مشرط وايزمن يشرّح "مكتبة نيو يورك العامّة"

مكتبة نيويورك العامّة | PPS

 

في كثير من الأحيان، تسيطر عليّ غريزة التملّك؛ تملّك وسواسيّ، تجاه الأمور الّتي تعنيني؛ أجدني حين أجلس في مطعم ما، أعيد تصميم ديكوره، أتساءل ما الأخطاء الإداريّة الّتي تجعل من نُدُله يتحرّكون ويتلفّتون بارتباك وفوضًى ظاهرة للعيان. أجدني قلقًا حيال العطر الرخيص في المراحيض، والّذي سيجرف معه سمعة المحلّ النظيفة. ومن الدافع نفسه؛ أمحو بإصبعي مباني بأكملها حين أجول بنظري في مدينة، يملك مخطّطوها ذوقًا أعوج، يشبه ذاك الّذي شيّد مشاريع الإسكان السوفييتيّة؛ ذوقًا ينسجم مع المناخ الشرق أوسطيّ تمامًا، كما تنسجم زجاجة فودكا مع أحد ظمآن في الصحراء. ثمّ ينتقل فكري إلى البلديّة، إلى بيروقراطيّيها التعِبين الّذين سمحوا، وربّما دفعوا بذلك إلى الحدوث، وإلى الآليّات الّتي كان ينبغي أن تعمل على إيقافهم، والنقاشات الّتي لم تسبر يومًا غور العلاقة بين بناية ما وخطّ الأفق، أو الحوار الّذي تجريه هذه البناية، مع بناية أخرى تطلّ عليها من الجانب الآخر من الشارع؛ كان على أحدهم أن يثير هذا النقاش، كان على أحدهم أن يلقي العطر خارج المرحاض، كان على أحدهم أن يحتفظ بالفودكا لنفسه. 

 

هوس المؤسّسات

إن كنتَ مثلي مشاهدًا موسوسًا في الطرق الّتي تعمل من خلالها المؤسّسات، وتُفتتن بها نفس الافتتان الّذي يشاهد به الأطفال مملكة نمل، إذن؛ لا تبحث عن أكثر من مشاهدة الفيلم الأخير لفريد وايزمن Fred Wiseman، أو الّذي قبله، أو الّذي قبل قبله. قال مرّة مخرج الأفلام الوثائقيّة الشهير إيرول موريس، صاحب "The Thin Blue Line" و"Vernon, Florida": "فريد يهوى المؤسّسات كما يهوى فلّيني السيرك".

 

 

أنتظر أفلام وايزمن كلّ عام كأنّها عيد ميلاد؛ فقد أصبحت عندي تقليدًا حتميًّا. يبلغ وايزمن الآن 89 عامًا، لكنّه يبدو في قمّته المهنيّة، فهو يصنع فيلمًا كلّ عام منذ 1952! خذوا دقيقة لتستوعبوا ذلك، إنّ احتفالي الشخصيّ بمناسبة قرب خروج فيلمه القادم "Monrovia, India" إلى النور، كان أن اقتنيت عبر الإنترنت فيلمه الأخير "Ex Libris"، فيلم يُنعش الروح عن "مكتبة نيويورك العامّة".

وايزمن يستخدم مشرطًا جراحيًّا، في قلب الأماكن الّتي ينظّم فيها المجتمع نفسه؛ حتّى يصير مجتمعًا: المستشفيات، والمدارس، والمسارح، والمصحّات العقليّة، والجامعات، والإسكانات، ومحطّات الشرطة، والأديرة، أيّ مؤسّسة تخطر ببالك، فعلى الأرجح صنع وايزمن فيلمًا عنها. الكاميرا لديه تنظر بلطف نحو أناس عاديّين يديرون المجتمع: ممرّضين، ومديرين، وفنّانين، ورجال شرطة، جميعهم يحملون فوق أكتافهم عبء المجتمع، ويوفّرون الخدمة الّتي تعود بالفائدة على الآخرين، و"يزيّتون" العجلات الّتي تجعل الحياة في الحيّز العامّ ممكنة.

 

جولة مهيبة

أوّل ما يحدث لك عند مشاهدة "Libris Ex" هو الغوص في مدينة نيويورك، والاغتسال بهوائها وضوئها وأصواتها، هي جولة مهيبة في أحيائها، حيث تكون المكتبة وتعمل. سود ولاتينيّون ويهود وآسيويّون؛ قوس قزح من بشر يدخلون أبوابها كلّ يوم باحثين، كلٌّ يبحث عن شيء، أمامهم وفرة من المصادر، والأنشطة، والأفكار، والخدمات، والحلول الّتي تقدّمها المكتبة، علاوةً على كونها مستودعًا للكتب. إنّ مشاهدة هذه اللوحة تجربة تبعث على التواضع.

 

فريدريك وايزمن

 

لن تجد حوارات في أفلام وايزمن، ولا تسجيلًا صوتيًّا للراوي، ولن تصادف مسمّيات وأسماء للمتحدّثين، أو كمنجات تعزف في خلفيّة لحظة عاطفيّة؛ فهو لا يستخدم الموسيقى البتّة. الأصوات والسرد والأسماء الوحيدة هي الّتي تظهر أمام الكاميرا؛ هذا كلّه جزء من اتّفاق مقدّس يعقده مع جمهوره: وايزمن لن يُملي عليك أفكارك، بل سيشيّد أمامك واقعًا ليترك لك القرار.

يمنتج وايزمن أفلامه بطريقة عبقريّة، التحرّكات من مشهد إلى آخر مداميك في عمران ماهيّة الدراما، مهما بحثت فلن تجد البنية الكلاسيكيّة للدراما. يتّخذ اختياراته بحساسيّة ناسج سجّادة، ينعطف من لحظات خاصّة إلى فضاءات عامّة، يبتر الفرديّ لينتقل إلى الجمعيّ، يخلط الغنيّ في الجادّة الخامسة مع الفقير في "برونكس"، ويجمع أولئك الّذين يبحثون عن الشعر الرائد، بأولئك الّذين يبحثون عن عمل، يبني مشهدًا طبيعيًّا ملوّنًا من بشر موجودين في حالة حوار مستمرّة، ويبحثون عن طرائقهم داخله، يفتّشون عن إجابات للأسئلة. بشكل ما، ينجح وايزمن في أن يقدّم لنا النظير البصريّ، للحوار الّذي نجريه في أذهاننا مع أنفسنا.

 

قصّة الجماعة من خلال الجماعة

يغوص، في أحد المشاهد، رئيس "مكتبة نيويورك العامّة" في نقاش مفصّل، في خلال جلسة للهيئة الإداريّة، حول الكيفيّة الفضلى لاستخدام نموذج الشراكة، بين القطاع الخاصّ والعامّ (PPP)؛ من أجل تمويل المكتبة. وكونهم ضمنوا الجزء الأكبر من الميزانيّة عن طريق البلديّة؛ ينبغي عليهم الآن أن يستخدموا مسألة الدعم، من أجل إغراء القطاع الخاصّ، ليكون مساهمًا هو الآخر. وفي المشهد التالي، يجتمع متقاعدون في "نادي الكتاب"؛ ليناقشوا رواية "الحبّ في زمن الكوليرا" لغابريل غارسيا ماركيز، "لازم كان يكون عنوانها صناعة الحبّ في زمن الكوليرا". قفزت إحدى السيّدات قلقة تجاه كثرة فعاليّات السرير في الكتاب. كلا المشهدين حظيا بوزنين متساويين عند وايزمن.

 

 

ما يجعل وايزمن مخرجًا رائدًا، حقيقة أنّ معظم الأفلام اليوم يتحدّث عن الأفراد، والعائلة، ومجموعة صغيرة من الناس، أو يحكي قصّة بطل، ومن خلال الفرد يُتاح لنا اكتشاف قصّة عالم أكبر، لكن يندر أن يحكي أحد قصّة الجماعة من خلال الجماعة، والحوار الّذي تتكافأ فيه الفرص، حيث المنظور الشخصيّ لكلّ فرد يسهم في تشكيل الانطباع الأخير. إنّ مفهوم تكوين الأفكار الّتي تنبع أصلًا من الجماعة، من الناس ومن أجل الناس، والّذي حضر في عهد الديمقراطيّة الإغريقيّة القديمة، يفتح بالنسبة إليّ سياقًا أوسع وأكثر دهشة في قراءة أعمال وايزمن. هنا اسمحوا لي أن أُبحر عند حنّا أرندت مستعينًا.  

 

استرداد العالَم

في مؤلّفها "الوضع البشريّ"، تعتبر أرندت سقراط آخر فيلسوف عظيم. لقد عمل سقراط، وسط رفاقه ووسط الأصوات المتباينة من حوله، على تشكيل حقائقه الفلسفيّة عن الحياة والوضع البشريّ، عبر تبادل حيويّ لآراء الناس في السوق، والأغورا؛ عبر الاستماع لهم وتشكيل أفكار مؤسّسة على وجهات نظر متعدّدة، وعبر سياسة الإقناع والتفاوض. عام 399 قبل الميلاد، وصل كلّ هذا إلى نهايته المباغتة عند محاكمة سقراط وموته. بعد قنوطه من الفقد، غيّر تلميذه أفلاطون هذا التيّار، وانسحب من الحياة الفاعلة نحو عالم باطنيّ وتأمّليّ من التفكير والتنظير السياسيّ. في "الجمهوريّة" ينكفئ أفلاطون في صورة الكهف، المكان المظلم البعيد عن المجتمع، البعيد عن الاشتباك المباشر والفاعل، يرفض التعدّديّة لصالح الفيلسوف الانعزاليّ، ويفكّر في الحلول السياسيّة من خلال التفكير في البشريّ فردًا.

عند هذه النقطة فصاعدًا، تقول أرندت في بيانها المدهش، إنّ طريقنا في التفكير السياسيّ أصبحت أكثر انفتاحًا نحو إله واحد، ملك واحد، طاغية واحد، وربّما اليوم نحو رأي واحد جامع، يتغذّى يوميًّا على آلة مواقع التواصل الاجتماعيّ. وحسب أرندت؛ فإنّ المجتمع الحديث نتاج مباشر لذاك التمزّق، الّذي حدث عام 399 قبل الميلاد. إنّ إعادة إحياء المواطنة في المجتمع الحديث - في رأيها - منوطة أوّلًا باسترداد العالَم الّذي نتشاركه جميعًا، وثانيًا بخلق تعدّد في المنابر الّتي يستطيع الأفراد أن يُظهروا عبرها هويّاتهم، وأن يؤسّسوا لعلاقات تبادليّة وتضامنيّة.

 

 

يعجبني الاعتقاد بأنّ وايزمن مخرج كرّس حياته - بلا كلل - في سبيل استرداد هذه المنابر، وتقديم الحقيقة من خلال وجهات نظر متعدّدة، والاشتباك الفاعل مع جميع أشكال الأغورا في حياتنا الحديثة.

أتطلّع إلى مشاهدة فيلمه القادم، والّذي يليه، وسأكون محظوظًا.

 ترجمة: أسماء عزايزة.

 

 

آدم زعبي

 

منتج سينمائيّ وتلفزيونيّ. عمل في المؤسّسة الإيطاليّة للمنتجين والمخرجين المستقلّين (API) مساعد مخرج للإيطاليّ إتوري سكولا. أسّس أوّل مهرجان دوليّ للسينما في فلسطين عام 2003. أدار استوديو للإنتاج في لندن مدّة 8 سنوات، يتخصّص في ابتكار مضامين بصريّة لشركات رائدة مثل "غوغل"، و"ناشونال جيوغرافيك"، و"بي بي سي"، وغيرها. حاصل على درجة الماجستير في الحقوق الروحيّة الدوليّة من جامعة SOAS  في لندن.

 

 

تعليقات Facebook