"تحت العباءات" لميشيل زارزير: الآدميّ يقابل شكّه سينمائيًّا

 

يعرض الفيلم القصير "تحت العباءات" (2015) [Under The Robes]، لمخرجه اللبنانيّ الشابّ، ميشيل زرازير، الكوميديا والشكّ والإيمان جنبًا إلى جنب، حيث "الأُسْقُف" معادل رمزيّ لصراع لحظتين في النفس البشريّة داخل الفيلم المتخيّل، ومعادل عامّ للواقع الحقيقيّ.

يغلب على الشريط السينمائيّ، ولمدّة 19 دقيقة، الحوار البطيء بين الشخصيّات القليلة، المتّسمة بالكوميديا اللحظيّة والبراءة الطفوليّة لنسوة راهبات يعشن في مكان شاحب مُبعد عن هذا العالم، وذعر الأُسْقُف وانهياره إثر خطأ أوصلته قدماه إليه بدخوله حقلًا طافحًا بالألغام من مخلّفات الحرب، وهي اللحظة التي يُعْلَن فيها عن الصراع سينمائيًّا.

لحظتان بشريّتان

أُسْقُف يزور مجموعة من الأخوات في دير بعيد، ربمّا في ريف منعزل، كما هو جليّ من المكان العامّ، ليبلغهنّ بأنّ الدير سيغلق ربّما قريبًا، وبأنّ الأرض ستُباع. بخطأ ما، يدخل الأُسْقُف القادم من مكان بعيد حقل ألغام إلى جانب الدير، وذلك بعد أن يبارك إقامة الراهبات الأخوات، ويصلّي من أجلهنّ، لتبدأ رحلته، باقيًا أسير إيمانه المشكوك به بسبب الشتائم التي يطلقها فور إحساسه بأنّ الموت قادم، وأنّ الكومندان وطوني، المعادلين الرمزيّين للبشر، سوف يساعدانه وينقذان حياته، وليس الربّ! على الرغم من تشجيع الأخوات له على الصبر، وألّا يضعف ويرفع قدمه عن اللغم، المعادل الرمزيّ للموت.

تلخّص الحكاية موقفًا من الممكن جدًّا أن يطرأ في حياتنا اليوميّة، لحظة اندلاع الصراع بين كلّ من اللحظتين البشريّتين: الشكّ والإيمان، في الأوقات العصيبة من الحياة البشريّة التي تُسَيّر وفق نواميس محدّدة.

منطقة مسكوت عنها

يبدو الفيلم مفعمًا بالألغاز الدينيّة، إن جاز التعبير، ببراعة تقنيّة، من ناحية السيناريو، وحركات التصوير، والجوّ العامّ المتّسم بالشحوب؛ وقد حاول المخرج إبراز الشكّ الإيمانيّ خلال الدقائق الأولى من بدء الشريط، وبربط معيّن بين المشهد الأوّل للراهبة المعتلّة على السرير المرتّب، والمشهد الأخير الذي يكون كلّ شيء فيه قد انتهى في نظر الأُسْقُف والأخوات اللواتي في الخارج، فيما الراهبة المريضة تغادر سرير المرض وتمضي صارخة على الجمع، من دون أن تعلم ما الذي حدث في الخارج قبل هنيهة؛ لقد تحسّنت وبات بمقدورها المشي.

تظهر للمشاهد، وبطريقة سينمائيّة لافتة، خطورة الشكّ والإيمان في التركيب الجوّانيّ للبشر إن لم يأتيا على اتّزان معتدل؛ هذه الثنائيّة القاتلة التي تظهر البشريّة على حقيقتها وتعرّيها.

تناول الفيلم للشكّ والإيمان برمزيّة، وبلا هوادة أو حرج، وغزا المنطقة المسكوت عنها في السينما والثقافة بشكل عامّ، وكأنّ تحت رداء الكاهن ما هو أعمق من الشكّ والإيمان، كشقيقين ندّين، الأوّل يصارع الثاني ليحلّ محلّه؛ هذا ما يفسّر الصراع الدائر بين الشكّ والإيمان خلال صراخ الأُسْقُف لحظة دعسه على لغم، وما يحويه الأخير من معادل رمزيّ للموت القادم من غيبٍ دفع الأُسْقُف لأن يدخل الحقل الملغّم، ليطلب النجدة من آدميّ مثله، غارق في صراع الشكّ والإيمان مثله أيضًا!

إرباك

ببداية مفتوحة، وخاتمة كذلك، يغدو الفيلم مربكًا لوهلة، لكن بعد الإمعان في المشاهدة، تُعاد للأذهان مشاهد الأخوات ولعبهنّ الطفوليّ المحض، دلالةً على عزلة ما، لعلّها البساطة الكامنة، أو أثناء التعليمات التي تعطيها أخت للبقيّة أثناء مجيء الأُسْقُف، نوعًا من قداسة شخصه الآتي من مكان بعيد، ثمّ طلب الأُسْقُف التقاط صورة له قبل أن يموت معلنًا، بشكل أو بآخر، وعلى صعيد شخصه، انتصار لحظة الشكّ على الإيمان.

يعطي توظيف المكان العامّ لأحداث الفيلم انطباع العزلة كذلك، حيث الشحوب يغطّي كلّ مفردات الكادر المشهديّ، ليغدو حقيقة ماثلة أمام الأبصار؛ كلّ ما مضى نقاط رمزيّة تسجّل للفيلم، ماضية في منح ألق المشاهدة للأعين الناظرة.

كوميديا رمزيّة

الكاميرا، بدورانها وتغطيتها لأجواء المشهد العامّ، تمنح للأخوات ملامح عزلة، وربمّا يكون توظيف مشهد مجيء الأُسْقُف بمثابة تعكير لصفو عيشهنّ بعيدًا عن الصخب، حيث الجوّ الهادئ، والتصالح بين الأخوات، والمكان الذي يحوي حقل ألغام، التي بقيت لتدلّ على حرب في ماضٍ سحيق.

نادرًا ما تبدأ الأفلام القصيرة بمشهد يشبه لوحة تشكيليّة تحيل إلى القرون الوسطى، مثل مشهد مرض الراهبة الممدّة على السرير، حيث كلّ شيء مرتّب في العمق، والكاميرا مدارة بعفويّة مصوّرة الجوّ العامّ للأحداث التي تتعقّد مع وصول الأُسْقُف، في ظلّ صوت أغنية حديثة تأتي من السيّارة التي تقلّه. أمّا النقطة الأخيرة من الفيلم، فتدلّ، بشكل أو بآخر، على كسر جليد الدلالة الدينيّة المبنيّة على صفاء روحيّ ما متعلّق بتراث قديم، أو ربمّا بنظرة قديمة للدين.

أضف إلى ذلك الحوار المتّسم بالبطء في على طويل الفيلم، ما يضفي الرونق الأهمّ في انعدام تشعّب الأحداث، فثمّة موقف رئيسيّ: الأُسْقُف والصراع الداخليّ الذي من المفترض أنّه كان سيبقى داخليًّا، لكنّه خرج ليغدو صراعًا مرئيًّا واضحًا للعيان، يرافقه موقف الأخوات الراهبات في محاولتهنّ شحذ الإيمان لدى الأُسْقُف المنهار من جرّاء وقوفه وجهًا لوجه مع موته الشخصيّ.

الوضع مختلف لدى الراهبة المعتلّة التي يبدو أنّها تسلّحت بالإيمان وشفيت، ثمّ عادت إلى حياتها الهانئة وخرجت تمشي مبشّرة باقي الأخوات بأنّها عادت للحياة، بينما مَنْ هم في الخارج يرون نهاية صراع بين لحظة الشكّ ولحظة الإيمان، بطريقة كوميديّة لطيفة، ورمزيّة، وقاسية في الآن معًا.

انتصار الصراع فقط

يشتدّ الصراع بين الأخوات، ويشتدّ الصراع داخل الأُسْقُف، ويُعَبّر عن ذلك بموت البقرة الوحيدة في تلك الرقعة الجغرافيّة البعيدة، ليكون مؤشّرًا على موت الأُسْقُف وبقيّة الأخوات ربمّا؛ كلّ ذلك بكلمات حواريّة قليلة تفضي إلى المعنى، ولا سيّما الجملة التي تفوّه بها الأُسْقُف أثناء شرح إحدى الأخوات عن مرض أختهنّ قائلًا: "كلّ شي إلو آخر"، ضمن حركة دائريّة سينمائيّة تعيد وصل الأشياء ببضعها، من دون حشو أو مشاهد فائضة عن الحاجة.

يمنح الفيلم في نهايته انطباعًا بانتصار الصراع فقط، وليس انتصار أيّ طرف من طرفي الصراع، وذلك بحدّ ذاته يمنح الرؤية الأوسع للصراع الأزليّ الممتدّ للقدم ما بين لحظتين يوميّتين يعايشهما المشاهد بكلّ بدهيّة.

 

جوان تتر

 

شاعر وصحافيّ كرديّ سوريّ، يعيش في قامشلو، يكتب في صحف سوريّة وعربيّة، حاز ديوانه النثريّ "هواء ثقيل" على جائزة الملتقى الثاني لقصيدة النثر في القاهرة عام 2010 .

 

 

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook