"معارضين لهم"، وشيئًا فشيئًا يبدأ ما يبدو تماسكًا بالتحلّل، ويبدو أنّ ما يجعل الناس يتصارعون "قلّة ما يعرفونه عن بعضهم البعض"، لذلك كان التعارف كفيلًا بحلّ المشكلات، فالتفاهم الممكن والوحيد يطلّ في لحظات الهدوء والصمت. بعد انهيار قوى الجميع يبدؤون بالضحك، والحديث، والتعارف، ليكتشفوا إمكانيّة التعاون والصداقة. تحصل هذه "اللمّة" الفرحة بنفسها، وفق الفيلم، من خلف ظهر السياسيّ، في لحظة نومه وتعبه، ولأنّها كذلك لا تطول، إذ سرعان ما يستعيدون مواقعهم وللسبب نفسه، وهو أنّهم يتساءلون عن مصيرهم الذي على المحكّ دائمًا، فيقتتلون مجدّدًا، وبانتماءاتهم السابقة الجاهزة للاستخدام.

ولشدّة ما يشبه هذا مشاعر خبرناها في حياتنا، فإنّنا نميل إلى تعميمه ورفعه إلى مقام "الأيدولوجيا"؛ لا يمكن رؤية الفرد من خلال جماعة، هذا صحيح، لكنّ هذا لا يعني عدم رؤية الجماعة فيه ورؤية ما هو منه في الجماعة. بمعنى آخر، يصبح غير ممكن صعود ما هو إنسانيّ بالفرد إلّا بضمور ما هو سياسيّ داخله، ولا تبرز فرديّته إلّا بتراجع الجماعيّ عنه.

هذا النوع المخصوص من فهم الفرديّة نسمّيه "الليبراليّة" عادة، لذلك برزت نجوى (الفنّانة نيلّي كريم)، الممرّضة الرحيمة التي دخلت إلى العربة من أجل ابنها، لا لسبب آخر، لكنّها مع ذلك، أو بسب ابنها، كانت صاحبة المبادرة الوحيدة داخل المركبة؛ تداوي الجرحى، وتقترح الحلول، وتقود عمليّة خطف باستخدام البلطجيّة. هذه هي البطولة الوحيدة الممكنة والمتخلّصة من السياسيّ تمامًا، بعد أن جَرَحَنا الأخير بما يكفي نتيجة الثورة. حتّى أنّنا لا نحفل ببطولة مالك (الفنّان أحمد التركي) في خطف الشاحنة من أجل تحريرهم!

مَنْ هو "المجتمع"؟

 نحن نعدّ مجتمعًا ما كذلك، أي "مجتمعًا"، لوجود الخلافات وليس لاختفائها، فالمشكلة لا تكمن في تذويبها وتحويلها إلى مركّب "إنسانيّ" جامع، ومتخيّل، ووهميّ، بل في استيعابها وإدارتها، والقذف بها قدر المستطاع إلى نقطة ما خارجها، لكي لا تتحوّل إلى عنف داخليّ وانفجار محلّيّ، وهذه الإدارة الخلّاقة مارسها المجتمع المصريّ بشكل حرفيّ، لا مجازيّ، يوم الثورة، وكلّ هذه انشغالات ضروريّة لحالة ثوريّة (وما بعد ثوريّة).

لكنّ الفيلم كان مستعجلًا للرثاء، ففرّغ كلّ النقاشات من إمكانيّاتها الحركيّة وجعلها تسترخي في ما هو أقلّ توتّرًا: "الإنسانيّ"، الذي من السهل أن يدين ما هو واضح من موقع تأمّله (بعد أن يُعاد تعريفه طبعًا). لذلك لم يكن غريبًا أن يرفع الاشتباك الحاصل بين المتظاهرين والشرطة إلى مصافّ "الاشتباك المسلّح"، حتّى أنّ المعتقلين أنفسهم أخذوا يدلّون رجال الأمن على أماكن إطلاق النار! في وقت حتّى شعار "الجيش والشعب إيد واحدة" لم يعد أحد يأخذه على محمل الجدّ!

 يستمرّ تفتّت الأفراد وانقسامهم، بل وتذريرهم، إن لزم الأمر، حتّى تمكن "رؤيتهم"، فتنقسم مجموعة الإخوان داخل العربة إلى قسمين: قسم منتظم في الجماعة وآخر مؤيّد، ثمّ ينقسمون لشباب وشيوخ. لاحقًا تنفصل الفتاة المحجّبة عن والدها العجوز (الذي نزل أساسًا للمظاهرة من أجل حمايتها)، وحين حدث هذا الانفصال رغمًا عنها، تنفصل طواعيّة عن "جمود" شخصيّتها و"غطاء رأسها" معًا، فتسحب "دبابيسه" لتخيط به جراح رجل مصاب.

ينقسم معارضو الإخوان بدورهم، ويعودون لتعابيرهم الأكثر "فرديّة". صديقان يقتتلان لأنّ أحدهم يكتشف حبّ الآخر لـــ "أخته". البلطجيّ الثالث لم يكن بلطجيًّا في الأساس، إنّما خائف من "البلطجيّة"، فيحمي نفسه منهم بأن يصير مثلهم، يضع شفرة في فمه ويتكلّم مثلهم، ويلبس مثلهم، ليحمي نفسه "منهم"، لكن أين هم؟

في الواقع لا وجود للبلطجيّة في حال إصرارك على رؤية مجتمعك برومانسيّة؛ المجتمعات لا تتصارع بسبب سوء الفهم فقط، بل بسبب الفهم أيضًا، فالمرء يفهم سياقه الخاصّ، ودوره، ومصالحه، وصراعاته، حتّى رغبته في القتل، ويحدّد أصدقاءه وأعداءه، وهي كلّها مزيج من الفهم وعدمه معًا، يحكمها السياق وتؤثّر فيه في آن، وهذا ما نقصده بأنّ الفيلم تمكّن من القبض على النظام في اليد نفسها التي سقط منها المجتمع.

مرثيّة في الثورة

نهاية الفيلم المأساويّة أكسبته قوّة إضافيّة؛ تدفّقت الجماهير الغاضبة نحو عربة الترحيلات، وانقسم المعتقلون داخل العربة، مجدّدًا، في تحديد هويّة القادمين؛ كلّ فريق يظنّهم جماعته القادمة لإنقاذه. يبدأ الهتاف المتناقض بحناجر خائفة تتوسّل بالقادمين، والقادمون أنفسهم خائفون وهستيريّون. إنّهم يهرسون كلّ شيء من دون تبيّن هويّته، فيسحلون المعتقلين جميعهم إلى خارج العربة بعد أن تحوّلوا إلى محض أجساد بلا توقيع خاصّ.

وأيّ رثاء أشدّ بلاغة للثورة المصريّة من هذه الخاتمة!

 

طارق خميس

 

صحافيّ وباحث، خرّيج الإعلام والعلوم السياسيّة من جامعة اليرموك الأردنيّة، وحاصل على درجة الماجستير في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بير زيت الفلسطينيّة. يكتب في عدد من المؤسّسات الإعلاميّة الفلسطينيّة والعربيّة، ويهتمّ بالفكر والفلسفة

تعليقات Facebook