علي سليمان: أبلغوني بعدم حاجتي إلى تأشيرة... ثمّ احتجزوني

الفنّان علي سليمان

 

أن تُقتاد مثل خارج عن القانون، بلا تفسير، وبلا إمكانيّة إجراء مكالمة هاتفيّة واحدة، بلا أن تُعطى سببًا واحدًا؛ لترحيلك عن البلاد الّتي تلقّيت دعوة رسميّة لزيارتها؛ يعني أن تكون فلسطينيًّا من الأراضي المحتلّة عام 1948.

تلقّى الفنّان الفلسطينيّ علي سليمان دعوة؛ للمشاركة عضوًا في لجنة تحكيم "مهرجان الجونة السينمائيّ"، برفقة العديد من المخرجين والممثّلين من فلسطين وغيرها، فيتفاجأ باحتجازه لدى وصوله إلى المطار، ثمّ ترحيله من غير إبداء أيّ سبب، وبلا تمكينه من استعادة حقائبه، أو حتّى إجراء مكالمة هاتفيّة مع إدارة المهرجان.

 

القصّة كما يرويها سليمان

تحدّثت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مع علي سليمان؛ ليخبرنا بالقصّة: "استوفيت إجراءات السفر، وسألت عنها في السفارة المصريّة، وأخذنا جميع الاحتياطات اللازمة على أكمل وجه، في ما يتعلّق بالسفر من حيث التأشيرات ومتطلّبات المرور. كان الردّ أنّني لا أحتاج إلى تأشيرة دخول؛ لأنّ سنّي فوق الأربعين عامًا، غادرت إلى مصر قبل يوم من موعد السفر؛ لأستطيع الطيران إلى الجونة مباشرة من إسطنبول. وصلت الجونة الساعة الثالثة فجرًا، وكان معي أعضاء آخرون من لجنة التحكيم من دول أخرى، كانوا على متن الطائرة نفسها، لم أكن أعلم أنّنا على نفس الطائرة، لكنّنا تعرّفنا على بعضنا بعضًا في الطائرة.

نزلنا من الطائرة، وذهبنا لنعبر الحدود ونتسلّم حقائبنا، وفي أثناء انتظارنا، جاء رجل من الأمن وناداني باسمي، وما كنت قد سلّمت جواز سفري بعد، لكنّه كان ينتظرني، وكان يعرف اسمي وشكلي.

 

علي سليمان ودينا شهاب في فيلم "جاك ريان" (2018)

 

فصلني عن المجموعة واحتجزني، بدأ يبحث في جهاز الحاسوب، من غير أن أفهم شيئًا ولا أن يحدّثني بشيء، سألته عن سبب احتجازي، ولم أجد إجابة ولا أيّ معلومة عن سبب ذلك، طلبت الاتّصال بإدارة ’مهرجان الجونة‘، وبمديره انتشال التميمي، ولم يسمح لي أحد بذلك.

بعد انتظار ساعات، جاء ليقول لي: ’تفضّل معنا’، سألته: ’إلى أين؟‘، ولم يجبني أيضًا. كان ينظر إليّ باحتقار، ويشدّ على أسنانه بتوتّر؛ فسألته إن كان ثمّة خطأ، وأخبرته بأنّ من حقّي أن أعرف ما الّذي يحدث؛ فلم أجد أيّ إجابة أيضًا.

ركبنا حافلة بين الطائرات، وأعادني إلى الطائرة نفسها الّتي جئت بها، لم يعطني جواز سفري، بل أعطاه لطاقم الطائرة؛ وهكذا عدت إلى إسطنبول. هناك سألت الطاقم التركيّ عن سبب إعادتي، قالوا إنّهم ينتظرون رسالة من الجانب المصريّ، توضّح سبب احتجازي".

حتّى لحظة إجراء المقابلة، كان علي سليمان لا يزال في إسطنبول؛ منتظرًا وصول حقائبه من مصر. أخبر علي سليمان فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة بأنّ هذا الأمر تكرّر مع فنّانين عدّة يعرفهم، ذكر منهم محمّد بكري وصالح بكري.

أضاف علي سليمان: "تحدّث إليّ وزير الثقافة الفلسطينيّ، إيهاب بسيسو، قائلًا إنّه يتابع الأمر لحلّه بشكل مهنيّ، وإنّه سيتابع مع الجانب المصريّ؛ كي لا يتكرّر أمر مثل هذا. واسَتني مكالمة وزير الثقافة، وجعلتني أشعر بأنّني لست يتيمًا، وبأنّ ثمّة من يتبنّاني فنّانًا فلسطينيًّا، وبأنّني لست وحيدًا في الملعب".

 

ممثّليّة مصر في رام الله: ما عندناش إعلام، اتّصلوا بتل أبيب!

حاولت فُسْحَة الاتّصال بالجانب المصريّ؛ للحصول على تفسير لما حدث، فتحدّثت إلى الممثّليّة المصريّة في رام الله، وكان جوابها: "إحنا ما عندناش إعلام، الإعلام ده في تل أبيب، همّ عندهم"!

 

القنصليّة المصريّة في تل أبيب

 

تحدّثنا إلى القنصليّة المصريّة في تل أبيب، إلى المستشار الإعلاميّ ربيع عبد السلام، الّذي قال لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة إنّه لا معلومات لديه خاصّة بشأن ما حدث، لكنّ الأمر عادة يكون متعلّقًا بالإجراءات، وفي حال استيفاء الإجراءات اللازمة، لن تكون ثمّة مشكلة، مثلما دخل العديد من الفنّانين الفلسطينيّين إلى شرم الشيخ والقاهرة وغيرهما، وقال: "أنا متأكّد أنّ الأمن اتّخذ القرار الصحيح في المطار، لكن ليس لديّ معلومات محدّدة لأعطي ردًّا حول هذه الحادثة".

 

إيهاب بسيسو: نحترم سيادة مصر، ودورنا تذليل الصعوبات

وفي حديث هاتفيّ أجرته فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، قال وزير الثقافة الفلسطينيّ، د. إيهاب بسيسو: "مباشرةً بعد أن علمنا بما حدث مع علي، تواصلت شخصيًّا معه؛ لأفهم الّذي حدث، نحن سنتواصل مع جهات الاختصاص في مصر؛ لاستيضاح المطلوب لتلافي هذه الإجراءات؛ تقديرًا لجهد المبدعين والمبدعات، ولا سيّما أنّهم يتلقّون دعوات؛ للمشاركة في الفعاليّات أو في لجان التحكيم. نحن نرى أنّ دورنا يكمن في تذليل هذه الصعوبات، فإذا كان ثمّة إجراءات فلسنا على اطّلاع بها، تهمّنا جدًّا متابعة عمل المبدعين وكلّ هذه الإجراءات؛ حرصًا على علاقتنا بمصر، وعلى تعزيز التبادل الثقافيّ".

 

وزير الثقافة الفلسطينيّ، د. إيهاب بسيسو

 

وأضاف: "نحن - موقفًا رسميًّا - نحترم سيادة مصر على كامل أراضيها وقوانينها، ولا نتدخّل في طبيعة سياساتها وإجراءاتها، ونقول إنّنا نبحث لنكون على اطّلاع بهذه الإجراءات؛ لسلامة العمل ونجاعته. بعد أن استمعت لعلي، وبعد أن أخبرني بأنّ هذه ليست المرّة الأولى، قلنا إنّنا سنتواصل مع الجهات المصريّة في هذا السياق، وجهات الاختصاص تحديدًا؛ لتكون الأمور في سياقها الطبيعيّ".

وأوضح بسيسو: "من المهمّ جدًّا لأيّ مشارك أو مشاركة، في كلّ الفعاليّات الخارجيّة، إطلاع وزارة الثقافة. ثمّة على الأقلّ عشرات المشاركات الثقافيّة؛ وثمّة مشاركات تكون بعيدًا عن وزارة الثقافة، وبعلاقة مباشرة بالمؤسّسات الثقافيّة ومؤسّسات المجتمع المدنيّ؛ فنُفاجَأ بهذه المشاركات بعد مغادرة الوفد الفلسطينيّ، من المهمّ إطلاع وزارة الثقافة على المشاركات، ليس فقط على صعيد الترشيح، بل إعلام الوزارة لتكون على اطّلاع، وتستطيع المساهمة بتسهيل الإجراءات المطلوبة لسلامة التبادل الثقافيّ، بين فلسطين وأشقّائها؛ ولتسهيل حركة المثقّفين وتخطّي أيّ عوائق؛ ولهذا نرى إعلام وزارة الثقافة مسبقًا لتوفير مظلّة أمان، في حال حدوث أيّ إشكاليّة".

 

ريم تلحمي: مهزلة يجب أن تنتهي

وقد تباينت ردود فعل الفنّانين الفلسطينيّين من القرار، بين عدم الذهاب إلى مصر لحضور المهرجان، والمطالبة بإنهاء هذه الإجراءات بحقّ الفنّانين الفلسطينيّين.

ريم تلحمي، الّتي كانت قد تلقّت دعوة للمشاركة في المهرجان، كانت في الأردنّ حين علمت بما حدث مع علي سليمان؛ فقرّرت عدم السفر إلى "مهرجان الجونة"؛ احتجاجًا على معاملة الفلسطينيّين بهذا التناقض. 

 

الفنّانة ريم تلحمي

 

وقالت تلحمي لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة: "لماذا يُفرض علينا السفر بوثائق غير الإسرائيليّة، في الوقت الّذي تُستخدم الوثائق الإسرائيليّة، بشكل روتينيّ ومصدّق من السفارة الإسرائيليّة في تل أبيب؟ ماذا لو كان الفنّان الضيف لا يحمل سوى وثيقة إسرائيليّة؟ أعتقد أنّ هذه المعاملة للفلسطينيّين مهزلة، يجب أن تنتهي مرّة واحدة إلى الأبد، وأعتقد أنّ وقفة جدّيّة واحدة من الفنّانين، تترك أثرًا كبيرًا وضجّة، قد تتسبّب بتغيير إيجابيّ".

 

"حقّك على راسنا"

وعلّقت هبة أبو مساعد على الحادثة، مستذكرة تسلُّم جائزة "أحسن ممثّل في مهرجان الإسكندريّة"، في دورته الـ 31 نيابة عن علي، قائلة عبر صفحتها على فيسبوك: "من 3 سنين بالضبط، (13 أيلول/ سبتمبر 2015)، تسلّمنا نيابة عن صديقنا وفخر جيلنا، الممثّل الفلسطينيّ العالميّ علي سليمان، جائزة ’أحسن ممثّل‘، الّتي أعطيت له في ’مهرجان الإسكندريّة‘ في دورته الـ 31. وفي الأمس، رُحِّل علي سليمان بشكل مهين من ’مطار الغردقة‘، وهو مدعوّ ليكون عضو لجنة تحكيم ’الأفلام الروائيّة الطويلة‘، في ’مهرجان الجونة‘ 2018. هل من داعٍ لأيّ كلمة زائدة؟"

 

المخرجة هبة أبو مساعد

 

أمّا الصحافيّة والمخرجة ناهد ناصر فقد كتبت: "عبث ... كلّ المحبّة والاحترام والتقدير، والاعتذار إلى الأحبّة، رافعين رؤوسنا أبدًا على كلّ حبّة تراب فلسطينيّة، بحكم الدم والروح واللغة والتاريخ، بحكم حكاية لن يتوقّف أهلها أهلنا عن روايتها، إلى نهاية العالم ... علي سليمان، حقّك على ’راسنا’".

 

زياد بكري: رفضي المشاركة دعوة للتحرّك

أمّا الفنّان زياد بكري، المدعوّ أيضًا إلى المهرجان، والممتنع عن السفر إلى مصر؛ احتجاجًا على الإجراءات، فقال في حديث إلى فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة: "رفضت الذهاب إلى المهرجان؛ لأنّني أرفض التعامل المصريّ مع فلسطينيّي أراضي 48 على هذا النحو، فبينما حدودهم في شرم الشيخ مفتوحة على مصراعيها للإسرائيليّين، يكون التعامل معنا بهذا الشكل! أنا لم ولن أقاطع ’مهرجان الجونة‘، لكنّ موقفي هذا دعوة إلى التحرّك، تحرّك الفنّانين تحديدًا؛ للاحتجاج على مثل هذه الإجراءات وتغييرها".

من جهته قال الصحافيّ المختصّ بالسينما، سيّد محمود، في حديث إلى فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة: "إنّ جميع المخرجين والممثلين الفلسطينيّين توجَّه إليهم دعوات رسميّة، ويحضرون بلا مشاكل، وبعضهم الآن في الجونة، أمّا المخرجون والفنانون من فلسطينيّي 48، فبعضهم يستطيع الحضور أيضًا. علي سليمان وُجِّهت إليه دعوة رسميّة، وكان من المفترض أن يحضر، ربّما ما حدث معه ليس متعلّقًا بجواز السفر، أو الأوراق، أو إجراءات السفر".

 

الفنّان زياد بكري

 

حاولت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة الحصول على رأي إدارة "مهرجان الجونة السينمائيّ"، ولم تستطع ذلك حتّى اللحظة، وسننشره فور وروده.

لا تزال مسألة التعامل مع فلسطينيّي أراضي 48، مسألة إشكاليّة في الوطن العربيّ، ولا شكّ في أنّ من يولَد في الأراضي المحتلّة عام 1948، يأتي إلى هذا العالم مغامرة؛ فلا هو فلسطينيّ بنظر منظومات القوانين المختلفة، ولا هو غير ذلك بنظره هو، وتبدأ بولادته مغامرة الحصول على التأشيرات والحقوق البسيطة، مثل تلبية دعوة للمشاركة في مهرجان ثقافيّ!

 

 

تعليقات Facebook