فيلم "يوم الدين": تمرّد "المشوّه" على سلطة "المصحّة"

بيشاي وأوباما

 

"تُنسى كأنّك لم تكن...
شخصًا ولا نصًّا ... وتُنسى".
 (محمود درويش)

 

في لحظات وداع زوجته ورفيقة دربه الوحيدة، وعلى هامش مراسم دفن، وجنازة لم يتعدّ مشاركوها عدد أصابع اليد الواحدة، يبدأ مشهد مُوازٍ، يتشكّل في مخيّلة البطل بيشاي (راضي جمال). إنّه مشهد لجنازته هو؛ إذ يتملّكه الخوف والحسرة فجأة من أن يكون نسخة مشابهة لما رآه. إنّها جدليّة الموت حين توحي إلينا بما يجب أن تكونه حياتنا.

 

رحلة بحث

في هذه النقطة القاتمة، يقرّر بيشاي - وهو مريض الجذام - المضيّ برحلة البحث عن عائلته، الّتي تركته منذ الطفولة، "يتعالج" في ما يُطلق عليه "مستعمَرَة الجذام" في أبو زعبل، وبكلمات حداثويّة: "مصحّة الجذام"، الّتي قضى فيها جلّ عمره، وعاش عاملًا بين أكوام القمامة، حيث تزوّج في هذه المستعمرة، إلّا أنّه لا يريد أن يموت كما ماتت فيها زوجته.

 

 

الطريق الاستكشافيّة إلى العائلة القاطنة في المنيا، بعيدة ومحفوفة بالمجهول من جانبه، ينطلق بها بيشاي، غير متسلّح إلّا بوسيلة نقل لم تتعدّ حماره المسمّى حَرْبي، وخريطة بدائيّة رسمها له أحد الأصدقاء، وهو الّذي لم يسبق له أن ركب أيّ وسيلة نقل. ينطلق مع حَرْبي ورفيقه الطفل أوباما، وهو طفل نوبيّ يتيم، عاش في المستعمَرَة، أصرّ على التطفّل ومرافقة بيشاي في رحلته المجهولة.

مع انطلاق الرحلة، تبدأ خيوط الفيلم بالتفتّح إزاء ما يواجه بيشاي والطفل أوباما، من مفارقات الاصطدام الأوّل ومعضلاته، مع المجتمع الخارجيّ، ومع هذا "العالم الآخر" بالنسبة إليهما. كان لا بدّ لهذه المفارقات والمشكلات من أن تحدث، نتيجةً لهذا الاصطدام وما يتركه لدينا من أسئلة حول "التشوّه" و"السلامة".

 

تمرّد بيشاي

في تطويره مفهوم "البيو - سياسة"، يحدّثنا ميشيل فوكو عن علاقة وثيقة بين إنتاج الخطاب المؤسّساتيّ (الطبّيّ أو العلاجيّ أو العلميّ)، وسبل السيطرة على الجسد وأدواتها في إطار الحداثة؛ تلك السيطرة الّتي تتعدّى المفهوم المباشر من القمع الحديديّ في الزنزانة. إنّها قوّة سلطة الرقابة على الجسد والسيادة عليه، في إطار موضعته وضبطه ضمن خطاب "صحّيّ" "موضوعيّ"، وبناء الحيّز والحدود الخاصّة به. هذا الحيّز (المكانيّ أو الاجتماعيّ)، يضبط "شذوذه" و"تشوّهه"، ويصبح الضبط "طبيعيًّا" ضمن "المصحّة". وليس الاسم "الرسميّ"، الّذي يُطلق على "مصحّة الجذام"، إلّا خير دليل على هذا الضبط.

بهذا المنظور، يمكن قراءة خروج بيشاي من هذا العالم "المخصّص له، وجسده المشوّه"، نوعًا من التمرّد اللاواعي على سلطة الضبط هذه؛ ليعيش ونعيش معه رفْض العالم الخارجيّ لهذا الوجود الجسديّ معهم، خارج "حيّزه المعدّ".

 

 

رفْض العالم الخارجيّ ليس سوى تكريس لهذه السلطة اجتماعيًّا؛ فتشاهد مثلًا رفض الأمّ أن يسبح بيشاي مع أطفالها، خوفًا من انتقال العدوى، أو في مشهد الرفض الفجّ له في القطار، الّذي يركبه لأوّل مرّة بعد وفاة الحمار حربي؛ ليصرخ متمرّدًا بذروة الغضب في وجه الركّاب: "أنا إنسان"؛ ليحيلنا في هذا المشهد، إلى مشهد مشابه من السينما العالميّة في فيلم "The Elephant Man" (1980)، الّذي صرخ فيه البطل في موقف مشابه: "I am not an animal, I am a human being".

تتشابك سلطات الضبط والرقابة في مشهد القبض على بيشاي، وسجنه، ورفض المساجين وجوده معهم في نفس الزنزانة؛ لتتعمّق معها رؤية السلطة وصورتها وترامي أطرافها، خاصّة في أثناء الحوار بين بيشاي والمسجون "المتطرّف دينيًّا" ورفاقه، وإخفاء بيشاي هُويّته القبطيّة عنهم، مختارًا لنفسه اسمًا مسلمًا؛ فيأخذك هذا المشهد والمونولوج إلى سؤال إضافيّ، حول معنى تعدّد صور الرفض، وعدم اقتصاره على ثيمة الجسد.
 

حياة فائضة عن الحاجة

مع اقتراب بيشاي من العثور على عائلته ومسقط رأسها، والوصول إليها، يلتقي أخيرًا في عالم يجد نفسه منتميًا إليه، وإن بمفهوم آخر عن انتمائه إلى عالم المستعمَرة وأبنائه؛ إنّه عالم "المتسوّلين المشوّهين"، فيقضي معهم محطّته الأخيرة قبل الوصول إلى المنيا. يحيلك الحوار بينهم حول "شذوذهم"، والشعور بالرفض والهامشيّة في العالم الّذي يعيشونه، إلى مصطلح "الحياة الفائضة عن الحاجة"، الّذي تحدّث عنها سلافو جيجيك، ومن قبله زجموند باومان. هي جدليّة إنتاج الحداثة والرأسماليّة في أجشع صورها، لأشخاص وأحلام فائضة عن حاجة النظام؛ بمعنًى أدقّ لأشخاص لا حاجة إليهم في هذا العالم، وأماكن كاملة خارج نطاق "الحاجة" الحديثة؛ فمع تطوّر سؤال "النفعيّة"، يصبح كلّ شيء بحاجة إلى إثبات نفعيّته للنظام، حتّى يحصل على صكوك تبرّر وجوده ضمن المشهد القائم، غير ذلك يُتقيَّأ خارجه.

 

 

إلّا أنّ هامشيّة بيشاي ورفاقه الجدد، أشدّ وأكثر شراسة؛ فهي ليست هامشيّة الأحلام الضائعة المعصورة، في تطوّر المدينة الحديثة وجشعها، كما صوّرها المخرج محمّد خان في "الحرّيف" (1984)؛ فهامشيّة بيشاي مختلفة عن هامشيّة فارس (عادل إمام) في "الحرّيف"؛ فالأخير رغم طحنه في المدينة إلّا أنّه يبقى جزءًا من المشهد، وإن كان على هامشه. أمّا هامشيّة بيشاي فهي هامشيّة خارج المشهد، يتقيّؤها النظام السياسيّ والاجتماعيّ معًا.

هامشيّته ذوي "الأجساد المشوّهة" و"المرضى"، ليست مرتبطة فقط بالحداثة، وقد كانت قائمة قبلها، إلّا أنّ تطوّر أدوات الضبط والرقابة وتوسّع أظافرها، يجعل من تقيّؤ هذا "التشوّه" أكثر قتامة وقمعًا.

 

واقعيّة صادقة

ينتمي عمل أبو بكر شوقي، بمختلف تفاصيله، إلى أعمال "الواقعيّة الجديدة"؛ فثمّة صدق في تصوير الواقع مهما كان قاتمًا، كمشاهد "المستعمَرَة" الداخليّة، والمرض، وأكوام القمامة، الّتي تحوّلها الكاميرا إلى لقطات إبداعيّة متقنة؛ الواقعيّة الصادقة تطغى مهما كان البؤس عميقًا والقبح فضّاحًا.

استُكملت هذه الواقعيّة الجديدة؛ بالاستعانة بممثّلين من العالم الحقيقيّ، لا يؤدّون الدور فحسب، بل هم أنفسهم أصحاب الدور في الحياة أيضًا، وهو إن كان يُحسب للعمل في جانب، يُحسب عليه في جانب آخر، حيث بدا بعض الحوارات والجمل كأنّها لُقّنت للممثّل لترديدها؛ فجاءت كأنّها مقحمة على عالمه، وهذا ثمن عدم الحرفيّة "بالمعنى الفنّيّ الصرف"، إضافة إلى ضعف الحضور النسائيّ في العمل، باستثناء حضور الممثّلة شهيرة فهمي في دور الممرّضة.

 

 

رغم ما يبدو من أنّ العمل سيُصنّف من "أفلام المهرجانات"؛ تدليلًا على التنبّؤ بانحساره الجماهيريّ الشعبيّ ونخبويّته، يبقى "يوم الدين" من أكثر الأعمال تميّزًا في السنوات الأخيرة، وفي أعمال ما يُسمّى "سينما الرحلات" عمومًا، ويستحقّ - بلا شكّ - المنافسة في أهمّ المهرجانات؛ فهو يطلّ على نافذة في غاية الأهمّيّة، وإن كانت في غاية القتامة، نافذة نتساءل فيها عن هُويّة المشوّهين الحقيقيّين، وينتظر فيها هؤلاء، الإنصاف الحقيقيّ في "يوم الدين" الّذين ينتظرونه.

 

 

خالد عنبتاوي

 

 

طالب دكتوراه في "معهد جنيف - قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا". باحث في مركز "مدار"، كما عمل في مركز الدراسات "مدى الكرمل"، وهو ناشط سياسيّ واجتماعيّ. نشر عدّة موادّ سياسيّة في مجلّة "جدل" ومجلّة "قضايا إسرائيليّة"، وكذلك موادّ ثقافيّة في منابر أخرى. صدرت له مؤخّرًا دراسة حول "الحكم العسكريّ في الضفّة الغربيّة" عن مركز "مدار".

 

 

 

تعليقات Facebook