تفكيك لأصنامنا: عن فيلم "مدام إيل" لليلى عبّاس

من فيلم "مدام إيل" لليلى عبّاس

 

خمس عشرة دقيقة بالتمام والكمال، كلّ ما احتاجت المخرجة الفلسطينيّة وصانعة الأفلام، ليلى عبّاس، لاسترجاع سؤالنا الوجوديّ: ما الحرام وكيف صنعناه؟

جدليّة أزليّة خلق فيها البشريّ لنفسه حدودًا يكرهها، وقنّن وجوده بضوابط وضعها بنفسه وأتقنها، ثمّ تمرّد عليها، فعاقب نفسه على اجتيازها، وحاربها في مواضع أخرى، وأفنى حياته باحثًا عن حلول لها.

متى أصبحت أفكّر هكذا؟

استطاعت ليلى عبّاس، بإبداع وحرفيّة، استثارة حواسّنا بالعبور عبر شاشة عرض صغيرة وأطفال صغار، وحثّنا على أن نعيش معها تفاصيل دقيقة بأسلوب بسيط ومباشر، فتلمس حركة المصوّر والمخرج في المشاهد، وإن كانت غير مقصودة (ولا أعلم إن كانت كذلك أم لا)، إلّا أنّها قدّمت إضافة للحالة الشعوريّة التي يرسمها الفيلم، فتلمس الذبذبات المختلطة في عفويّة الطفلين، وكيف اندمج طاقم العمل معهما في حركاتهما وردّات فعلهما.

ما إن تغوص أكثر في الفيلم، حتّى تنغمس بعيدًا في الرجوع نحو ذاتك، وتعود بالزمن إلى الوراء أكثر فأكثر، باحثًا عن تلك اللحظة المفصليّة التي أصابتك يومًا: متى أصبحت أفكّر هكذا؟ تبحث عميقًا عن ذلك الصنم الذي صنعته لنفسك بمساهمة محيطك؛ كيف صنعنا لأنفسنا أصنامًا حتّى نزيل عن كاهل ضمائرنا عبء الإيمان بأصنام آخرين؟

مع مرور الوقت، نجد أنفسنا منخرطين بشدّة في صناعة "التابو" المجتمعيّ؛ الكثير من الكلاشيهات الدينيّة والحياتيّة، والحرام والحلال، تصطبغ بالمال والمصالح يومًا بعد يوم، في محاولة المال لتغييرنا بنجاح جليّ، وبهذا نحصل على تغيير سريع في أيديولوجيا الحياة اليوميّة، ونجد حلولاً سريعة أعطانا إيّاها محيطنا، الذي مرّ سابقًا بما مررنا به كذلك، للتخلّص من عذاب الضمير. في النهاية، شئنا أم أبينا، فالمال يحكم، المال يستطيع تغيير الأديان والعقائد، بل إنّه نفسه عقيدة مكتملة الأركان، فلكلّ ضيق نصطدم به ثمّة "تصريفة" سهلة في عالم الأموال!

"أنا عندي مخّ!"

اختيار الأطفال لأداء دور البطولة كان اختيارًا ذكيًّا جدًّا؛ فعندما تشاهد الفيلم، تنظر عبر براءتهم وبساطة حلولهم؛ ما زال قدر من البراءة والعفويّة اللتين ترفضان تعقيد السرد وفلسفته. لكنّ السؤال الذي يلازمك: متى اختلّت جيناتنا؟ علينا أن نخوض بجدّيّة فى البحث عن سبب اختلال جيناتنا البشريّة، التي أدّت إلى تخلّينا عن جين الحرّيّة، بل ومحاربة ما تبقّى منه، وتناقل خبراتنا في القدرة على تطوير وسائل الكبت والتحريم.

يدركك مشهد انتشال التمثال، وبراءة الطفل في بيان أنّ هذه "آلهة" مجتمعه. وكم كان النصّ عبقريًّا حين سأل أحد الطفلين عن تبرير لعبادة الأصنام، قال: "لو كنت عايش وقتها كان عبدتها وانت ساكت"، فأجابه الآخر: "... أنا عندي مخّ!" هذه الجملة الصادمة، من النوع الذي تودّ بعد سماعها إعادتها مرّة أخرى، ثمّ توقف المشهد، تستلقي، تنظر لأيّ فراغ محيط، وتقول "أوووف!".

أكاد أجزم، أنّهم جميعًا (رئيس البلديّة، والشيخ، والتاجر، والشيوعيّ، وحتّى المشاهدين) لن يرفضوا أقرب فرصة تسنح لهم بالتلذّذ، حتّى لو كان منتقصًا (كأن تفترض أنّك مراقب لممارسة انبساطك!)، لكنّك ستجد مخرجًا لذاتك ترضي به الضمير بكونك ستزلّ عمّا رُسم لك... وستستمتع للحظة! ويا لنشوتها من لحظة تتمرّد فيها قبل أن تعيد نفسك بنفسك إلى حيّز التابو المقدّس.

اكتمال الفكرة

نجح الفيلم حقًّا في إثارة جدليّة التابو لديّ، وجدليّة الحرام والحلال، الصغير والكبير، العيب والمسموح، مَنْ يفرض ماذا ولماذا. لقد نجحنا في صناعة أصنامنا، وجعلها قدرًا نلقي عليها بلوائم الحياة، فنصرخ ونحرّم ونمنع، وفي المقابل نلعن تخلّفنا ونجلد ذاتنا، وإن خرج أحدهم من القطيع وقال: "لماذا؟" نعيده بسرعة ونهرطقه، ونقول يا ليتك لم تكن، وفي القرارة ننتشي لوجوده بيننا.

15 دقيقة، كمّ مهول من الأسئلة والإجابات والرموز، خلقت لها ليلى عبّاس مساحة موضوعيّة لا زيادة فيها ولا نقصان. أفكّر الآن في ما إذا كان المشهد قد أغفل شيئًا، شخصيّات أخرى مثلًا، أو علاقات أكثر امتدادًا ممّا كان، لكن لا أرى داع لذلك، اكتمال الفكرة هو ما اتّسم به الفيلم، لقد كان كافيًا وموفّقًا في أن يتركنا لساعات أخرى نهيم في سؤال أنفسنا: "متى... ولماذا... وكيف؟" إنّها لحظة سانحة لنتمرّد على أنفسنا قليلًا.

 

رائد شمس الدين

 

من مواليد الأردنّ عام 1985، انتقل إلى فلسطين عام 1991 وترعرع في مدينة الخليل، حيث درس الهندسة المعماريّة. يعمل في إدارة المشاريع التنمويّة ضمن مؤسّسات دوليّة، بالإضافة إلى مساهماته في دعم العديد من المبادرات الشبابيّة الناشئة.

 

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook