بشتري راجل: الزواج كما لم يألفه المشاهد العربيّ

نيلّي كريم ومحمّد ممدوح

ناقش صنّاع السينما العرب، على مدار عقود، قضايا صادمة كثيرة تنأى المجتمعات عن طرحها عادة، تحت وطأة الأعراف والتقاليد، إذ هي "عيب وحرام"، ولا سيّما إن كانت تُطرح من وجهة نظر نسويّة، أو تتناول آراء غير شائعة مجتمعيًّا، أو أسلوب حياة غير اعتياديّ أو غير مقبول، أو تعطي شرعيّة لحرّيّة الخيار، معبّرة بذلك عن تطلّعات صنّاعها، وتطلّعات الكثير من الناس في سياق يقمع المختلف.

جرأة

هذا ما فعلته السيناريست إيناس لطفي لدى كتابتها نصّ فيلم "بشتري راجل" (2017)، والذي يمثّل تجربة جديدة وجريئة شهدتها السينما المصريّة مؤخّرًا، ما كانت لتخرج إلى النور لولا جرأة طاقم الفيلم وإصراره، نساءً ورجالًا، منذ لحظة الإعلان عنه حتّى يوم عرضه؛ فهو أوّل سيناريو لإيناس، ولم يكن مفهومًا ضمنًا أن تأخذ الجهة المنتجة على عاتقها إنجاز الفيلم، بتكاليفه المرتفعة، وكاتبته مبتدئة في المجال، لا بل وإقدام كلّ من الممثلة نيلّي كريم، والمخرج محمّد علي، والمنتجة دينا حرب، ومدير الإنتاج خالد الجلب، على المشاركة في تمويل الفيلم من أجورهم. 

بدأ الإعلان عن الفيلم من خلال موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك"، عندما ظهرت فتاة مجهولة الهويّة تعرض مبلغًا من المال على أيّ رجل يقبل الزواج بها لتحمل منه مجهريًّا، بلا جِماع، ثمّ تطلّقه بعد الولادة. فكرة جريئة أوجدت جدلًا بين مؤيّد ومعارض، والذي استمرّ مع ظهور إعلان الفيلم الرسميّ وبدء عرضه، وهو من إخراج محمّد علي، وبطولة كلّ من الممثّلة نيلّي كريم (دور شمس نور الدين)، والممثّل الذي أثبت حضوره على الساحة الفنّيّة مؤخّرًا، وبقوّة، محمّد ممدوح (دور بهجت أبو السعد).

من "مدب" إلى "جنتيل مان"

شمس نور الدين (نيلّي) موظّفة بنك تجاوزت سنّ الخامسة والثلاثين، جميلة ومرغوبة، تكره الرجال ولا تطيق فكرة العيش مع واحد منهم، إلّا أنّها تحلم بالأمومة، ما يدفعها إلى البحث عن طريقة تجنّبها الزواج، فتجد ضالّتها في طبيب بيطريّ! والذي يظهر نقيضًا لها، فهي فراشة ضئيلة، مقابل رجل ضخم ومتجهّم.

ينجح محمّد ممدوح في أداء دور الطبيب البيطريّ، واسمه بهجت أبو السعد، على الرغم من أنّه لم "يسبّل بعينيه وفق التوصيف المصريّ، ولم يكن ذلك الحبيب المتلهّف، بل هو أبعد ما يكون عن الرومانسيّة؛ شخصيّة الهدف منها محدّد منذ بداية الفيلم، وهو أن يتزوّج من شمس نور الدين لتحمل منه مجهريًّا، ويتقاضى أتعابه لقاء ذلك لكي يسدّد ديون مزرعته. ثمّ نكتشف نهاية الفيلم، وعبر تطوّر مقنع، أنّ الطبيب البيطريّ الـ "مدبّ" "جنتيل مان" حقيقيّ، على النقيض من الانطباع الأوّليّ الذي يتشكّل في ذهنيّة المشاهد بداية الفيلم، ولعلّ حبّه للمزّيكا وممارسته الدي جي كان مفتاحًا دلاليًّا في الفيلم يشير إلى باطن هذه الشخصيّة.

الرجل سلعة!

طرحت إيناس فكرتها الجريئة بصورة كوميديّة منسابة، بعيدة عن التعقيد، وقدّمه المخرج محمّد علي وفريقه عبر مشاهد لافتة لإتقانها وجمالها البصريّ، كما قدّم كلّ من نيلّي كريم ومحمّد ممدوح تطوّرًا مقنعًا للشخصيّتين المركزيّتين على طول الفيلم، وأتقنا عرض التناقضات بينهما، شكلًا ومستوًى اجتماعيًّا وثقافيًّا، وهي أمور أدّت مجتمعة إلى أن يكون الفيلم ممتعًا وشائقًا.

ما فعله هذا الفيلم ليكون لافتًا وجريئًا، أنّه قلب الشائع في المجتمعات العربيّة المعاصرة، من كون الرجل "شاريًا" للمرأة، والأخيرة "مشريّة"، تخدمه وتحقّق رغباته عبر مؤسّسة الزواج بأشكال عقوده المختلفة، والتي تشمل أيضًا "المسيار"، و"المتعة"، و"العرفيّ"، و"الوناسة"، وغيرها.

هي فكرة غير مألوفة لدى المشاهد العربيّ، ولعلّها صادمة، إذ يرى الرجل سلعة والمرأة ممسكة بزمام الأمور، تسيّرها كما تشاء، وهو ما لم يعهده في السينما العربيّة.

 

ليلى أبو شحادة

تعليقات Facebook