"السجّادة الحمراء" الرابع: الرقابة، والنجاح الكبير، والمستقبل

شعار "مهرجان السجّادة الحمراء السينمائيّ" في غزّة عام 2018

 

عاش "مهرجان السجّادة الحمراء السينمائيّ" في غزّة للمرّة الرابعة، كانت حالات الحصار والفقر والتهميش الّذي تعانيه غزّة، تهدّد المهرجان كما تهدّد الكثير هناك.

في عامه الأوّل، افتُتح المهرجان على أنقاض الشجاعيّة، وفي عامه الثاني، عُرضت أفلامه على الميناء، وفي العام الثالث عُرض في "مركز رشاد الشوّا"، أمّا هذا العام، فقد استطاع القائمون على المهرجان تنظيمه على بقايا مبنى "سينما عامر"، الّتي هدمها متطرّفون عام 1996، باسم الدين والعادات والتقاليد، إلّا أنّ حالة الطقس، فالإنذار بالمطر الّذي قد يهطل على رؤوس الناس والمعدّات، اضطرّتهم إلى عقده في "مسرح الهلال الأحمر"، المكان ذاته الّذي هدمته الحرب عام 2014، وصار أنقاضًا.

 

انتصار للفنّ

تحدّثت فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة إلى الناطق الإعلاميّ باسم المهرجان، الشاعر سائد السويركي، وسألناه: ما الجديد هذا العام؟

قال سائد: "الجديد في ’مهرجان السجّادة الحمراء‘، أنّنا لم نرد أن نكتفي بعرض أفلام سينمائيّة، وإنّما أردنا أن ننتصر للحالة الفنّيّة، نحن لا نريد أغنية، بل نريد أن ننتصر للحالة الموسيقيّة؛ فقرّرنا أن نمنح الآخرين فرصة لأن يكونوا جزءًا من هذه الاحتفاليّة.

 

الناطق الإعلاميّ باسم المهرجان، سائد السويركي (متحدّثًا)، ومدير المهرجان التنفيذيّ، عبد الرحمن حسين 

 

تواصلنا مع فنّانين تشكيليّين؛ ليكون على يمين السجّادة الحمراء ويسارها معرض تشكيليّ، يعرض بالخارج، وبعد عرض فيلم أو فيلمين تكون استراحة؛ لمتابعة معارض الفنّ التشكيليّ، وهناك التعبير بالرقص أيضًا، وهذا جزء من العروض بالمسرح، إلى جانب فرقة من 15 طفلًا وطفلة، قامت بعرض رقص تعبيريّ.

تقول هذه العروض إنّ غزّة لها حقّ التعبير والحرّيّة، وهذا جميل جدًّا؛ فهناك أصوات جميلة وفنون جميلة وأرواح جميلة. سوف ننتصر للفنّ كلّه لا للسينما فحسب، يجب أن تكون السينما أبًا لكلّ الفنون الأخرى: الصوت والصورة والحركة، فإذا تحدّثنا عن الموسيقى فهي موجودة في السينما، وإذا تحدّثنا عن التشكيل، فالتشكيل موجود في السينما، فنحن في هذا العام وسّعنا المجال أكثر؛ ليشمل المزيد من الفنون".

 

فوق الأنقاض

سألنا السويركي عن العام القادم، فأجاب بأنّ "الإعداد سيكون من البداية لاحتفاليّة لها علاقة بالإبداع، رغم الظروف الصعبة للمكان، إلّا أنّ الشباب سيبذلون جهودًا جبّارة؛ لكي يعرض كلّ واحد منهم عمله. نحن سنقدّم لهؤلاء الشباب فرصة أن يكونوا جزءًا من هذا المهرجان، المكان جزء مهمّ من رسالة الفنّ، رغم تعدّد الأماكن الّتي عرضنا فيها سابقًا، كانت مقصوفة، مثل ميناء غزّة و’مركز رشاد الشوّا’، وأماكن العرض في غزّة كلّها كانت مقصوفة، فقد اخترنا هذا العام في البداية ’سينما عامر‘، وهي واحدة من دور العرض، لكنّها كانت بلا سقف وبلا كراسيّ، حاولنا تعديل المكان، لكنّنا فكّرنا في احتمال أن تُمطر، وكان هذا الاختيار مغامرة؛ فقرّرنا في النهاية الذهاب إلى ’مسرح الهلال’، التابع لـ ’الهلال الأحمر’، وأقمنا العروض في هذا المسرح، ومع أنّه هُدم في حرب عام 2014، إلّا أنّنا أقمنا فيه العروض.

 

مدخل مقرّ "الهلال الأحمر" في غزّة، حيث أُقيم المهرجان خلال دورته الرابعة

 

أمّا الحديث عن الأنقاض، فلم يكن ثمّة شيء أو عرض نتحدّث فيه عن الأنقاض؛ لأنّ لغزّة قابليّة على الشفاء، ولقد تفاعل الجمهور وشعر بالفخر؛ بأنّ غزّة ما زالت تنتج في فنّ السينما، غزّة تعيش بعكس المنطق وعكس التوقّعات، ومع أنّني كنت في البداية متشكّكًا، إلّا أنّه خليل المزين، الوحيد الّذي كان مؤمنًا بهذا المهرجان خليل المزين، وكنت أسأله: كيف ستذهب إلى ’مهرجان السجّادة الحمراء السينمائيّ’، والناس شيّعت أبناءها، وفقدت منازلها، وتنام على الأنقاض؟، وردّ: على رغم كلّ ذلك؛ هذا المهرجان سينجح، ونجح.

والّذي كنت أعتقد أنّه نقطة ضعف، أصبح نقطة قوّة، وكما قلت: غزّة قابلة للشفاء، وهو الإثبات الحيّ بأنّ غزّة تحبّ الحياة، رغم كلّ عوامل الموت الموجودة؛ وهذا ما جعل الناس تثق بـ ’مهرجان السجّادة الحمراء‘".

 

المشاهد بطل

يُعَدّ "مهرجان السجّادة الحمراء" أحد 42 مهرجانًا عالميًّا على مستوى العالم؛ وكأنّه يقف ويقول: "أنا وهوليوود وبوليوود نسير على نفس السجّادة، مع فارق أنّ الناس البسطاء والغلابة، هم مَنْ يسيرون على هذه السجّادة؛ فهي ليست للنجوم والسياسيّين؛ هي حقّ الناس في غزّة.

وهنا يكمن تميّز "مهرجان السجّادة الحمراء"؛ بأن يصبح المشاهد والمتفرّج هو البطل؛ بأن يصبح مَنْ يعشق السينما هو البطل؛ ومن هنا يأتي حجم الاهتمام بالدورات الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وكان حجم التطوّع هائلًا، مقارنة بالحالة الصعبة للناس، ورغم ضعف الإمكانيّات وقلّتها؛ حوّلت هذه الإمكانيّات الصعبة إلى أعمال فنّيّة. فقط في غزّة يحترفون هذه الصناعة؛ صناعة مهرجان بأكمله دون موازنة، صناعة فيلم دون إمكانيّات، صناعة أغنية دون إنتاج، ودون أيّ موادّ يصنعون الفنّ التشكيليّ".

 

جانب من جمهور المهرجان

 

"سجّادتنا الحمراء مختلفة"

أضاف سائد: "الجميل في غزّة أنّ مَنْ يؤمن بشيء يبذل نفسه فيه، ولن أبالغ لو قلت إنّ مصروف الجيب للشباب، كان المصدر والعمل بدون مقابل، وباقي العمل كان من مجهودات الشباب واستعدادهم الهائل للعمل، ووعيهم بأهمّيّة وجود دار عرض في غزّة، وأن يكون ثمّة مهرجان خاصّ للسينما في غزّة".

وقال أيضًا: "لكنّني حقًّا تفاجأت من حجم النجاح، ولا سيّما بعد الدورة الأولى، لمّا رأيت اهتمام العالم، والصحف العالميّة تنشر صورة لنجوم هوليوود، وفي المقابل صورة لنجوم غزّة البسطاء بإمكاناتهم شبه المعدومة؛ ما حدث خطير جدًّا ورائع؛ لأنّه إثبات حبّ الحياة؛ فهذا الإنسان المحاصر والموت حوله يقول: أنا إنسان، وأنتمي إلى الإنسانيّة؛ بعكس الصورة الّتي ينقلها الإعلام عن غزّة، هم شعب وجيل موهوب جدًّا، و’السجّادة الحمراء’ أخذتنا بعكس المنطق والصورة النمطيّة، الّتي تظهر من خلالها غزّة بأنّهم غاضبون ناقمون على كلّ شيء".

 

أسئلة الأمن والرقابة

تحدّثت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إلى عبد الرحمن حسين، نائب المدير التنفيذيّ للمهرجان، عن الأفلام والصعوبات الإداريّة، والتحدّيات الّتي واجهت المهرجان، فقال: "بدايةً، وفي موضوع الحصول على الأفلام، فإنّنا نفتح على الموقع الرسميّ للمهرجان صفحة تسجيل للأفلام، ومن هذه النافذة يكون التسجيل للأفلام من قِبَل الجميع، المخرجين وشركات الإنتاج، قبل شهرين من المهرجان، وفي هذه السنة أرسل بعض شركات الإنتاج الأفلام لنا، ولنا أيضًا بعض الشركاء الّذين نحصل منهم على الأفلام، ويرشّحون بعض الأفلام لتُعرَض في غزّة والضفّة، ومن شراكاتنا العربيّة حيث تبادل الأفلام؛ إذ إنّنا ضمن الشبكة الدوليّة للأفلام، ويجري أيضًا التواصل مع الشركات الوطنيّة".

 

الأفلام المعروضة ضمن دورة المهرجان الرابعة

 

هل تحصل مشكلات بينكم والمؤسّسة الأمنيّة في غزّة؟ أو بينكم و"وزارة الثقافة" في غزّة؟ نجد أنّ المهرجان واجه الكثير من التحدّيات والصعوبات، هل حدثت هذه السنة مشكلات؟ سألنا حسين، فأجاب: " للحكومة اعتبارات دينيّة وسياسيّة. أوّل عامين، كان ثمّة خلافات مع وزارتَي الثقافة والداخليّة، وكنّا نأخذ التصاريح منهما بشكل شفويّ، وبعد عامين، بعد الضجّة الإعلاميّة، أعطتنا وزارتا الثقافة والداخليّة تصريحًا ورقيًّا لأوّل مرّة؛ ومع ذلك كانت الداخليّة تختلق المشكلات في الفعاليّات، وكان ثمّة بعض المضايقات منهم، مع علمهم المسبق بجدول فعاليّات المهرجان. كما توضع شروط على الأفلام وعلى محتواها؛ فنحن نشكّل لجنة لمشاهدة الأفلام ووضع الملاحظات عليها، ومدى ملاءمتها للثقافة المجتمعيّة، ثمّ نعطيها لـ ’وزارة الثقافة‘، ومن ثَمّ يعطون انطباعات على بعض المشاهد؛ فنضطرّ إلى تغييرها".

 

"الالتزام بالتعاليم الإسلاميّة"

تحدّثت مصادر مطّلعة إلى فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة عن هذا الأمر [محفوظة لدى هيئة التحرير]؛ فقالت: "تتعامل ’وزارة الداخليّة’ في غزّة بشكل مختلف معنا، نحن نضطرّ - مع أنّنا نمتلك تصريح الثقافة - إلى أخذ تصريح من الداخليّة، وفي ضمن التصريح الّذي تعطيه الداخليّة لنا، نجدها تنبّه بعبارات مثل ’التزام التعاليم الإسلاميّة والمجتمعيّة’، وتصريح الداخليّة أساسًا مرتبط بتصريح ’وزارة الثقافة’، ثمّ على ’دائرة السياحة’ في ’وزارة الداخليّة’، أو ما تُسمّى ’مباحث السياحة’... كلّ هذه الإجراءات تكون قبل العمل الميدانيّ للفعاليّات؛ ففي العمل الميدانيّ ثمّة مضايقات أخرى؛ يرسلون موظّفين من هذه الجهات إلى كلّ الفعاليّات، فيطالبوننا بمنع الاختلاط وضرورة الفصل بين الجنسين؛ إذ إنّهم يدخلون القاعة دون إذن منّا، ويتعارض ذلك مع طبيعة عملنا؛ فنحن نتعاقد مع شركة أمن خاصّة لتأمين المهرجان".

شهد على هذا شهود عيان، قالوا لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة: "مؤكّد أنّ سبب بعض المضايقات في اليوم الأوّل من الفعاليّات الجمهور الكبير، لكن في اليومين الثاني والثالث جاؤوا وقاموا فعلًا بفرز الحضور، الرجال في جهة، والنساء في جهة أخرى".

 

عرض "حجر الشمس" من إنتاج "أيّام المسرح" في غزّة، ضمن أعمال المهرجان

 

غياب "وزارة الثقافة" في رام الله

وحول دور "وزارة الثقافة" في رام الله، قال حسين: "السنة الحاليّة والماضية، لم يكونوا موجودين رغم تواصلنا معهم، والطلب إليهم المساعدة معنويًّا ولوجستيًّا وماليًّا، ولكن لم يكن منهم أيّ دعم في المهرجان، أمّا عام 2016، فأقيم المهرجان بمنحة من ’وزارة الثقافة’ في رام الله. أرسلنا إليهم طلبًا قبل شهرين من أجل المشاركة، وقالوا إنّنا نتأخّر في التواصل، ورغم ذلك نواظب على وضع شعارات ’وزارة الثقافة’؛ رغبة منّا في إعلاء اسم التمثيل الرسميّ، ولا سيّما أنّ المهرجان بطابع دوليّ".

وتابع: "المهرجان مستمرّ رغم ضعف الإمكانيّات؛ فنحن نواظب على عقد المهرجان سنويًّا، ويحصل المهرجان على اعتراف دوليّ وعربيّ، ونحن في المهرجان لا نعرض شيئًا بهدف تجاريّ بل وطنيّ، ولأنّنا نؤمن بالفكرة وبقضيّتنا، ونرجو أن يُلتفت إلى المهرجان، بما فيه من خدمة للمجتمع".

 

عن المستقبل

سألنا المخرج السينمائي خليل المزين مؤسس السجادة الحمراء ورئيس المهرجان عن مستقبل مهرجان "السجّادة الحمراء"، فقال: "نأمل أن نستطيع في الأعوام القادمة، دعوة مخرجين ومنتجين وممثّلين من الخارج، وأن نساعد في تسويق الأفلام المنتجة محلّيًّا، خاصّة الأفلام المنتجة داخل غزّة، أو أن نستطيع إرسال شبابنا إلى الخارج؛ لاكتساب الخبرات والمعرفة، وأن ننظّم أحداثًا ثقافيّة مرافقة للمهرجان، وندوات نقاش في الأفلام المعروضة ذاتها. أنا الآن خارج غزّة، ومن كندا كنت أتابع سير المهرجان وتحضيراته كلّ الوقت، لحظة بلحظة، كوني بعيدًا هذا العام كان أصعب؛ لأنّ مَنْ يقيم خارج غزّة، ليس له الحقّ في الحديث عنها كالّذي فيها. أرجو أن أستطيع الحضور العام القادم، وأرجو أن يستمرّ المهرجان كما هو، وأن ينتقل من نجاح إلى نجاح".

 

الدورة الثالثة من المهرجان، عام 2017، في ميناء غزّة | عمر القطّاع

 

وختم بالقول: "افتتحنا المهرجان هذا العام بفيلم الشهيد ياسر مُرْتَجى، الّذي رحل مع بداية مسيرات العودة؛ برصاصة استهدفه بها أحد القنّاصة الإسرائيليّين على الحدود. كان حلم ياسر مُرْتَجى أن يسافر، ويرى غزّة من الطيّارة، وكان حلمه أن يرى فيلمه النور، وهكذا قرّرنا أن نبدأ المهرجان".


 

نداء عوينة

 

بدأت العمل الصحافيّ وكتابة المحتوى والتحرير عام 2008، نشرت العديد من المقالات في الصحف والمواقع العربيّة والفلسطينيّة. حاصلة على البكالوريوس في اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، والدبلوم العالي في الإعلام، ودرجة الماجستير في دراسات التواصل الدوليّ، والدكتوراه في نقد الأدب العربيّ المعاصر.

 

 

 

تعليقات Facebook