"اصطياد أشباح": من أين جاءت الولعة؟

أبو عطا ورمزي مقدسي

 

(1)

تُختزل الأرض بشقّ رماديّ صغير يراه المعتقل المشبوح من تحت كيس يغطّي رأسه؛ يقطر وجهه دموعًا أو حبّات عرق ترتطم بالأرض، لتبدأ بتشكيل دوائر ملوّنة تتّسع كأنّها تموّجات حجر سقط في ماء راكد... كأنّها دوائر انفجار نوويّ تتّسع وتصبغ بألوانها ما حولها... تشبه، بلحظة، شكل الانفجار الكبير كما تصوّره لنا الأفلام العلميّة، وبلحظة أخرى تشبه بؤبؤ العين. تنفجر الرؤيا فتغالب الضيق. تولد الألوان وتتبدّل. تتموّج الأرض المختزلة كالبحر فتتّسع، تسري نهريّةً، ثمّ تنفتح بما يشبه الصحراء.

والآن: طائرة.

خيال السجين يحلّق. صوت الطائرة يتفوّق على نعيق السجّان: "عدد". جدار يسدّ طريق الطائرة فتهرب. سياج يطوّقها فتلتفّ عنه. جدران أخرى تحصرها فتحدّد مسارها، تواصل الطيران، وتدخل في نفق من الحلقات الدائريّة تلك؛ دوائر الدمع أو العرق المرتطمين بالأرض. الخيال طائرة تسافر في نفق من حلقات الحزن أو الإنهاك، ثمّ تبدأ الحلقات بالاستدارة والتكتّل حول الطائرة فتخنقها. تصبح طائرة الخيال نواة تغلّفها الدوائر، مثل رسم الذرّة في كتاب الكيمياء، ثمّ تصبح كرة بعيدة من نار، تبتعد في السواد، شكلها يذكّر بسيجارة تشتعل وسط العتمة، كأنّما نجم صغير يبتعد ويبتعد ويبتعد...

 

 

مخيال السجين المرسوم، محلّقًا ومحاصرًا في آن، يصبح نجمة صغيرة تختفي فضاء سحيق؛ هي عالم أسير واحد. "رائد" المرسوم (أو شقيق الأسير عدنان الحطّاب المرسوم على هيئة رائد)، لا يهمّ، هذا عالم أسير واحد يضيء، ثمّ سرعان ما يتلاشى في كون من النجوم والكواكب، بين 750 ألف نجمة وكوكب؛ كلّها خيالات أسرى تحلّق، عظيمةً وإن تبدو صغيرة، محاصرةً بأهوال التعذيب الإسرائيليّ.

 

(2)

في آخر الثلث الأوّل من وثائقيّ "اصطياد أشباح" (2017) لرائد أنضوني، يمثّل المشاركون مشهدًا؛ محقّقان يمسحان البول عن الأرض بوجه وجسد المعتقل رمزي مقدسي. من خارج الصورة صوت يقول لمقدسي: "إضحك"، يضحك مقدسي ساخرًا من المحقّقين، ثمّ تنتقل الكاميرا إلى مصدر الصوت، وإلى عشر ثوانٍ في غاية القيمة، البساطة والجمال: نرى مخرج الفيلم، أنضوني، متّكئًا على الحائط متفرّجًا، وأمامه نرى أبو عطا خطّاب، الأسير المحرّر الذي تتمحور حوله معظم قصّة الوثائقيّ.

من خلف نظّارته، يحدّق أبو عطا بالمشهد بنظرة ثاقبة ونصف ابتسامة كتومة، بإمعان، كأنّه يجرّب تشغيل جهاز صنعه بنفسه. بينما تركّز الكاميرا في أنضوني وخطّاب، نسمع المشهد ينتهي، ومع نهايته يستدير خطّاب ويعود ليقف خلف المخرج متّكئًا على الحائط بشيء من الفخر، كأنّه أدّى عمله بنجاح غير مفاجئ. ثمّ همس للمخرج: "أنا عندي مقترح هون،" يستجيب المخرج فورًا، ويأمر: "Cut".

 

 

المثير في هذه الثواني العشر أنّها تكثّف وتقدّم خلاصة الحِرفيّة التي تميّز أبو عطا في ما يخصّ السجن؛ إشاراته، لغة جسده، أسلوبه في الكلام والصمت، في الحكمة والمزح، في استخفافه ببعض التفاصيل التي قد تبدو مهمّة، واهتمامه بتلك التي لا يدرك الآخرون قيمتها، بنظراته ونظّارته، وحتّى بإيقاع تنفّسه: أبو عطا معلّم في ما يخصّ السجن، أبو عطا يعرف صنعته، يعرف الأصول، بأيّ خفّة ودقّة وصدق يستطيع تمثيل عنف السجّانين، بأيّ تمكّن يعرف وظيفة كلّ تفصيل في عمارة السجن. هذه الحرفيّة ليست تفصيلًا هامشيًّا في الفيلم.

منذ بدايته، يربط الفيلم بين الحرفيّة والأسر. عبد الله مبارك "معه صنعته، حدادة"، عاطف الأخرس يعاند ليكون مسؤول بناء ديكور السجن "الأوّل والأخير"، وفا مرعي مصمّم داخليّ يرسم الخرائط لعمارات كثيرة عاشها في حياته؛ سجن الجنيد، جنين، بئر السبع. وديع حناني، مساعد المخرج، يمارس الوظيفة نفسها التي مارسها في السجن – هناك كان يجمع الأسرى لحلقات التثقيف، وهنا مسؤول عن جمع المشاركين لإنجاز العمل.

ما طبيعة هذا الخلط بين الحِرفيّة والسجن؟

750 ألف معتقل فلسطينيّ اعتُقِلوا منذ العام 1967، هذه النسبة (وهي ضمن الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة فقط) مذهلة. معنى ذلك أنّ المجتمع بأغلبيّته المطلقة، إذا ما أخذنا عائلات وأقارب وأصدقاء المعتقلين، عايش هذه التجربة وطوّر لها "أصولًا" معرفيّة، فرديّة واجتماعيّة، في التعامل وردود الفعل، في إدارة الحياة والتقاليد المتعلّقة بالسجن. تطوّرت أصول نفسيّة وجسديّة وجماعيّة تساعد على الصمود، أي على تحويل الخضوع التامّ إلى حالة مغالبة للسجّان وانتصار عليه، بواسطة الحيلة، والخيال، والسخرية، والقدرة النفسيّة، والتأقلم. هذه معرفة عمليّة للمجتمع، حرفة مجتمع بأكمله، مثلما يعرف فلّاحو الريف طبيعتهم، وتجّار المدن أطباع الغرباء.

 

 

هذا جانب رهيب. مروّع من جهة ما يمكن للاستعمار أن يفعله بنا، لكنّه في الوقت ذاته أعجوبة بشريّة ودرس في كيف يطوّر المضطّهدون معرفة الصمود وتقنيّاته. تحت التعذيب، تقنيّات تجمع الهلوسة، والغناء، واستغلال المساحة، والتحليل الذاتيّ للنفس والفنون والخيال، وتبحث عن ذاتها وخاصّيّتها (مثل شخصيّة عبد الله مبارك) في مكان يتعامل مع ضحاياه كأغراض مستباحة متشابهة، ويفرض عليهم طبيعة حياة تفقدهم خصوصيّتهم.

ما الذي يقترحه أبو عطا على المخرج بعد نهاية المشهد إذًا؟ أن ينشد الممثّل رمزي مقدسي، وهو مرميّ على الأرض، افتتاحيّة غنائيّة "مشعل". و"مشعل"(1986) ترتبط بفترة، بزمن أبو عطا ومعرفته وتجربته، فنراه يقرفص بودّ أمام الممثّل يعلّمه الأغنية، ويرشده إرشاد الأب لابنه، وبحركات يد تضبط الإيقاع: "أحكي لكم عن قصّة فيها حقيقة وجهكم، منها حقيقة سيفكم."

إلى أين ينتهي أبو عطا؟ إلى أين ينتهي "المعلّم" الذي يورث المعرفة وينقل أصولها لرمزي الشابّ؟

حين ينتهي الممثّلون من بناء السجن، تزور ابنة أبو عطا الشابّة، لينا خطّاب، موقع التصوير لترى إن كان السجن الذي بنوه مشابهًا للسجن الذي مكثت فيه ستّة أشهر. ولتقارن، بنفس حرفيّة ومهنيّة وثقة والدها وقوّته، بين زنزانتها الحقيقيّة والزنزانة التي صنعها الفيلم.

 

(3)

ينسى السجّان الأوامر فيشعل لرمزي مقدسي سيجارة عن طريق الخطأ. بعدها، يأتي ضابط السجن ويشقّ شبّاك الزنزانة فيرى الغرفة غيمة واحدة كثيفة من الدخان الرماديّ. وسط الغرفة، يقف مقدسي ويسحب نفسًا من سيجارته التي تشتعل وسط الغيمة الرماديّة كأنّها كرة نار، كأنّها نجمة. عندما يسأله الضابط: "مَنْ أعطاك الولعة"، يجيب مقدسي: "الولعة كانت معي".

 

 

يفتّشون زنزانته فلا يجدون ولعة. يعرفون أنّه يكذب. يجمع الضابط السجّانين ويسأل مقدسي مَنْ منهم أشعل له السيجارة، لكنّه لا يشي بالسجّان، يرفض الاعتراف: "الولعة كانت معي"، فيرسله الضابط إلى التعذيب. بعد الشبح، يشعر السجّان بتفوّق الأسير عليه، يفتح شبّاك زنزانته ويقول له: "إنت زلمة، بتعرف؟ لو إنت بتحكي عنّي، أنا بروح السجن تلات شهور." هذه اللحظة التي يشعر بها السجّان بأنّ مقدسي يتفوّق عليه، ويأتي شكره هذا للأسير نوعًا من محاولة التسوية بينهما. إلّا أنّ مقدسي، بابتسامة سايكوباثيّة، يرفض الاعتراف مجدّدًا، أمامه أيضًا: "بسّ الولعة كانت معي".

هذه الكذبة، تلك الحيلة، هذا الولعة المتخيّلة التي يحملها الأسير ويسأل رفاقه: "حدا بدّه ولعة"، هذه القدرة على التفوّق والانتصار على السجّان من خلال استغلال ثغراته، ثمّ السخرية منه، وكشف تفاهته وهشاشته وانكساره، من خلال صياغة الكذبة، الخيال، المزحة. هذه التي تشعل كرة نار في فضاء سحيق فتصبح نجمة، عالمًا كاملًا لأسير واحد بين 750 ألف أسير. ولعة واحدة من بين 750 ألف ولعة.

من أين جاءت الولعة؟

أبو عطا أورثها له.

 

مجد كيّال

 

وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" عن الدار الأهليّة، ودراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

 

 

تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ حول مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام 2018.

 

تعليقات Facebook