Sex Education: هل يمكن للكوميديا أن تثقّفنا جنسيًّا؟


"تربية جنسيّة - Sex Education"، آخر صرعات "شركة نتفلكس" (Netflix Originals)؛ مسلسل بريطانيّ وصل عدد مشاهداته في شهره الأوّل إلى 40 مليون مشاهدة، وفق إحصائيّات الشركة. ينسبه النقّاد والكتّاب في مجال التلفزيون إلى جانر/ نوع "كوميديا المراهقين" (Teen Comedy) - ثمّة جدل حول التسمية، إذ يرى البعض أنّ جمهور الهدف الرئيسيّ، لهذا الجانر التلفازيّ، المراهقون أنفسهم، بينما يرى آخرون أنّ المراهقة موضوع فحسب، ولا يقتصر المشاهدون على جمهور المراهقين - ثمّ يتبع ذلك من الآراء السائدة حول المسلسل، مقارنته بمسلسلات من نفس العائلة، كمسلسل "فم كبير - Big Mouth"، وغيره من المسلسلات، الّتي تتمركز حول ثيمات وموضوعات مرتبطة بالعلاقات والجنس لدى المراهقين.

 

 

أفضّل عمومًا تجنّب قراءة الأعمال البصريّة والأدبيّة، من المنظور النوعيّ والجانريّ، ومراجعتها، على الرغم من أنّ بعض المسلسلات تملي علينا قراءتها وفق معايير النوع، وتسألنا أن تعود ونتطرّق إليها من هذا المنظور؛ لتمكث فيه ثمّ تطلب انتقاده، وعليه وفق تصنيفاتنا؛ تقوم هي بترميمات وتصليحات، أو تقوّض محتواها ونوعها من الداخل.

 

عيادة في المدرسة

يأخذنا المسلسل "تربية جنسيّة" إلى عالم العلاقات الحميميّة والجنسيّة، عبر طالب في المرحلة الثانويّة اسمه أوتيس، وأمّه جاين، الاختصاصيّة الجنسيّة، المختصّة بالعلاقات الزوجيّة. يتّخذ منهما المسلسل شخصيّات مركزيّة، ومحورًا أساسيًّا تتحرّك من خلاله الحبكة. وفي الوقت ذاته، يبطل المسلسل مركزيّتهما، وينتقل بخفّة وذكاء إلى شخصيّات أخرى، ويمنحها مسارًا مركزيًّا مشابهًا.

يقرّر أوتيس ابن السادسة عشرة؛ مستلهمًا ومتأثّرًا باختصاص أمّه، وبتشجيع من زميلته مايف، إنشاء "عيادة" داخل جدران مدرستهما، يقدّم فيها استشارة في ما يخصّ الجنس والعلاقات الحميميّة لأترابه وزملائه في المدرسة. وهي أيضًا خدمة غير مجّانيّة، يوفّرها ابن السادسة عشرة، تشاركه أرباحها زميلته مايف، مقابل المبادرة لفكرتها وجلب الزبائن.  

 

القضيّة الأزليّة

يتحرّك المسلسل بخفّة وذكاء، وهو فكاهيّ ومضحك، ويلامس الأعماق، لا يبقى على السطح. يعاني أوتيس، وهو ابن الاختصاصيّة الجنسيّة، الّذي عيّن نفسه اختصاصيًّا في حيّز مدرسته وبين أبناء جيله، يعاني مشكلة جنسيّة بنفسه، فهو - وكما تقدّمه أمّه لاحقًا في كتاب تكتبه عنه - يعاني الكبت الجنسيّ، فتصفه بأنّه "عاجز" عن إقامة علاقة جنسيّة، أو حتّى ممارسة الاستمتاع الذاتيّ.

 

 

يحاول أوتيس التظاهر أمام أمّه بأنّه شابّ "مثل سائر الشباب"، في أمر الجنس والعلاقات الحميميّة؛ فهو يؤثّث لها في غرفته، مشاهد تدفع الأمّ إلى الظنّ بأنّه يستلذّ بإمتاع نفسه، فيفرد المجلّات الجنسيّة على سريره، ومناديل مستعملة من "الليلة الفائتة"، لكن كلّ هذه المحاولات لا تنطلي على الأمّ، الّتي نتعلّم تدريجيًّا بأنّ انفتاحها ومشاركتها الفائضة أحيانًا لابنها، في ما يتعلّق بالجنس والعلاقات الحميميّة، ما هي إلّا وجه آخر للقضيّة الأزليّة الصعبة، الّتي تواجه جميع الأهل في العلاقة بالأبناء، وهي تقبُّل استقلاليّة أبنائهم وفردانيّتهم واختلافهم عن الوالدين، وفي الوقت ذاته، الإمساك بالإدراك المناقض بأنّهم جاؤوا منك، ويشبهونك، وجزء من تكوينك؛ وهي مهمّة سيكولوجيّة صعبة، حتّى على أمّ مختصّة في العلاقات الزوجيّة والجنسيّة.

 

ليس مستحيلًا

يقدّم لنا المسلسل مشاهدة تمتّع الأنظار وتثقّف الأذهان؛ وذلك ليس بالقليل لمسلسل ينحدر من جانر يتعامل مع الجنس والعلاقات الجنسيّة والحميميّة بتهوّر، من حيث الرسائل والقيم الّتي يتضمّنها، وهو جانر غالبًا ما كان يأتي "بالنكتة الجنسيّة" و"الفكاهة"، على حساب قيم وأخلاقيّات إنسانيّة، تسيطر عليها الذكوريّة، والهوموفوبيا، وتَشْييء النساء (فكّروا كم كنّا صغارًا عندما شاهدنا "American Pie").

ثمّ إنّ عنوان المسلسل يتضمّن هذا الوعد، بأنّه سيثقّف المشاهدين؛ وهذا لا يُفقده قيمته الفنّيّة، بل يضيف إليها، فالمسلسل قد نجح بأن يحافظ على الدعابة والكوميديا، دون أن يغازل معتقدات نمطيّة وذكوريّة، حتّى أنّه فعل أكثر من ذلك؛ فقد أظهر أنّ ما هو مستحيل على بعض الفنّانين العاملين في الكوميديا خاصّة، من غَرْفٍ للقضايا الجنسيّة والجندريّة والعلاقات الحميميّة، وتحويلها مادّة كوميديّة، من دون أن تكون مؤذية، بل حتّى بنّاءة، أظهر أنّ ذلك ممكنًا وليس مستحيلًا.

 

دون تنظير وفوقيّة

تكمن أهمّيّة المسلسل - كما أشرت - في قدرته على التثقيف دون تنظير وفوقيّة، وأيضًا في قدرته على تصوير رؤية وتقديمها، لحياة تكون فيها العلاقات البشريّة الحميميّة والجنسيّة وغيرها، في حالة أفضل كثيرًا ممّا هي عليها اليوم، وتفعل ذلك ببراعة فنّيّة وذكاء. مثلًا، نتعرّف إلى صديق أوتيس المفضّل، هو إيرك، شابّ أسود ومثليّ - هذه تصنيفات لا يفعلها المسلسل، بل الكتابة عنه قد تَلجأ إلى تسميات وتصنيفات؛ فالمسلسل أكثر كويريّة من المصطلحات الّتي اضطرّ إلى استخدامها - تقوم بين الاثنين علاقة صداقة حميمة وقريبة جدًّا. يقدّم أوتيس هديّة في عيد ميلاد إيرك؛ تذكرتين لمشاهدة عرض معًا، من عالم التحوّل الجنسيّ واستكشاف الهُويّة الجندريّة، ويرقصان معًا في حفلة تقيمها المدرسة.

 

 

يصوّر لنا المسلسل علاقة صداقة حميميّة بين شابّين أو ذكرين، وغير نمطيّة أبدًا؛ فمتى شاهدنا على التلفزيون شابّين صديقين يتعانقان، ويعبّران عن حبّهما لبعضهما بعضًا، بلا أن يكون لذلك علاقة بالميول الجنسيّ؟

 

"هذا فرجي أنا"

إضافة إلى هذا، لا يكتفي المسلسل باستعراض مصاعب ومشاكل يمرّ بها المراهقون، بل يحاول تقديم مشاهد تشبه حلولًا مقترحة. تتعرّض روبي، إحدى طالبات المدرسة، إلى التهديد من أحد الطلّاب/ الطالبات في المدرسة، حيث تسرّبت صورة لفرجها، وتداولها طلّاب المدرسة في هواتفهم. تعرّضت روبي للتهديد بكشف هُويّة صاحبة الفرج، ,في ساعة معيّنة في اليوم التالي، ضمن أحد التجمّعات الطلّابيّة وطاقم المدرسة.

في هذا المشهد المؤثّر، يبدأ الطلّاب بالنميمة... "سمعت أنّ هذه صورة لفرج روبي"، بينما تخفض روبي رأسها مُحرَجة، ولكن سرعان ما تنهض صديقتها وتُعلن، بحضور الجميع: "هذا فرجي أنا"، ثمّ تنهض مايف، وتعلن: "لا، هذا فرجي أنا"، ثمّ تنهض أخرى، وتعلن: "لا، كلتاكما مخطئتان، هذا فرجي أنا"، ثمّ تنهض أخرى، وتعلن: "أنا أيضًا أملك فرجًا" ... ويستمرّ نهوض الطالبات... (ينهض طالب لا يملك فرجًا، ويعلن أنّ هذا فرجه)، حتّى ينتهي المشهد، وتُقفل الحلقة بنهوض روبي (ضحيّة الاعتداء والتهديد)، وإعلانها: "هذا فرجي أنا". جميل هذا المشهد وقويّ، أحاول تجنّب تأويله وتحليله؛ لكيلا أفسد التجربة العاطفيّة والذهنيّة الّتي يخلّفها المشهد في المشاهدين.

 

 

نهايةً، لهذا المسلسل مقولة مهمّة في الجنس، والحديث فيه وحوله، بشكل ناضج وواعٍ؛ مقولة تعمّق العلاقات الّتي نقيمها، وتطوّرها، سواء عائليّة كانت، أو عاطفيّة، أو جنسيّة، أو متأسّسة على صداقات عابرة كانت أو حميميّة، سواء كنّا مراهقين أو بالغين.

أوصي بمشاهدته والتمتّع به، والإصغاء إلى ظلال معانيه ومقولاته المختلفة عن العلاقات، والتعدّديّة والاختلاف؛ وذلك بواسطة إلقاء صفّارة التحكيم الأخلاقيّ جانبًا لساعة واحدة فقط.

 

 

تمارا ناصر

 

 

دارسة للأدب الإنجليزيّ، والسينما، وعلم النفس. حاصلة على شهادة علاجيّة ولقب ثانٍ من جامعة حيفا في البيبليوترابيا - العلاج بالقصّة، والقراءة، والكتابة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook