بالخيمة يقاومون

من فيلم "ماذا حدث في الخيمة"

 

يحاول المخرجان، الفلسطينيّ مجد خليفة والبلجيكيّ ورويل نولت، أن يكشفا لنا القوّة الكامنة في "الخيمة"، حيث السيرك الذي يُعَدّ نوعًا من المقاومة، لما تملكه من قدرة على تأسيس روابط قويّة بين الناس، التي تتّسم بأنّها "عابرة للحدود".

حتّى قبل أن تتقابل الأجساد

شخصان يتجاوران الجلوس في قاعة، تبدو أنّها قاعة مسرح، وعلى الرغم من كونهما يتحاوران بلغتين مختلفتين، إلّا أنّهما يفهمان بعضهما؛ كلاهما يبحث عن الخيمة، تلك الموجودة فعلًا ولا يعرفها جلّ الناس، ويطرحان السؤال الآتي: "ما الذي يحدث داخل الخيمة"؟

الفيلم الوثائقيّ، "ما الذي حدث في الخيمة" (2018) (What Happened In The Tent)، حكاية "بهلوانيّة" عن أشخاص آثروا أن يجعلوا من أجسادهم وحركاتهم مواجهة للعنف، والإرهاب، والتمييز، والعنصريّة.

من خلال هذا الوثائقيّ، يُسلَّط الضوء على مشروع تبادل بين مدرستي سيرك، إحداهما في الضفّة الغربيّة بفلسطين، والأخرى في مولينبيك ببلجيكا، يجمع مجموعتين من الشباب الذين يقطنون مناطق تتّسم بالعنف. لكلّ مدرسة، متمثّلة بأعضائها، قصصها الخاصّة حول طريقة تمثيل بيئتها، وكيفيّة إظهار جوانب من الثقافة، والتاريخ، والفنّ العائد لمجتمعها. لكنّ المدرستين، في الوقت نفسه، تحاولان تغيير السلبيّة، والعنف، والتمييز، التي تواجهانها في مشروع بناء مجتمع بعيد عن النظرة المكوّنة عنهما. تتغيّر عوالم أعضائهما عندما يدخلون خيمة السيرك، ويبدو ذلك واضحًا من خلال حديث بعض الأعضاء، الذين يحاولون التأكيد، بإصرار، على أنّ السيرك في نظرهم لا يعني الحيل والحركات البهلوانيّة التي تبهر الناس فقط، بل وسيلة حياتيّة للتعامل مع تحدّيات المجتمع الذي يعيشون فيه.

جهل، فخوف، فحقد، فعنف

استعان المخرجان بمقولة للفيلسوف ابن رشد، "الجهل يؤدّي إلى الخوف، والخوف يؤدّي إلى الحقد، والحقد يؤدّي إلى العنف، هذه المعادلة"، معنونًا بها المراحل الثلاث لخطّ الفيلم العامّ، من أجل التأكيد على أنّ تعليم الإنسان يمثّل الحلّ لمواجهة ظاهرة التطرّف والعنف التي تهدّد الأمن العالميّ، فالإنسان جوهر الحضارة والتنمية، وإنقاذه يعني إنقاذ الحضارة.

من خلال سماعنا نشرة الأخبار المرافقة لمشاهد فتاة تستيقظ من النوم، نعرف أنّ شخصًا مغربيّ الجنسيّة من سكّان مولينبيك، متّهم مع غيره بتنفيذ عمليّات إرهابيّة في فرنسا وبلجيكا، وبذلك يحيلنا المخرجان إلى قضيّة الهجرة نحو أوروبّا، وكيف أنّ الاستمرار في عزل المهاجرين الفارّين من الصراعات والعنف، عمل يتّسم بالقسوة والوهم.

 

 

يتّضح ذلك من خلال بلال، أحد أعضاء مدرسة السيرك في مدينة مولينبيك، ورغبته في السفر مع أعضاء المدرسة إلى فلسطين، إلّا أنّ عائلته لا توافق بداية، كونه مغربيًّا وملتحيًا وسيزور فلسطين، وهي أمور ستسبّب له المشاكل لدى عودته.

من جهة أخرى، يتبيّن أنّه بعد الهجمات الإرهابيّة، تواجه مدرسة السيرك تشديدات أمنيّة ومداهمات، ليضطّرّ القائمون عليها إلى إغلاقها عدّة مرّات.

أداة للمقاومة والتغيير

يكشف لنا يوسف، أحد أعضاء مدرسة السيرك الفلسطينيّة، كيف تغيّرت حياته وشخصيّته المتّسمة بالمشاغبة بعد دخوله الخيمة، وكيف تخلّى عن الأفعال التي كان يقوم بها قبل انخراطه في عالم السيرك. استطاع يوسف مع أصدقاء أن يخلقوا نوعًا جديدًا من المقاومة عبر "الخيمة"، بعيدًا عن المخيّمات التي كانوا ولا يزالون يسكنونها.

السيرك أفضل طريق للمقاومة، ولا سيّما لفتاة ذات روح ثوريّة، وتريد أن تفعل شيئًا ما. الشابّة الفلسطينيّة، عضوة مدرسة السيرك في فلسطين، وعلى الرغم من روحها تلك، إلّا أنّها تعترف بأنّها لو قدّمت عرضًا في شوارع مدينة رام الله، فستتعرّض لبعض التعليقات، في حين لو أقدمت فتاة أجنبيّة على ذلك، فإنّ الأمر سيكون طبيعيًّا. تحاول الشابّة الفلسطينيّة أن تقول إنّ الالتزام الثوريّ لا يعني بتاتًا التموضع ضمن قوالب محدّدة، فذلك سيخلق مشاكل عديدة في المجتمع.

سلام داخليّ

شادي زمرّد، مدير مدرسة السيرك في فلسطين، يؤكّد على أنّهم يستخدمون فنّ السيرك أداةً لبناء الثقة بالنفس واحترام الذات، في مواجهة ممارسات القوّات الإسرائيليّة، التي اعتقلت أحد أعضاء السيرك من دون تهمة، على الرغم من تسميتهم بـ "سفراء السلام" في بلجيكا، ما يخلق صراعًا داخليًّا لدى شادي.

 

 

من خلال بناء سلام داخليّ، لدى الأطفال تحديدًا، يحصل تغيير في التفكير لديهم، ليكونوا مقاومين عبر دخولهم عالم فنّ السيرك، وهو ما قام به شادي مع زوجته، ما يجنّب المجتمع الفلسطينيّ الانزلاق نحو هاوية العسكرة في ظلّ الممارسات الإسرائيليّة.

في مولينبيك، يتدرّب أعضاء المدرستين، كلاهما متماسكة، والثقة مبدأ أساسيّ لدى أعضائهما؛ يحاولون من خلال تلك الثقة بناء الإنسان القادر على التغيير في مناطق طالما كانت موقع اتّهام! كما أنّ تأمين بيئة مناسبة لتنمية قدرات الشباب وتوجيههم نحو العمل الصحيح، يسدّ الطريق أمام العنف والتطرّف الشديد، وفق الفيلم.

السيرك لغة وأسلوب للعيش المشترك؛ هذا ما يؤكّده أعضاء المدرستين، وإنّ ما سيفتقده أعضاء مدرسة مولينبيك عند مغادرة فلسطين، سعادة الناس الذين غدوا أصدقاء حتّى خارج الخيمة.

المواجهة مع الواقع

الكاميرا المخاطبة للمُشاهد مباشرة، كانت شاهدًا حيًّا على الشوارع، والجدران، والبيوت التي عانت وتعبت من النظر خلسة إلى ملامح سكّانها. استطاع المخرجان من خلال المشاهد العامّة ترك متّسع لمخيّلة المُشاهد، لمعرفة المكان المحاصر الذي يحاول جاهدًا بناء فكرة جديدة. زاوية الكاميرا المواجهة والمرافقة للأعضاء تؤكّد مدى إصرارهم على مواجهة واقعهم.

 

خوشمان قادو

 

شاعر وصحافيّ كرديّ سوريّ، يعيش في قامشلو، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة. حاز ديوانه النثريّ، "انظرْ إليها كم أنت مرهق"، على جائزة الملتقى الثاني لقصيدة النثر بالقاهرة عام 2010.

 

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook