ماذا لو كان حُلم العودة قريبًا؟

جمال - الشخصيّة المركزيّة في الفيلم

بين ليلةٍ وضُحاها، تُقرِّر عائلة جمال من مخيّم شاتيلا للّاجئين في لبنان، أن تعود إلى فلسطين؛ مُتجاهلة كلّ المحاولات التي فشلتْ على مدار سبعين عامًا في إعادة اللاجئين.

جمال وعائلته هم محور قصّة فيلم Ours is a Country of Words للمخرج البلجيكيّ ماتياس بوبيه، الذي يُقدِّم للمشاهد سيناريو افتراضيًّا لعودةِ اللاجئين وما يجول في خواطرهم من أفكار وصور عن الوطن.

الفيلم الذي كان مشروع تخرّج للمخرج والذي شارك في عدد من المهرجانات، يتناول قصّة استعداد أفراد العائلة للانتقال إلى فلسطين؛ فيبيعون ما يستطيعون بيعه ويشترون ويوضّبون ما يلزمهم. نُشاهد جمال يبحث جاهدًا عن جواز سفره، الذي لم يُفكّر بأنه سيحتاجه يومًا ما.

لجمال ابن في سنِّ المراهقة، هو الآخر يغرق بِتخيُّلِ ما هو مُقبِل عليه في وطنه فلسطين، ويرسم تصوراته عن الحياة فيه، يظهر ذلك في أحد الحوارات بين الابن مع أصدقائه الذين يغبطونه على ما ينتظره في فلسطين. يقول الابن إنه سيتزوَّج عند وصوله إلى بلاده، ربّما لأنّه ينتظر حبًّا حقيقيًّا هناك، أو لأن عودته تُجسِّدُ رديفَ الاستقرار، الذي يتمثَّل في تشكيلِ أُسْرة.

لقطة من الفيلم

أمّا جمال، فلا يُريد أن يفعل شيئًا عند عودته إلى فلسطين؛ سوى التَّعرُّف على الناس، وطَرْقِ أبوابِ البيوت لِيُخبر ساكنيها بأنه يودُّ التَّعرُّف عليهم فقط.

في نهاية الفيلم لا يُظهِر لنا المخرج ما حدث مع العائلة، فلم نعلم إن وصلَت العائلة فعلًا إلى فلسطين أم أن حُلُمًا آخر تحطَّم عند حقيقة الحدود والسّياسة، ويؤكد بوبيه لفُسْحّة ثقافيّة فلسطينيّة أنه ليس من المُمكِن توقُّع ما سيحدث لعائلة جمال، والهدف من ترك الخاتمةِ مفتوحةً؛ هو تركُ المجال للمُشاهد لِتَخيُّلِ نهايةٍ مبنيّةٍ على فكرةٍ خياليّةٍ تم تنفيذُها بسذاجة، فمَن يَخطر في باله أن تكون فكرة العودة بهذه البساطة؟ قد تبدو ببساطةِ وسذاجةِ هذه العائلة، لكنها في الواقع أعقدُ من ذلك بكثير.

دون افتعال

يتعاملُ الفيلم مع مفاهيم موروثة من القضيّة الفلسطينيّة ويُحاوِل تفكيكها وإعادة تركيبها بصورة أبسط، فحقُّ العودة مثلًا هو حقٌ "مُنتَظَر" باتَ مُرتبطًا بالعديد من القرارات والسياسات، ولكنَّه يَظهر لنا هنا على أنه حقٌّ مُكتسَب يُباشر أصحابه أخذه بتلقائيّة، وما يؤكِّد على ذلك نفيُ بوبيه كتابته لنصِّ الفيلم، إذ كان يوضح للممثّلين الفكرة العامّة للمشهد، ويتركهم ليُمثِّلوه على سليقتِهِم. أمّا فنّيًّا، فقد اعتمد الفيلم على اللقطات العامّة طويلةِ المُدَّة، وتمَّ تصويره باستخدام كاميرا واحدة. ويُرجِع بوبيه ذلك لرغبته بجعل الفيلم أكثر واقعيّة، فلو تمَّ استخدام اللقطات القريبة (Close – up shots) لَظَهرت المشاهد على أنها "مُفتعَلة" وذات طابع دراميّ مُبالغ فيه، كما أنّ التصوير باستخدام كاميرا واحدة يُوحي للمُشاهد بأنّ "الفيلم مُصوَّر بعينيه". 

أما الإضاءة الخافتة التي طغتْ على مَشاهد الفيلم؛ تؤكِّد هي الأخرى على سوداويّةِ الحياة اليوميَّة في المخيَّم وانعدامِ الأُفُق.

وكان المخرج بوبيه، قد عمل في أحد المراكز الشبابيّة في مخيّم شاتيلا اللبنانيّ في العام 2011. وخلال تلك الفترة، أجرى مقابلات مصوَّرة مع سكَّان المخيّم، إلّا أنه لم يستفِد من تلك المقابلات لأن أهالي المخيّم لم يكونوا مرتاحين لوجود الكاميرا بينهم، وفي ذلك يقول بوبيه: "كنت صغيرًا حينها ولم أعلم سبب ذلك، وما حدث لهم خلال النّكبة، ثمّ المجازر التي اقتُرِفت بحقِّ سكّان المخيَّم".

وعند البدءِ بمشروعه للحصول على درجة الماجستير، نصَحَته إحدى مُدرِّساتِهِ بإشراك سكّان المخيّم في الفيلم وعدم التعامل معهم "كأشياء"، لذلك أشرَكَ معارفه من مخيّم شاتيلا، لِيُمثِّلوا في الفيلم، حيث أصبحت منازلهم وأزقة حاراتِهِم مسرحًا لأحداث الفيلم، الذي يمتدُّ على مدار 42 دقيقة.

 

سارة أبو الرب

 

صحافيّة فلسطينيّة تكتب في الصّحافة المجتمعيّة والثقافيّة، وتعمل منسّقة اتّصال في مؤسّسة عبد المحسن القطان في رام الله.

تعليقات Facebook